إيران أربعة عقود من الثبات والتحدّي

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

تعمل الإدارة الأمريكية جاهدة منذ سقوط أحد اكبر عملائها في 11/2/1979، على استعادة تأثيرها المباشر الذي فقدته في إيران، وهي التي كانت تعدّها من قبل موقعا متقدّما، في حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق، وشرطيا مهابا ساهرا على منطقة الخليج الفارسي، محافظا على مصالحها هناك.

وقد جرّبت أمريكا مع إيران جميع الأساليب الخبيثة والغير مشروعة – وتلك عادتها من أجل اخضاع الدول الخارجة عن طوعها- من اطلاق عملائها للقيام بأعمال ارهابية، استهدفت كيان النظام الإسلامي، ذهب ضحيتها عشرات من كوادره، أذكر أهمّها: التفجير الارهابي بتاريخ 28/6/1981، الذي استهدف حزب جمهوري اسلامي، وأدّى إلى ارتقاء 73 من كوادره، في مقدمتهم مهندس الثورة والدستور، الشهيد بهشتي، وتفجير مقر رئاسة الوزراء، بتاريخ 30/8/1981، وأسفر عن شهادة كل من رئيس الجمهورية السيد محمد على رجائي، والشيخ محمد جواد باهنر.

ومع بداية تسليط حزم العقوبات، أوعزت لصدام حسين، شن عدوان على إيران من حدودها الغربية، استمر ثماني سنوات، قدمت فيه إيران خيرة شباب ثورتها، قربانا لصون نظامها الإسلامي، الذي اختاره الشعب بأغلبية ساحقة، وانتهى العدوان إلى الفشل والانكسار، وفي الاثناء كانت تقيم القواعد العسكرية في محيط إيران، وتخطط للقيام بعمل اكبر، ويبدو انها اكتشفت عدم جدوائية وفعالية جميع ما قامت به، بالنتيجة الحاصلة التي ظهرت فيها إيران بقيادة نظامها الإسلامي الموفّقة، رغم كل أعمال أمريكا العدوانية، متقدّمة في سباق العلوم والصناعات والتكنولوجيا، ذات برامج تنموية طموحة، تنافس بها الدول المتقدمة عليها بما فيها امريكا، وهنا يكمن اصل الانزعاج الامريكي من تقدّم إيران ومنافستها.         

خيبات أمريكا المتكررة، دفعتها من جديد إلى احياء لعبتها القديمة في العدوان على إيران، ليس بوسيط واحد كما فعلت أول مرة، ولكن هذه المرة بوسطاء وشركاء، مصنّفين لديها على رأس قائمة العملاء الموثوق بولائهم، والذين لم يترددوا في كشف علاقاتهم الحميمية بالكيان الصهيوني، كالسعودية، والامارات، والبحرين، وقطر، ومصر، والاردن، والمغرب.

توريط هذه الدول في مواجهة إيران بهدف تغيير نظامها بالقوة بعدما باءت محاولات تغييره بالخداع والحيلة سيكون بقيادة أمريكية لا شك في ذلك، مشاركة صهيونية تبدو كبيرة، خصوصا وأن الكيان الصهيوني لم تبقى أمامه من عقبة كؤود تهدد وجوده، سوى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومشاركته في هذا الحلف المرتقب، لن تكون الا بالحجم الكبير، ومن هذا التوجه نفهم أن المستهدف ليس النظام الإسلامية في إيران، وانما مشروعه الإسلامي في الوحدة والتحرير، فكل من آمن بعدالة القضية الفلسطينية، وطريقها الوحيد المقاوم، لتحريرها من الهيمنة الصهيونية، سيكون مستهدفا بشكل أو باخر.

في مقال له بعنوان: (إيران المدفوعة L’Iran acculé )، كتب المؤلف والصحفي الفرنسي (تيري ميسان( Thierry Meyssan عن إيران بعقلية الاعلامي الغربي، المتأثر بالهيمنة الامريكية على العالم:

(تستعد الولايات المتحدة لتنظيم “الشرق الأوسط الموسّع” بدون قواتها.. في إنشاء تحالف عسكري يهودي- سنّي ضد الشيعة، أطلق عليه “الناتو العربي”.. وبينما ينسحب البنتاغون من “الشرق الأوسط الموسّع” للاستثمار في “حوض الكاريبي” ، يستعد البيت الأبيض لإعادة تنظيم حلفائه في المنطقة، ولهذا الغرض ، سيعقد في وارسو في 14 و 15 شباط / فبراير اجتماع وزاري “لتعزيز مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط”. سيشارك كل حلفاء الولايات المتحدة.

وقد عقد وزير الخارجية الأمريكي في 10/1/2019 مؤتمرا بالجامعة الأمريكية في القاهرة، حدد فيه هدفين:

– مواجهة “النظام الإيراني” و “وكلائه”

– إنشاء تحالف استراتيجي يهودي – سني ضد إيران الشيعية) [1].

التآمر الامريكي على إيران اصبح مكشوفا، وإن ظهر بعناوين تمويهيّة، كالإدّعاء بعدم شعبية نظامها، كما تحاول الآن إلصاقه الآن بنظام فنزويلا الشعبيّ، فلم يعد هناك من عائق يحول دون تحقيق طموحاتها، في الهيمنة بكيانها الصهيوني الغاصب على منطقة الشرق الأوسط سوى إيران الإسلامية ومخططها الناجح في التصدّي لها وفضح أعمالها ومقاومتها.

40 عاما مرت على سلسلة الإثم والعدوان، التي سلطتها الإدارة الأمريكية، برؤسائها السبعة المتعاقبين، وطواقم حكمها الثابت على معاداة كل نفس تحرّري، يرفض الإذعان لمشيئتها، وعقيدة لا تخضع لهيمنتها، 40 عاما من الخيبات في سياساتها العدوانية، دون أن تستخلص العبرة من فشلها كل مرّة، وتتراجع في شيء منها، 40 عاما حققت فيها إيران ما يشبه المعجزة، بما لم يحققه نظام آخر، أعلن صراحة مبادئه، ولم يتردد لحظة في التعبير عن عدائه المبدئي للصهيونية والإستكبار، كقوى معادية للإنسانية وقيمها النبيلة.

40 عاما وأمريكا والكيان الصهيوني وعملاءه في المنطقة، يتخبطون في حيرتهم، فلا يجدون سبيلا لإيقاف اندفاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والحدّ من سرعتها في تحصيل العلوم والتكنولوجيا، ذلك أنّهم لم يقدروا ولا تجرأوا عليها، وهي تخطو خطوات نموّها الأولى، فكيف بها اليوم، وهي في كامل رشدها، وتمام امساكها بزمام أمورها، على المستويين السياسي والإقتصادي والأمني، محاطة ومدعومة بشعبية، تتمنّاها الأنظمة المعادية لإيران ولا تبلغها.

40 عاما والنظام الإسلامي في إيران يمدّ يده لدول الجوار وشعوبها، ويدعوهم إلى واجبات اسلامية أكيدة، لا تحتمل التأخير أو الاهمال، كالأخوّة والوحدة الاسلامية، يدعوهم الى التعاون باعتبار المصير المشترك، والى حل قضاياهم المصيرية العالقة، وعلى راسها القضية الفلسطينية، لكنه وجد نفسه في نهاية المطاف وحيدا، بل وقد تآمرت عليه دول محسوبة على الإسلام، وتسعى منذ فترة الى تشكيل تحالف عربي صهيوني، لمواجهة إيران بأوامر أمريكية، ومؤتمر وارسو بالعاصمة البولندية، سيكون حجر الزاوية لقيامه، والإدارة الأمريكية ومن ورائها الصهاينة، يريدون الحصول على شرعية، ولو كانت وهميّة في شن عدوان عليها، من شأنه أن يحدث فتقا بين النظام الإسلامي في إيران والعرب يصعب رتقه، وبالتالي القضاء على ما بقي من أمل في قيام الاسلام ونهضة أهله.

أربعة عقود من مواجهة التحدّيات، أثبتت أن النظام الإسلامي في إيران، قادر على رفع اي تحدّ يحول دونه وبلوغ أهدافه، وقد أثبت بالأرقام نجاحا لن يحققه نظام آخر في العالم، لو تعرض لما تعرّض له، ولسوف تستمر مسيرة مواجهة الاستكبار والصهيونية، الى النصر المؤزر وعدا من الله والله لا يُخلف وعده.     

المرجع

[1] “Mike Pompeo’s Remarks at the American University in Cairo”, by Mike Pompeo, Voltaire Network, 10 January 2019.

 

تعليقات الفيسبوك