التطبيع مع الكيان الصهيوني في اقبح مظاهره

بقلم محمد الرصافي المقداد |

شاءت الاقدار أن تسقط جميع الاقنعة، التي كانت تخفي معائب أنظمة عربية، طالما ادّعت خدمة العرب والمسلمين، ومساندة قضياهم العادلة، وخصوصا القضية الفلسطينية، سقوطا كشف مدى قبح تلك الوجوه وزيف إدّعائها، ورداءة ما أقدمت عليه، فقد انفتح علينا بجهود هؤلاء، باب التطبيع مع الكيان الغاصب لفلسطين والقدس على مصراعيه.

نعم أقولها بكل أسف، لقد أصبح التطبيع مع أكبر بؤرة للإرهاب الدولي، حلبة تتسابق فيها حكومات عربية عديدة – لنيل ودّها ارضاء لأمريكا – وفي مقدمتها انظمة خليجية، ماطت عن حقيقة أمرها، وما كانت تخفيه فيما مضى من زمن تأسيسها، وصفقة القرن التي أعدها اللوبي الصهيوني في الادارة الامريكية، تقتضي أن ينتقل حكام العرب من طور اخفاء علاقاتهم الحميمية مع الكيان الصهيوني، الى طور اظهارها واعلانها على الملأ، بلا ادنى حرج فيما اقترفوه من خيانة لالتزاماتهم الاخلاقية والدينية وحتى الانسانية، تجاه شعوبهم من ناحية، وتجاه الشعب الفلسطيني من ناحية اخرى، بخذلانه في استرداد حقوقه المشروعة، والتخلّي عنه بهذا الاسلوب الذي يعبّر عن لآمة متأصّلة فيهم.

لم يوجد للنظام المصري الاسبق مبرر واحد، يدفعه للتنصل من وعوده التي قطعها، للدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فأمضي على اتفاقية كامب دافيد، ويسجل أول وصمة عار في العصر الحديث لتاريخنا العربي، ثم لم يلبث أن يتبعه على ذلك ملك الاردن، فأمضي اتفاق وادي عربة مع الكيان الصهيوني، ولم يبقى من دول المواجهة غير سوريا ولبنان.  

واليوم اذا نفتح ملف تطبيع الدول العربية مع الكيان الصهيوني، بظهور اعراضه على سياسات اغلبها، كلّ حسب ما توصّلت اليه من مراحل ونتائج، ايمانا منا بأن ما ظهر منها، ليس بمقدوره أن يغير من واقع الكيان الصهيوني الغاصب شيئا، ولا من سقوط الانظمة المطبعة معه اخلاقيا ودينيا، فالعار لن يتحوّل الى شرف، والخبيث لن يكون طيّبا، وإن أفرغ عليهما من زيف السياسة تمويها.

السباق المحموم، الذي نراه اليوم على أشدّه بين دول الخليج دون استثناء، قد أظهر تفوقا ملحوظا للسعودية، باعتبارها ربّانة سفينته، وقائدة قافلته، وعازقة جوقته، وبدونها يبقى متراوحا مكانه، وهي التي بثت فيه روح حركته الشيطانية، ودفعت به أشواطا متقدمة، ورعته من أول أيامه التي درج فيها، الى أن يتحقق الوعد الامريكي في قيام اسرائيل الكبرى، بفضل هؤلاء الحمقى.

وتأتي الامارات العربية اصطفافا مع السعودية، لتعبّر عن مدى انسجامها في مسار التطبيع، ولا تتردد في التعبير عنه بأشكال مختلفة، للقيمة التي ستحظى بها عند وليّ نعمتها الأمريكي، وكثيرة هي اساليب التودد التي بدرت من دول الخليج فمنهم من قدم الاموال للكيان ومنهم من استقبل كبار سياسييه كما فعلت ذلك سلطنة عمان باستقبال رئيس وزراء الكيان والوفد المرافق له، ونحت نحوها دولة الامارات باستقبال وزيرة الثقافة والرياضة الصهيونية (ميري ريغيف  Miri Regev) مع وفد رياضي يشارك في بطولة الجودو الدولية.

هذه المرأة التي عبرت من قبل بمختلف الأشكال، عن حقدها الكبير على الاسلام والمسلمين، فلم تترك فرصة في اظاهر عدائها لهم، واستفزاز مشاعر المسلمين بالقول مثلا: ان الاذان بالنسبة اليها (تعبير لصراخ كلاب محمد )، وجدت من حفاوة الاستقبال الرسمي في الامارات، ما لن تحلم به حتى في امريكا، وكأن لسان حال الساسة الاماراتيين، يستبعد كل رباط وثيق يجمعهم بالإسلام، وهم يتجولون بها في مختلف ارجاء مسجد زايد، كأنما أصبح المسجد بالنسبة اليهم، متحفا يرتاده كل كائنا من كان، ولو علا صيته واشتهر بالعداء للإسلام والمسلمين.

علاقات إسرائيل بالإمارات العربية لم تكن ظاهرة ناسجة خيوطها في الخفاء شأنها في ذلك شان بقية دول الخليج والمغرب لكنها برزت بقوة في السنوات في السنوات الأخيرة، حيث ائتلفت وتوحدت جهود هذه الدول مع الكيان الصهيوني في معاداة ايران وتشكيل حلف ضدها بذريعة ملفها النووي، وبحسب التصريحات الصهيونية، فقد فتحت إسرائيل في أبو ظبي سنة 2015  بعثة دبلوماسية رسمية تحت مسمى (الوكالة الدولية للطاقة المتجددة) ( حسب موقع صحيفتي  Haaretz.com و  (The Times of Israel بتاريخ 28 نوفمبر 2015. 

Wayback Machine بتاريخ15 فبراير 2018

وتتجاوز هذه العلاقة الحميمية المجال الدبلوماسي، لتصل الى التعاون العسكري بين الجيشين الاماراتي والصهيوني، والاعلان عن قيام تدريبات بين الطيارين الصهاينة والاماراتيين سنتي 2016 و2017، ما يثبت بالدليل القاطع عمق ومتانة تلك العلاقات، لينفتح مجال  المشاركات الرياضية، وحضور وزراء ومسؤولين صهاينة على اعلى مستوى، لمتابعة تلك الفعاليات في أبو ظبي.

ويذكر التاريخ أنه يوم 19 /1/2010 وقع اغتيال الشهيد (محمود المبحوح) احد قادة كتائب عز الدين القسام، في فندق بالعاصمة الاماراتية، بعد وصوله بيوم واحد قادما من دمشق، وبزمن وجيز من عودته من اجتماع في القنصلية الايرانية، مع مسؤولين ايرانيين مهتمين بالشأن الفلسطيني، وسبل مقاومة الكيان الصهيوني، وتبين ان عملية الاغتيال قد رتّب لها من قبل- فالرجل تحت المراقبة المتواصلة ونجا من اربع محاولات سابقة – باستقدام فريق اغتيال صهيوني، غادر ابو ظبي بسرعة بعد انهاء مهمته، مما يجعلنا نعتقد أن التعاون الاستخباراتي الصهيوني قائم مع الاستخبارات الاماراتية، ولليمن المظلوم نصيب من هذا التعاون الآثم، واثار عدوان الامارات العسكري عليه بالتعاون مع دول عربية اخرى تتأكد فيه بصمات سلاح الجو الصهيوني .

وكاني بحكام الامارات قد نسوا انهم محسوبين على الاسلام والمسلمين وكأنهم بعلاقاتهم مع الكيان الصهيوني يريدون أن يثبتوا لنا عكس ما نظنّ وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون اليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحق…) (سورة الممتحنة الآية 60)

ومن باب التذكير لحكام الامارات  وغيرهم من الحكومات العربية وكل من مشى خطوة واحدة في اطار التطبيع مع العدو الصهيوني وخيانة القضية الفلسطينية نحذّره بما حذّر به الله عباده المؤمنين من موالاة اعدائه : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ( سورة المائدة الآية 51 )

ما يجب قوله هنا كلمة حق لمن يعي خطورة ما وصلت اليه حكومات عربية من سقوط وتآمر ضد دينها وقيمه وشعوبها وقضاياه، اتركوا ايران الاسلام وشأنها لا تتعرضوا لها بالإثم والعدوان، ولكم عبرة بمن جرّب ولم يفلح، فانهزم وباء بالخزي والعار، ولا تنافقوا الفلسطينيين بمعسول كلامكم وقد خذلتموهم، وابتعدوا عن اليمن، دعوا شعبه يقرر مصيره، بعيدا عن رجسكم وأوثانكم البشرية، التي اصبحتم تلوذون بها من دون الله، وتذكروا ان نسيتم، انه ينتظركم حسابان، حساب معجّل وآخر مؤجل، وويل يومئذ للمنافقين.

 

 

تعليقات الفيسبوك