الحكاّم العرب والتّطبيع؛ ركضٌ وراء سراب السّلام وانقلابٌ في فقه الأولويّات

مبارك عليكم المولد النبوي الشريف ***أسبوع الوحدة الاسلامية

 

د. مصباح الشيباني |
لقد اعتمدت الحركة الصّهيونية منذ صدور ما يسمى بـ”وعد بلفور” في 02 نوفمبر 1917( بيان يقضي بدعم الحكومة البريطانية لتأسيس”وطن قومي” لليهود في فلسطين) خطة استراتيجية واضحة للاستيلاء على فلسطين وبناء مشروعها الاستيطاني والإمبراطوري في المنطقة العربية عموما عبر مختلف الوسائل والمخططات والخدع والأساطير السياسية وعبر مقولة :” ما أصبح في يدنا هو لنا، وما يزال في يد العرب هو المطلوب”.
ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي تحالفت الأنظمة الإقليمية والرجعية العربية مع العدو الصهيوني قبل الإعلان عن تأسيس دولة “إسرائيل”(1948) وبعده. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، طرحت عديد المشروعات والمبادرات للتّسوية وللتفويت في الأرض العربية في فلسطين وفي غيرها من الأقطار العربية الأخرى. وبدأ التّطبيل والتهليل، وعبر مختلف وسائل الدّعاية، من قبل النّظام العربي لوأد الثّورات الشعبية العربية وإفشال أية معركة مع العدو وفرض منطق التعايش السلمي معه. وقد انطلق هذا المشروع الاستسلامي منذ أن كانت فلسطين خاضعة إلى الانتداب البريطاني إثر الحرب العالمية الأولى عام 1918.
فقد قاوم الشّعب العربي في فلسطين سياسة التّهويد والاستيطان منذ قيام ثورة البراق في 22 أوت 1929، وتكرّرت مرة أخرى إثر اندلاع ثورة 15 أفريل 1936 عندما شكلت بعض القوى الفلسطينية “اللّجنة العربية العليا” التي قرّرت الإضراب العام وطالبت بتحقيق الأهداف الثلاثة الأساسية التّالية:
1ــ إيقاف الهجرة ومنعها منعا تاما.
2ـ منع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود.
3ـ إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب.
لقد استخدم الاستعمار البريطاني جميع أنواع القوة وآليات القمع لإخماد هذه الثّورة، لكنّه لم يفلح في ذلك، فالتجأ إلى الحكّام والملوك العرب بهدف الضّغط على الفلسطينيين والعرب، فأصدروا نداءً يوم 8 أكتوبر 1936 أهم ما جاء فيه: ” لقد تألمنا كثيرا للحالة السّائدة في فلسطين، فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبدالله ندعوكم إلى الإخلاء إلى السّكينة حقناً للدّماء معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل”. فهذا البيان الصّغير استطاع أن ينهي ثورة دامت ستة أشهر.
ولم تكن ثورة الشّعب العربي في فلسطين المحتلة يوم السّبت 30 مارس 1976 مصادفة (الذي أصبح يطلق عليه “يوم الأرض)، بل كانت وليدة تأزم الوضع الذي أصبح يعانيه الفلسطينيون في ظل سياسة التهويد الذي سلكه الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948.
ومنذ أواخر عام 1970 ــ بعد رحيل الزعيم “جمال عبد الناصر” ــ تحولت الهزائم العسكرية الكمية أمام العدو إلى هزائم سياسية كيفية أو نوعية، وبات الحراك الشعبي العربي وقواه المقاومة يواجهان تحديات مضاعفة لإخراجهما من المشهد السياسي؛ فتم وضعهما بين فكّي كمّاشة الأنظمة العربية الرجعيّة والهجمة الاستعمارية الغربية والصهيونية. ودخلت الأمة العربية في مرحلة أكثر خطورة في التطبيع والتعايش السّلمي والمناخ “التطبيعي” العلني والخفي بين الأنظمة العربية والعدو الصهيوني( منذ أن وقعت مصر في ظل حكم السادات اتفاقية “كامب ديفيد” في 17 سبتمبر 1978).
لقد أصبح الهدف الاستراتيجي لهذا التّحالف العلني أحيانا والمتخفي أحيانا أخرى، هو إجهاض أي حراك شعبي عربي أو فلسطيني مقاوم للعدو وقمعه استجابة للضغوط الخارجية أولا، وتحسبا من تداعياته في السّاحات العربية الأخرى ثانيا. ولتحقيق هذه الأهداف اعتمد كلاهما ـــ الحكام العرب والصهاينة ـــ جميع أصناف الحملات والتشويه الإعلامية والثقافية لطبيعة الصراع القائم بيننا وبين الصّهيونية، ومحاولة إظهاره على أنّه صراع حدود وليس صراع وجود.
كما انخرطت أغلب الأنظمة العربية التي قبِلت ووقّعت على مسرحية “المفاوضات” مع العدو ووفق شروطه في النكبة العربية في فلسطين، وأصبحت حليفا رئيسيا في تصفية المقاومة العربية والفلسطينية بالاغتيالات لرموزها تارة، وبالسّكوت عن حروب الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب العربي في فلسطين وفي غيرها من الأقطار العربية تارة أخرى.
ومنذ توقيع اتفاقيات “كامب ديفيد” بين مصر والكيان الصهيوني(1978)، ثم مع اتفاقيات وادي عربة بين الأردن والعدو(26 أكتوبر 1994)، ومن خلال تبادل التمثيل الدّيبلوماسي مع النّظام المغربي وموريتانيا وأخيرا مع “اتفاقيات “أوسلو” عام 1993، وعبر افتتاح مكاتب تجارية في أكثر من قطر عربي آخر، كل هذه الاتفاقيات هي على غاية من الخطورة تمت من قبل النظام العربي الرّسمي في اتجاه المزيد من التنازلات عن الحق العربي في مقاومة الاحتلال الصهيوني، ومحاولة يائسة منه في وضع النّهاية الحاسمة لصراعنا معه، وكذلك الإسراع في بناء مشروع إقامة دولة “إسرائيل الكبرى” ومنحها مشروعية احتلالها للأرض العربية بأياد عربية. فعندما نقرأ كل هذه “الاتفاقيات” (التنازلات) في العمق يتضح أنها اتفاقيات إذعان وخيانة من قبل أنظمة عربية مسكونة حتى النّخاع بثقافة الهزيمة والاستسلام.
وفي ظل الأحداث الاعصارية والنزاعية الرّاهنة، التي هزّت المنطقة العربية منذ سبع سنوات أو أكثر، عادت هذه الأنظمة لتقوم بقفزة قاتلة قد تفني بعضها وتمحيها من الخارطة السياسية وتقوم بقلب معادلات الإشتباك وعناوينها مع العدو، وقلب مسار التسوية العربية ـ الإسرائيلية والتخلي حتى على منطق أو سلاح “المقايضة” بالقضية الفلسطينية وتغيير “ثوابت تطبيعها” السّابقة دون أي موجب أو سبب سوى الرّقص وراء سراب التسوية ومحاولة لتركيع الشعب العربي وتغيير وجهة النضال والمقاومة نحو عدو وهمي (الارهاب) . ومن المؤسف أن هذه التسويات سوف تكون أشد ألما في نفوس الناس واستلابا لعقول الشباب وتخريبا للأوطان من الحروب العسكرية التي تعرضت لها أمتنا العربية منذ أواخر القرن التاسع عشرة.
فهذا المسار الجديد الذي تعمل الأنظمة العربية، بقيادة النظام السعودي، على فرضه لوّث المشهد العربي وجعله مفتوحا على عديد الاحتمالات والمألات. ولعل أهم هذه المآلات في المستقبل هي تنامي ظاهرة “سرطانية التطبيع” مع العدو، وتنامي الاختراق الأمني للمنطقة وإطلاق سطوة مختلف أشكال معاول التخريب والتهديم “العنيف” و”النّاعم” لوحدة شعوب الأمة واتساع “مدارات الفوضى” فيها. وهي كلها محاولات لـ “أقزمة” مسارات التسوية مع العدو ولتهيئة الطريق نحو التخريب “الظاهر” و”الخفي” للأرض العربية والبشر معًا.
لكن في النهاية، نعتقد أن كل هذه المحاولات التي تركض وراء سراب السّلام والتطبيع بمختلف أشكاله مع ما تسمى بـ”إسرائيل”، ومهما كانت “فاشيتها” ( عبر الحروب والإرهاب) أو “نعومتها” ( عبر الثقافة والاقتصاد) سيكون مآلها الفشل مثلما فشلت محاولات سابقة، ولن ينعم العدو الصهيوني بالإستقرار على الأرض العربية، لأن الشّعب العربي لن يهدأ أو يرضى بهذه المهزلة ، ولا يمكنه أن يتحطم أو يخضع إلى انجراف “الحكام العملاء” الذين تملكهم كابوس الخوف من شعوبهم قبل الأعداء.
إنّ هذه الاستراتيجية الجديدة أو “المسْلك” الأخير للتطبيع التي وضعت منذ قمّة “جامعة الدول العربية” الأخيرة في الأردن ( الدّورة العادية عدد28)، استهدفت أساسا تحويل بوصلة النضال العربي ومقاومته المسلحة للعدو الصهيوني، وتغيير أساليب الاحتواء لهذه المقاومة عبر آليات سلطوية جديدة مثل: الاستبعاد والتشويه والحصار المادي والإعلامي والرّمزي، في محاولة منها لترميم قواعد أنظمتها التي أصبحت متهالكة وآيلة للسّقوط والاندثار في كل حين ولحظة، وهي مسلوبة الإرادة والسّيادة حتى على المقاعد التي تجلس عليها في مكاتبها، وهي تدرك أن ” الشّجرة الميّتة لا توفّر ملاذا، ولا يُعطي الجَنْدب (بمختلف معانيه) راحةً، ولا تُصدر الصّخرة الجافّة خرير ماءِ”.

تعليقات الفيسبوك