الدّرس الايراني… بقلم الدكتور الهذيلي منصر

هناك ولا شكّ درس ايراني وهو درس برسم جيران ايران أوّلا وبرسم دائرة أوسع تشمل المجتمعات المعرّفة سابقا عالما ثالثا. أنجز الايرانيون ثورة ضخمة منذ أربعين سنة واجهوا طيلة هذه الفترة صنوفا من التحديات بعضها أمني عسكري، بعضها مالي اقتصادي وبعضها اعلامي ثقافي. تجربتهم المتواصلة منذ 1979 تثبت أنّ الاستقلال الأصيل بالقرار في العالم اليوم مسألة دقيقة حسّاسة وأنّ من يمشي على هذا الطريق يجب أن يدفع باهض الأثمان. تختلف النظرة الى الايرانيين ويختلف تعريف درسهم بحسب أولويات كلّ ناظر في الفهم والادراك وفي تعريف المجتمع والدول وما يلزم لها وتحتاجه أولويا أو بداية. هناك من يفسّر ايران بمذهب شيعي فيتشيّع وهناك من يفهمها بدين فيتديّن وهناك من يفسّرها براديكالية سياسية فيصبح في السياسة راديكاليا. الواقع أنّ ايران أصبحت بفعل ثورتها والحركية التي دخلت فيها بفعل الثورة ظاهرة. الظاهرة بصفة عامّة تفرض عليك ابداع مقدمات ادراك وفهم وتحليل وتفكيك تفصيلي تكون من جنس الظاهرة. أرى ايران حالة ملحمية وأراها تجربة كلّية وأراها متجاوزة لمنهجيات ومقاربات كثيرة تجذّرت عندنا وتبدو عاجزة عن الاحاطة بما تمضي فيه ايران بثبات. لو صحّت هذه المقاربات ما كنّا سنتحدث عن الذكرى العاشرة للثورة. نحن اليوم نتحدث عن الذكرى الاربعين. كمهتمّ ومتابع منذ فترة طويلة للشأن الايراني ومهتم بكثير من تفاصيله الدقيقة ومتواصل مع بعض الايرانيين بما يمكنني من الاطلاع على جانب من جدل الذاتي الفردي والجمعي أعتبر أنّ هناك هندسة ايرانية متكاملة. هؤلاء يتقنون رصّ البنيان ويبنون في الثقافة والاقتصاد والاجتماع والمعرفة والامن والعسكر منظومات متجانسة متكاملة لا فجوة بينها. الاهمّ من هذا أنهم لا يقفون عند انتكاسة وفشل ويقيّمون ما ينجزون بكلّ صرامة. من أصدقائي الايرانيين من يعبّرون لي عن سخطهم من سياسات مسؤولين ايرانيين ولكنني ألمس عندهم رغم هذا حرصا على وطنهم وايمانا بجدارة شعبهم. لا أسبق الأحداث في شيء عندما أقول أنّ الايرانيين سيتقدمون أكثر وسيجنون المزيد متانة واقتدارا وانتصارا وأنّ تجربتهم ستكون عاملا محددا وفعالا في تشكّل عالم جديد. مجتمعات ودول حول ايران تتفكّك أمّا في ايران فالرصّ يزيد ويمتن الجدار ويرتفع البنيان. كلّ ضحايا الخراب والفوضى سينظرون ويرون في ايران اتقان بناء.

تعليقات الفيسبوك