الطبخة الأخيرة!؟

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

يبدو أنّ النظام العربي مقبل في السنة الإدارية الميلادية الجديدة، على طبخة لم يتعوّد عليها مطبخه، المعروف بشتى أنواع الأكلات الجاهزة، التي يلتجئ اليها عادة حكامه، في صورة انسداد أفق مشروع يحملونه لحساب غيرهم، لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وكان هذا دأبهم، منذ أن ظهرت زعاماتهم، واستحكمت سلطاتهم على شعوبهم، واستفحلت خياناتهم.

المؤامرة الدولية على سوريا، وقع التحضير لها منذ سنوات – وهذا أمر ثبت بالأدلّة-  ولئن لم يكن لذلك الاعداد عنوانا معلنا، فبسبب سرّيته وحساسية ظهوره منذ البداية، على الساحة السياسية والاعلامية، ولا شك بأن صيحة التحذير التي أطلقت آنذاك كانت أمريكية الهمّ والمصدر، وإن جاءت على لسان ملك الاردن ذات شتاء سنة 2005.

وطبيعي أن يجتمع زعماء العرب في مجلس جامعتهم، أبدانا تلتقي فيها أهواءهم، لكنهم أبعد ما يكونون عن الاجتماع ببعضهم أرواحا وهموما وأهدافا- باستثناء بعضهم- لذلك فإنه من الطبيعي أن تأكل الذئاب من أغنامهم القاسية، ولا تنفضّ اجتماعات قممهم على شيء ينفع العرب والناس، سوى مزيد من التنازلات والاخفاقات السياسية والاقتصادية، وعدم الاستقرار الامني والاجتماعي.

ومنذ أن نشبت الأزمة في سوريا، شكّلت الجامعة العربية حجر زاوية الدّفع بها، الى مزيد من التأزيم وانسداد أفاق الحلول، ولكي يكون موقفها السلبي حاضرا، لا بدّ من التذكير بان الجامعة قامت بخرق ميثاقها، بتجميد عضوية سوريا في مجلسها بتاريخ مارس 2013،  وتمكين ممثل ما سمّي بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، منمقعدها في مجلسها، استجابة لإملاءات أمريكا وحلفائها وعملائها، في الذهاب بالأحداث في سوريا داخليا وخارجيا، بما يمهّد لتحقيق ما يصبو اليه هؤلاء، من تغيير نظام يسمح بنقل البلاد، من موقع مقاومة العدوّ الصهيوني، الى مستوى من التطبيع والعمالة- كما حصل مع مصر والأردن- من شأنه أن يغلق ملف القضية الفلسطينية بكامل استحقاقاتها.

ولم يكن تهافت الحكومة التونسية – ذات التأثير النهضوي الإخواني – على قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري في 2012، وبإجراء أحادي الجانب بعيد عن الاخلاق وبرتوكول الضيافة، قامت فيه بطرد السفير منحه مهلة 10 أيام للمغادرة، وتلك وصمة عار لمن يعي من أبناء شعبنا، لحقت بالدبلوماسية التونسية، يصعب محوها بسياسة الترقّب المشبوه، الذي تمارسه الحكومة اليوم، في غض الطّرف عن وعدها، بإعادة العلاقات الى مجراها الطبيعي، والاعتذار للحكومة والشعب السوري على الخطأ الفادح، الذي أوقعهم فيه انجرارهم وراء التحريض المحموم، والمدفوع الثمن على النظام السوري، تلبية لرغبات وأهواء انظمة غربية وعربية، كانت السبب الرئيس في استفحال الازمة السورية، ونزول الحكومة التونسية عند موقف الاخوان وزعيم حركتهم الغنوشي، ومفتيهم القرضاوي، في  تضليل الرأي العام العربي بشأن سوريا.

اليوم وقد أشرف مشروع اسقاط النظام السوري على الافلاس، ولم يعد هناك من بصيص أمل يبقي عليه قائما، انقلب حال الدول العربية، من وضع المطالبة بتنحية الرئيس بشار الأسد ونظامه، الى وضع اعادة العلاقات معه، بمبادرات-أشك في براءة بعضها على الأقل – لا أخالها نابعة من ذات الدول المعبرة عن رغبتها، في الرجوع من جديد الى مقراتها بالعاصمة دمشق.

تسارعت إذا وتيرة الاقتراب من النظام السوري، فبعد الزيارة المفاجأة للرئيس السوداني الى دمشق، والتي حمل لأجلها – بلا أدنى شك – مبادرات خليجية، بدأت دول عربية متورطة في الاحداث، التي لا تزال سوريا مبتلاة بها الى اليوم، بإصدار إعلانات رجوع سفاراتها للعمل بالعاصمة دمشق، معترفة أن دور سوريا محوري في المنطقة، ولا يمكنها أن تبقى بعيدا عن أدائه في ثنائيات علاقاتها، أو في جامعة الدول العربية.

وكأني بمن زرع الفتنة، وتابع وأشرف على نسج خيوط المؤامرة، يريد أن يكفّر عن ذنب اقترفه بحق سوريا، بفتح صفحة جديدة، تحاول أطرافها مسح بصمات تورط هذه الدّول، التي اصطفت الى جانب المحرضين على النظام، والمتشبثين بموقف ادانته دوليا، والمطالبين بإزالته ظلما وعدوانا، وليت هذا الذي نرجوه من هؤلاء يقع، فصفة التربّص والغدر، لم تغادر الى اليوم عقولا، مازالت تحلم بالإيقاع بالنظام السوري، رغم ضآلة حظوظ أصحابها، بانكسار مجاميعهم الارهابية، التي اعتمدوا وعوّلوا عليها للقيام بذلك، فاختار ساستهم العودة الى دمشق، من باب التولّي على الأعقاب، والطبخة الجديدة المعدّة أمريكا بلا شك، تريد أن يكون للدول الخليجية العائدة الى دمشق، فرصة العمل من أجل زعزعة التوافق الذي تعيشه سوريا، نظاما وجيشا وشعبا في محور المقاومة، ودقّ اسفين فتنة بينها وبين عناصرها، وعلى وجه أخص جمهورية ايران الاسلامية وحزب الله اللبناني، وعلى أساس استخباراتي وتآمريّ، سيكون تواجد هذه السفارات بالعاصمة دمشق، مطابق لدور السفير السعودي بالعاصمة بغداد، قبل ان تتمدد داعش الى تخومها.

ولا اعتقد أن النظام السوري غير ملتفت الى سوء نيّة هؤلاء العائدين، بذرائع أسقطوها بأنفسهم، بل لعله قد أخذ بالحسبان اناطة أمريكا الى هؤلاء بهذا الدّور التعيس، الذي يتلاءم مع أشخاصهم، وكما لم ينجحوا من قبل في فعل شيء يحقق المطلب الامريكي، في ازاحة النظام السوري – العقبة الاخيرة في المواجهة مع العدو الصهيوني – لن ينجحوا هذه المرّة في تمرير طبخة صفقة القرن الأمريكية في نسختها الأعرابية.

ليس مهمّا أن تعترف الدول العائدة الى العاصمة دمشق سرّا أو علنا بأنها تتحمل قسطا من الذنب والمسؤولية فيما حدث من خراب وزعزعة أمن، كان الأكثر استقرارا في المنطقة، ومضرب مثل في العالم، فالمهمّ جاء في كلمة حمقاء للرئيس الامريكي جرت على لسانه، بأن هؤلاء لديهم أموال كثيرة، وعليهم أن يدفعوا، وسيدفعون الثمن عن يد وهم صاغرون. 

تعليقات الفيسبوك