الطوفان والفلك المأذون… بقلم د. الهذيلي منصر

مبارك عليكم المولد النبوي الشريف ***أسبوع الوحدة الاسلامية

 

واصنع الفلك بأعيننا ووحينا. صنع نوح الفلك بعين الله ووحيه. الخلاصة أنّ الله هو صانع الفلك بتلقين صانعه الظاهر وبحفظه له ورعايته. نوح هنا من التورية والإخفاء ليد القدرة. هو شكل في عالم هو شكلي وشكلاني التكوين والبناء. معنوي ربّاني في جوهريته وأصله.

عندما أستحضر قصّة هذا النبي الكريم يستوقفني ذكر القرآن للزمن وتفصيله في عمر نوح الطويل المتّصل. قرابة الألف سنة. هذا كثير. بل إنّ المقاسات التي نعتمد تجعلنا ندهش وربما نشكّ ونرتاب. لا يزعجني التسليم بأن نوح عاش قرابة الالف سنة ولكنني أتجاوز في هذه المسألة إلى الرمزية. الرمزية أوسع من العقلانية وأقدر على بلورة معرفة مسترسلة ومتجاوزة. العقل محكوم بحدّي الزمان والمكان ومانع في العامّ لتشكيل وعي مخترق. بقدر ما يكون العقل فعالا تكتيكيا بقدر ما يكشف قصوره استراتيجيا.

عندما يمرّ العقل بسياق نوح يسأل: كيف يعقلُ أن يعيش آدمي الف سنة؟ قد لا يُعقل بحساب ولكنّه بحساب آخر يُعقلُ جدّا بل إنّ ذلك شرطُ العقل العقل وأقصد بذلك العقل الرمزي وهو الاقدر على تجاوز التفصيلي الى الكلّي والانساني السياقي إلى الانساني المتّصل المتشكّل بالسياقات وعبرها. تحضر في قصّة نوح مسائل بالغة التعقيد: التاريخ، الغرق، الخلاص، تجدد الوعي، الكفر، الايمان، الخير، الشرّ، الالم، الامل…. وهذه مسائل كلّية عامّة والمسارات المتّصلة بها تُدخل في زمنية واسعة ونوح عبر كلّ حالاته من دعوة الى فشل ويأس ثمّ غضب فصناعة فلك فخلاص بالفلك ومنع لانقراض وفناء بشريين ومنح فرصة للتجديد والتأسيس، نوح تعبير عن كلّ هذا. تعبيريته هنا هي المناط لا حسّيته.

العقل متورط في الحسّية. لذلك هو أميل الى تفنيد قصة نوح وانكارها وعدّها ضربا من الأسطورة الواهمة. في مستوى أعلى، هو مستوى الرمزية أو المعنوية، الاسطرة مطلوبة ومحمودة بل إنها شرط وعي. العقبة الكأداء والتي نقف عندها ونعجز عنها هي في فهم نوح صورة للانسان لا انسانا شخصا فردا وكفى. نسقط في كثير من الريبة عندما نتفكّر في نوح بحدوده الآنية البسيطة. يقوى فينا اليقين عندما نأخذ هذا النبي الى المعنوية المتعالية التي يرشح منها. هو ذلك الرّشح الذي يطلب آنية خاصّة لعلّها تلك العين البصيرة أو الاذن الواعية.

لا يعتني القرآن كثيرا بإرضاء عقلنا ذي الخلفية الظاهرية الحسية. هو في ذات الوقت يكرّم ويبجّل العقل والعاقلين ومرّة بعد مرّة يستنهض ملكة العقل ويحفّز حركته المباركة سؤالا وحيرة وتدبرا وتفكرا. الواقع أنّه ينتصر لنظام عقل مختلف عن النظام الذي نعتمده في تعريف العقل وتوظيفه والاعتماد عليه. عقل القرآن يتوقف عند نوح حدثا عميقا ودرسا مفيدا. عقلنا لا يملك إلا أن يشكّ ويشكّك.

لماذا أتدبّر سيرة نبي غابر مضى منذ ألاف وربما عشرات او مئات آلاف السنين؟ أعتقد بداية أنّ الانبياء لا يموتون. المعنوية التي قدّوا منها غير قابلة للفناء مستعصية عن الافناء. هم يصدرون عن عبقرية كونية الاهية تتنزل رحمة فتكون على الارض وبين النّاس من دون أن تتحول شيئا من أشياء الارض يسري عليها قانون الأرض والارضيين. هي ترفع وترتفع لتعيد التنزل كلّ مرّة. الانبياء هم الفلك ويحضرون مع كلّ طوفان لمنع العدم والفناء. فلكيّة نوح الجوهرية الباطنة هي المجلّية له فردا بشرا يمشى بين قومه ويخوض في الذي يخوضون فيه. وهكذا أفهم أنه تعالى رفع النبي ادريس الى سماء رابعة وأفهم عودة المسيح وظهور المهدي. كلّها تجلّيات لنفس القانون. أسميه ربطا بنوح قانون الفلك أو قانون السفينة وهو جوهرا قانون الرحمة المحيط بالوجود. النقمة عرض تطلبه الرحمة لتتجلى رحمة وتُعرف وتعرّف كذلك. تشهد حياتنا الفردية الذاتية وكذلك حياتنا الجمعية انقلابا هائلا وثورة كيفية بلا حدود عندما تتحوّل برمجة الذهن من برمجة على النقمة الى برمجة على الرحمة.

ماذا يصنع الشيطان؟ انه يشتغل بالبرمجة وعلى البرمجيات، يبرمج الآدميين على النقمة حتى اذا كانت رحمة نكصت النفوس وأنكرت وفشلت في التعرّف على ما ينقذها من الغرق المبرم. الشيطان مهندس حاسوب لذلك فإنّ فعل الحواسيب اليوم في الخلق غريب عجيب. هي حواسيب لأنها تعتمد بداية الارقام والحساب وتختص في الممكنات والفرضيات والبراديغمات وكلها من العدد. المدد حرف وكلمة وكتاب والحساب الكوني حرفي لا رقمي. نظام الفيزياء الارضي نظام أرقام. لذلك هو دائم الانكار للحروف يكفرها ويكفر بها. هو انكار محدود في زمنيته ولا يدوم. القاهرية للكوني بداية ونهاية وبينهما بمحطّات كثيرة عندما تحضر الأنوار النبوية والولائية. بالنبي وبالولي يحضر الكوني ويعيد تشكيل وعي الارضيين نحو رشد وبصيرة.

أتدبّر سيرة نوح أيضا لأن زمننا الآن طوفاني. لا أفهم استراتيجيا الفوضى الخلاقة الا تشكّلا متأخرا للطوفان. ساعة الطوفان تحدّث النفوس التي أتى عليها الشيطان عن الغرق فذلك نصيبها. نفوس المؤمنين تحدّث عن الفلك أو السفينة. الجميل في قصة نوح أنّ الاذن بصنع الفلك سبق الطوفان. ما من نقمة ظاهرة إلا وسبقتها رحمة باطنة ولحظة الكارثة والظنّ بأنّ الغرق يعمّ تبرز عيانا سفينة الرحمة. يظهر الباطن الكامن ويبطل الظاهر الفتّان. تلك اللحظة زلزال عقلي يفتح على المعرفة الكونية ويعيد الألق الى السنن ويفني فعل السنين وشَرك أمد يطول فيتشوش الذهن. يجب أن تبلغ القلوب الحناجر وترتع الظنون قبل ذلكم الزلزال وهو منا الآن قريب ونحن نسير اليه بخطى حثيثة كان منا الوعي أو غاب.

الوجود جدلية فلك وطوفان ونوح ليس الا علامة مكثّفة لهذه الجدلية. من الناس من هم طوفان ومنهم من هم فلك والجميع من التجلي الالاهي. كان الطوفان بأمر الله وصنع نوح الفلك بعين الله. في النهاية كلّ العبرة بما يستقرّ عليه الحال من تمحيص معنوي وفرز قيمي. يحرص الواحد على أن يكون فلكيا بزمن طوفان ولكن ذلك لا يكفيه. السؤال: هل هو في ما يأتي مأذون؟ هل هو بعين الله؟ هذا الذي يجتهد في حزب يحسبه فُلكيا أو جماعة يراها فُلكية أو جمعية أو تأليف أو غير ذلك ممّا قد يطمئن له أو به، هل هو مؤيد موصول مأذون؟ قد يرى الواحد نفسه أو يخال نفسه فلكيا وهو طوفاني ولا يشعر. قد تلتقي من تخالهم طوفانيين وتكتشف أنهم قادة سفينة ماهرين وأنّهم سادة الفلك ترعاهم الافلاك والأملاك. في قصّة نوح ذكر لأولائك الذين نزدري ونحتقر فنهمّش والواقع أنّ الله أتاهم من الفضل ما نعجز عن فهمه وعدّه. بسم الله مجراها ومرساها. اسم الله لا يحاط به ولا يقدر عليه ولكن أين ذلك الاسم حقا والشيطان بثّ منه فتنة في كلّ ساح؟

قصة نوح أكثر من قصة. هي ملحمة معنى وهي ملحمة تطول في الزمن لذلك طال عمر نوح وليس تشكيكا ولا هو من إنكار قول المتفكّر أنّ عمر نوح لم يطل كلّ هذا الطول وانما الذي طال حقا هو المسار الذي نقل الانسانية من نقمة الى رحمة ومن طوفان الى فلك. نسأل الله أن يكتبنا في هذه السفينة المباركة برحمة منه وفضل وأن يعجّل لنا بالجودي. نسأله أن يستخدمنا بما يعلم لا بما نعلم فننتشل غرقين. اذا كنا عنده مكتوبين من الغرقين نسأله أن يسخّر لنا ممّن اصطفى بحكمته وعدله، بسخّر لنا من النوحيين فلا نغرق. وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ.

تعليقات الفيسبوك