الكرد ما بين وعد ترامب وحدود الخطأ والخطيئة

المهندس: ميشيل كلاغاصي |

مقدمة … بات من دواعي الإستغراب أن يطلق الساسة الأمريكان تخاريفهم ويصدقون أنفسهم بأنهم يمثلون دور الشرطي “الجنتلمان” في العالم، بعدما تأكد للعالم كله حقيقة دورهم الإجرامي – الهدام, وبات من الوقاحة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده لم تعد تقبل بهذا الدور دون مقابل، وأن حمايتهم لن تكون مجانية ً لأيٍ كان, الأمر الذي يطرح التساؤلات حيال القيمٍ والمُثل التي يتحدث ويتباهى بها ساستهم منذ عشرات السنين… يقول الرئيس نيكسون :”علينا حمل عبء العالم لأننا شعب ٌعريق, نحن موجودون لنصنع التاريخ”, ياله من تاريخٍ يصنعونه بدماء الأبرياء وبإشاعة الفوضى وبزراعة الإرهاب وتصديره إلى كافة أنحاء العالم.

ترامب والإنسحاب من سوريا… واليوم وبعد أكثر من سبع سنوات للحرب على سوريا، وبعد إنكشاف وسقوط كافة الأقنعة الأمريكية وذرائعها في محاربة الإرهاب وبالقضاء على تنظيم “داعش”، وبعدما أُصيب مشروعها بالنخر والهزيمة، يأتي الرئيس ترامب ليتحدث عن إنسحاب قواته من سوريا، ويدفع بمخططات تقسيمها إلى الواجهة.

وعلى الرغم من إعلانه المسبق ونيته بإنسحاب قواته من سوريا، إلا أن القرار شكل مفاجئة ً للبعض وصدمة ً للبعض الاّخر, وفتح باب التأويلات والتفسيرات على مصراعيها, إذ اعتبره قادة الكرد طعنة ً في الظهر, فيما اشتاط السعوديون غضبا ً والإسرائيليون خوفا ً, أما الأتراك فقد رأوا فيه موافقة ً أمريكية للتحرك نحو شرق الفرات وملئ الفراغ, وإطلاق أياديهم ومشاريعهم الخفية والمعلنة في الشمال السوري … في الوقت الذي عبر الروس عن خشيتهم من ضبابية وغموض النوايا الأمريكية, أما السوريون فكانوا أكثر واقعية من جميع الأطراف, من خلال مواقفهم الثابتة تجاه التمسك بسيادتهم ووحدة أراضيهم , وإصرارهم على طرد الغزاة مهما كانت ألوان أعلامهم دولا ً أو تنظيماتٍ إرهابية.

من يملأ الفراغ … وفيما يتحدث العالم عن ملئ الفراغ الذي سيحدثه إنسحاب القوات الأمريكية، جاء لقاء العريمة وسط إنهيار أصحاب التمرد الإنفصالي، وخشيتهم من الزحف التركي تجاههم، وجاء التحرك المباغت للجيش السوري ودخوله مدينة منبج ليضع أول الخطوط الحمراء أمام نوايا تقدم الجيش التركي نحو شرق الفرات…    

ترامب يُثبت قدراته السياسية كتاجرٍ بارع… سرعان ما بدأ الرئيس ترامب وقراره بالانسحاب الفوري بالتعرض إلى جملة ضغوط خارجية عكستها مخاوف حلفائهم, وداخلية أطلقت نيرانها من وراء أسوار وزارة الدفاع، ومن بعض الطامحين والمزايدين من أعضاء الكونغرس,, لكن ترامب أظهر استعداده المسبق لكسب الجولة, مراهنا ًعلى قدراته كتاجر بارع, متكئا ًعلى قوته وعلى نسبة تأييده الشعبي في الداخل الأمريكي, وسارع لإظهار شيئا ً من المرونة عبر التأكيد على الانسحاب وزيادة ً في مدة تنفيذه, الأمر الذي سمح له بتمرير إقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس.

ترامب و”رسله” الثلاث… وعمد الرئيس الأمريكي إلى إرسال “رسله” بومبيو وبولتون وهيل, فإتجه الأول نحو مصر والأردن ودول الخليج, لكبح الغضب ولإملاء شروط بقاء قواته في سوريا مقابل دعوتهم إلى وارسو – بولندا لتشكيل التحالف العسكري الجديد ضد إيران بجناحه العربي – الإسرائيلي, فيما اتجه الثاني نحو أنقرة وتل أبيب لطمأنة كلا الطرفين وتهدئه روعهم وإرغامهم على القبول بمتابعة اللعبة وفق شروط وأهداف الأجندة الأمريكية مقابل مقايضاتٍ إسرائيلية حيال ضم الجولان المحتل إلى سلطة الكيان الغاصب, وموافقته على إقامة المنطقة الاّمنة – العصملية بعد سنوات من الرفض الأمريكي … تبدو محاولات ترامب كاملة الجدية حيال إستعادة تركيا بعيدا ًعن تقاربها مع روسيا وإيران.

أما الثالث فكانت وجهته الوحيدة نحو بيروت, تحت عنوانٍ واستهدافٍ واضح للنفوذ الإيراني في المنطقة وللمقاومة اللبنانية وفي محاولةٍ لإشغالها سياسيا ً والضغط على سلاحها وشلّ حركتها بتطبيق العقوبات الأمريكية, وكل ذلك بالإعتماد على جوقة ما تبقى من حطام “ثورة الأرز” في لبنان, وقيامه بتوزيع المهام على القيادات اللبنانية, كل ٌ بحسب درجة تعلقه بالحبل الأمريكي, وتبقى كلماته بعد لقائه بالمكلف سعد الحريري هي الأهم, والتي أتت على هيئة أمر عمليات مستعجل يستهدف سوريا وإيران والمقاومة … لقد كان السيد هيل واضحا ً تجاه دعم حكومة تصريف الأعمال بما يؤكد استراتيجية واشنطن في استخدام إيلام الشعب اللبناني كوسيلة ضغط داخلية على المقاومة.

ترامب يخلط جميع الأوراق… ففي الورقة الكردية، لجأ إلى سياسة الإنعاش ووقف الإنهيار، وإلى وتعطيل الحوار والإتفاق مع دمشق، وأطلق كلاما ً ناريا ً تجاه تركيا بقوله:” سأدمر تركيا اقتصادياً إذا هاجمت الأكراد”، وفي غضون 24 ساعة وبعد إتصالٍ هاتفي مع أردوغان، أطلق تغريدة ًجديدة أكد فيها إمكانية رفع الإستثمارات والتعاون الاقتصادي مع تركيا، ودعا إلى إقامة “منطقة آمنة” بعرض 32 كيلومتر دون أن يضيف أية تفاصيل.

فالموقف الأمريكي أعاد شحذ المواقف السلبية لقادة الأجنحة الإنفصالية داخل “قسد”، وأعاد إطلاق شهيتهم نحو مشروعهم الخاص ونحو طاعتهم للمشروع الأمريكي الكبير في سوريا والمنطقة، الأمر الذي انعكس مباشرة ًعلى سير الحوار مع الدولة السورية، خصوصا ً مع الوفد القادم من جبال قنديل، وبتصريح رئيسة الهيئة التنفيذية لـما يسمى ب “مجلس سورية الديمقراطية”، بأن المحادثات مع الحكومة السورية “لم تأت بنتيجة”… على الرغم من إنجاز التفاهم على بعض النقاط الأولية.

إنفجار منبج وقتلى أمريكيون… في الوقت الذي فوجئ فيه العالم بالإنفجار الذي حدث وسط مدينة منبج والذي قضى بموجبه أربعة عسكريين أمريكيين وجرح ثلاثة اّخرون، وإعلان تنظيم “داعش” تبنيه الهجوم … الأمر الذي يضع وكالات الإستخبارات الأمريكية والإسرائيلية والفرنسية أيضا ً في دائرة الإتهام على مبدأ المستفيد الأول وصاحب المصلحة للتراجع عن قرار الانسحاب، بالتوازي مع تصريحات السيناتور “غراهام” للقول بأن “داعش” وجد فرصة إعادة التمدد مع إعلان الإنسحاب.

الكرد يوافقون بعد مغازلة أردوغان …. ففي مقال كتبه الرئيس أردوغان الإسبوع الماضي, نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”, أعلن فيه أن الكرد ليسوا أعدائه, ماعدا تلك التنظيمات التي تصنفها بلاده بالإرهابية, وأعلن دعمه للكرد وبالمحافظة على مجالسهم المحلية وما أنجزوه على طريق مشروعهم الإنفصالي, شريطة أن تشرف تركيا على إدارة المنطقة… لكن “قسد” وفي بيان أعلنت عن تقديم الدعم اللازم لإقامة المنطقة “الاّمنة” بضمانات دولية وليس تركية, وأكدت بلغة المشروع الأمريكي ومفرداته أن “منطقتنا هي الوحيدة التي تتعايش فيها كل المكونات السورية”, وأنهم سيقدمون كل الدعم لحماية كل الإثنيات والأعراق المتعايشة من خطر الإبادة, وأنهم يتطلعون إلى تفاهمات مع تركيا تؤمن وتضمن الاستقرار في المناطق الحدودية, ويأتي البيان متماهيا ً مع كلام مؤسس شركة بلاك ووتر “إريك برنس” : “بأن الخطر الحقيقي على الكرد يأتي من الدولة السورية وليس من تركيا”.

الكرد ما بين الخطأ والخطيئة… إن استخدام الرئيسين ترامب وأردوغان وقادة الإنفصاليين الأكراد، مصطلح “المنطقة الاّمنة” يحمل مدلولات خطيرة تنضوي على نوايا مسبقة ومبيتة لإستخدامها في تقسيم سوريا، وبات من الواضح علو أصوات الإنفصاليين على أصوات العقلاء في الأوساط الكردية، ويبدو أنهم غير اّبهين بما ينونون الإقدام عليه والذي يتجاوز الخطأ ويصل حد الخطئية الكبرى بحق الدولة والشعب السوري.

بيان ووثيقة وأكاذيب … إن استعراض ما جاء في البيان الذي أصدرته قيادة “قسد”، بالإضافة إلى ما نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” عن “وثيقةٍ” قدمها مسؤولون أكراد إلى الروس، والتي نصت على 11 بندا ً تطالب دمشق بـ”تبادل الاعتراف” بين الدولة المركزية والإدارة الذاتية, كما تضمنت “إلغاء إجراءات التمييز تجاه الشعب الكردي”, لقد سجلت الوثيقة أكبر خديعة للرأي العام الدولي, في أكبر أكذوبة حيال التمييز المزعوم, والذي يصعب على مطلقيها إثباتها, وهي ساقطة ٌ بشهادة دول العالم أجمع وبالتقارير الدولية التي لطالما شهدت لسوريا بالعيش الاّمن, وبعدم التمييز بين مكوناتها, بالتأكيد ستضاف هذه الأكاذيب إلى الرصيد اللاأخلاقي لدعاة التقسيم والإنفصال.

هل تكفي وعود ترامب الخيالية، لإعلانه “ثيودور بلفور” الجديد … بات من الواضح أن الشعور الأمريكي بمرارة الهزيمة في سوريا, يدفع بالرئيس ترامب للعب دور البلياتشو, أمام الأراكوز العثماني , وبعض الجاحدين وسارقي الأوطان, وكم يبدو سخيفا ً أن يصدق العالم أن تقسيم سوريا يتم عبر تغريدةٍ أو بإتصالٍ هاتفي بين الأشرار, فالتحكم بمصير الشمال والشرق السوري لن يكون خاضعا ً, لهلوسات اللصوص, ويبدو أن وضع النقاط على الحروف يستدعي إنتظار القمة الروسية – التركية في 23 / 1 / 2019 والتي استبقها الوزير لافروف بالتأكيد على ضرورة أن يكون “شمال سوريا تحت سيطرة الحكومة السورية”, ومن بعدها القمة الثلاثية التي ستجمع قادة روسيا وإيران وتركيا… يبدو أن ترامب لن يحظى بأدنى فرصة لتطبيق وعوده، وحسبُه الإهتمام بإتمام إنسحاب قواته وهم على قيد الحياة.

الموقف السوري الرسمي والشعبي … لم تتأخر وزارة الخارجية السورية بإطلاق مواقفها ردا ً على تصريحات الرئيس التركي، وأكدت أن دمشق “مصممة على الدفاع عن شعبها وحرمة أراضيها”, ضد أي شكل من أشكال العدوان والإحتلال بكل الوسائل والإمكانيات”…كما أكدت إعتبارها أي محاولة ٍ للمساس بوحدة أراضيها تعتبر عدوانا ً واضحا ً واحتلالا ً مباشرا ً, واعتبرت أن النظام التركي لا يمكنه إلا أن يكون  نظاما ً مارقا ً متهورا ً غير مسؤول”… فيما تعبر الجماهير السورية عبر كافة وسائل الإعلام عن رفضها لأي إحتلال وأي محاولةٍ لتقسيم البلاد, وعن وقوفها الدائم وراء قيادتها الحكيمة وأبطال الجيش العربي السوري.  

 

تعليقات الفيسبوك