ثلاثية التطبيع التونسي بين الرفض وانتظار الرباعية 

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

لم يعد غريبا على رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أن ينحو منحى تطبيعا مع الكيان الصهيوني، من شانه ان يمهد لعلاقات معه مباشرة، قد تأتي قريبا في صورة سكوت الشعب بمكوناته الحقوقية والمدنية، فقد ظهر منذ توليه رئاسة الحكومة، حريصا على الحضور السنوي لمواكبة طقوس كنيس الغريبة بجربة، مرفوقا بلفيف من وزراء حكومته، مع كبار المسؤولين في الدولة. 

خطوات التطبيع التي قطعها الرجل منذ توليه رئاسة الحكومة معدودة في ظاهرها، وما خفي منها قد يكون اعظم، ويؤكد ان لديه اجندة يريد تطبيقها في سياسته، لم تكن نابعة من قوة اداء حكومي، او مصلحة من شانها ان تعود بالنفع على تونس، دون مساس بثوابتها، ولا تخلّ عن التزاماتها المبدئية تجاه فلسطين وقضيتها العادلة، التي تعتبر من اولويات الشعب التونسي التي عبر عن وقوفه الى جانبها، ايمانا بعدالتها، واعتقادا بانتصارها في نهاية المطاف، وقدّم من أجله ارواح و دماء خيرة شبابه، من أجل رفع المظلمة التاريخية، التي تعرضت لها ارضا وشعبا من طرف الصهاينة اعداء الانسانية 

قد يكون مبرر رئيس الحكومة، في رفع نسق التطبيع خلال فترة تسلمه مقاليد الحكومة،  أنه واقع لا مفر منه أمام الوضع الاقتصادي التونسي المتردي، وما يحتاجه من دعم خارجي رأى من وجهة نظره، ان اقصر الطرق لإنعاشه يكمن في اعطاء الطوع للغرب (امريكا وبريطاني والاتحاد الاوروبي ) فيما أرادوه من تعويم الوجود الصهيوني على الواقع الحكومي العربي والاسلامي، تمهيدا لفرضه واقعا لا مفرّ منه على شعوبنا، الرافضة قطعا اي علاقة مع غاصبي فلسطين والقدس.

لقد برهن التحوير الوزاري الاخير عن نية واضحة- من صاحب القرار أو أصحابه – للنسج على منوال دول عربية واسلامية، ادّعت وقوفها الى جانب القضية الفلسطينية، وبمرور السنوات تبين خداعها لشعوبها، وسفهها أمام الشعب الفلسطيني.

سقوط أقنعة الخداع والزيف من وجوه الانظمة العربية، بدا هذه السنة متسارعا كأنه وباء  حل بقوم وعصف بهم، فلم يترك لهم شيئا يدفعونه به عنهم، ويأتي في مقدّمة هؤلاء تجار القضية المخادعون، الذين كانوا في الظاهر معها، ثم لم يلبثوا أن باعوها بالثمن البخس الذي قبضوه، معرضين عن ارادة شعوبهم الجامحة، المطالبة بوقف مظاهر واعمال التطبيع مع الكيان الصهيوني، والوقوف بصدق الى جانب القضية الفلسطينية ومساندة أهلها، مهما كلفهم ذلك من ثمن.

ما اقدم عليه رئيس الحكومة بتعيين (روني الطرابلسي) يهودي مقيم بفرنسا، وهو الابن البكر بيريز الطرابلسي، رئيس الجمعية اليهودية التونسية، التي تشرف على النشاطات المتعلقة بكنيس الغريبة، في جزيرة جربة، من كبار رجال الأعمال في فرنسا وأوروبا، وهو الرئيس التنفيذي لشركة Royal First Travel الرائدة في مجال السياحة، كما يمتلك العديد من وكالات الأسفار العالمية، جدير بالذكر، أن روني الطرابلسي كان مقترحا في حكومة مهدي جمعة، لكن وقع التخلي عنه في ذلك الوقت، لما قد ينجر عنه من ردود افعال جماهيرية، من شأنها أن تضر بالمسار التطبيعي الماكر الذي تتوخاه أمريكا، وتعمل على فرضه بالترغيب  والترهيب.

أما تغيير وزيرة الشباب بأحمد قعلول رئيس الجامعة التونسية للتايكوندو، فيعتبر بدوره خطوة جديدة يخطوها رئيس الحكومة، دون استشارة رئيس الجمهورية، الذي يريد اعفاءه من منصبه حسبما راج مؤخرا، خطوة تبدو معاكسة لإرادة الشعب  التونسي، الوفيّ لقضايا أمّته العربية والاسلامية، والمؤكّدة من جديد على التمشّي التطبيعي ليوسف الشاهد، الذي ابتدأ به عهدته السياسية، بإقرار (خميّس الجهيناوي)  على وزارة الخارجية، بعد ان كان عينه رئيس الحكومة الاسبق الحبيب الصيد، رغم الاستنكارات العديدة التي شهدناها برلمانيا وشعبيا، بأن الرجل كان قد عين من طرف الدكتاتور بن علي، مديرا لمكتب العلاقات مع الكيان الصهيوني بتل الربيع سنة 1996  الى غاية سنة 2000، وما يعنيه ذلك التعيين من قبول طوعي منه على ذلك التعيين الذي كان برعاية امريكية غربية دون أدنى شك، وعادة من مشى على طريق الخضوع لإرادة الغرب أن ينصاع الى أوامرهم انصياع العبد الذي لا حول له ولا قوة أمام سيده.

لثلاثية التطبيع سوف تمضي في التمهيد له كل حسب مواقعه واختصاصه، في صورة ما اذا وقت تزكيتهم في مجلس نواب الشعب، ومع وجود معوقات الاقرار بها خصوصا في شأن روني الطرابلسي ذو الجنسيات الثلاثة ( اسرائيلية / فرنسية / تونسية) فهل سيكون منطقيا تونسيا قبل أن يكون اسرائيليا أو فرنسيا؟ وهل ضاقت البلاد من الكفاءات حتى نلتجئ لهذا الشخص؟

اذا سوف نشهد في قادم الايام زخما صهيونيا من شأنه ترويض تونس بما سيتيحه التعيين من انفتاح في مجال السياحة سيعود على القطاع بما افتقده في السنوات العجاف الماضية، وقريبا سيرفرف علم الكيان الصهيوني في ملاعبنا بمشاركات صهيونية، لا يرى وزير الشباب الجديد مانعا فيها، وبذلك تكون تونس ضمن البلدان المعترفة بالكيان الصهيوني والمطبعة معه الى ابعد مدى.

يوسف الشاهد لعب على حبل مكافحة الفساد، فلم يصمد فيه وانزاح عنه سريعا، واثبتت حكومته فشلا ذريعا على جميع الاصعدة، ولم يبقى له بعد ظهور نية اعفائه سوى الاستنجاد بالغرب، فأسقطوه في مخطط التطبيع المستعجل، حيث لم يعد هناك متسع من الوقت للتّمهل فيه، وقد ظهرت علامات نجاح مخطط محور مقاومة كيانه في التصدّي له ما يرفع من أمل انهائه والقضاء عليه.. فما سيكون موقف الشعب التونسي ونوابه من هذه المهزلة؟  

 

تعليقات الفيسبوك