خيبات الوهم الأوروبي…بقلم: غالب قنديل

يعيش الكثيرون في منطقتنا وهما مزمنا حول ما يسمونه بالقيم الأوروبية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير وتتلاحق الخيبات السياسية لدى المراهنين والمنتظرين لمدى التمايز الأوروبي عن العدوانية الأميركية الصهيونية وهذا ما توحي به خلاصة التجارب التي خاضها محور المقاومة بالجمع والمفرد أقله على الصعيد الإعلامي منذ القرار الفرنسي بمعاقبة قناة المنار التي ما تزال محظورة على الأقمار الأوروبية رغم كل النفاق السياسي ولعبة العلاقات العامة التي تؤديها البعثات الأوروبية اتجاه حزب الله.

المتتبع لمسار العقوبات ضد وسائل إعلام المقاومة منذ انطلاقه يلاحظ الدور الصهيوني الرئيسي الذي حرك تلك العقوبات من خلال مجموعات الضغط في سائر دول الغرب وانطلاقا من إدراك يقيني لفاعلية دور الوسائل الإعلامية في بناء ومراكمة وعي شعبي تحرري ساهم في صنع التحولات وأثر في الرأي العام العربي والدولي من خلال فضح الجرائم الصهيونية خلال الحروب التي شنها العدو على لبنان وقطاع غزة والقمع الذي فرضه في الضفة الغربية المحتلة خلال الثلاثين عاما الأخيرة وعبر نشر ثقافة المقاومة.

خاضت الجمهورية العربية السورية خلال الأعوام الأربعين الماضية كثيرا من الاختبارات والتجارب مع فكرة التمايز الأوروبي وكانت الحصيلة مخيبة للغاية عندما أطلقت واشنطن وتل أبيب إشارة انطلاق الحرب العدوانية المدمرة على سورية وانكشفت اوراق اللعبة كاملة بعمق التآمر الأوروبي على سورية الذي حول منصات الشراكة إلى أفخاخ لاصطياد العملاء وتجنيدهم ضد بلدهم وخياراته التحررية والاستقلالية.

ما تزال الدول الأوروبية حتى اليوم في مقدمة قيادة الحرب العدوانية التي تستهدف استقلال سورية ودورها التحرري في المنطقة وتحرص فرنسا وألمانيا وبريطانيا على المساهمة في عمليات قوات الاحتلال الأميركية على الأرض السورية عسكريا واستخباراتيا وحتى ما زعمته الدول الأوروبية من نزعة إنسانية تجسدت باستقبال النازحين السوريين يتكشف عن استغلال خبيث لمأساة ساهمت تلك الحكومات بتوليدها من خلال مشاركتها النشطة في دعم جيوش التكفيريين والقتلة متعددي الجنسيات التي احضرت إلى سورية.

ظهر هذا الوجه البشع مكشوفا في التصريحات التي ادلى بها مؤخرا كل من الرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل في اسطنبول بعد لقاء القمة الذي جمعهما بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ضيافة رجب طيب أردوغان فقد اكدا على رفض تسهيل عودة النازحين إلى وطنهم قبل ما يدعونه بالحل السياسي الذي ينسق الاوروبيون والأميركيون خطوط التدخل في تفاصيله بشكل مباشر من خلال منصات التفاوض القائمة مباشرة وبواسطة العملاء.

تكشفت حقيقة النزعة الإنسانية المزعومة عن استغلال فظ للمأساة الناجمة عن حرب أشعلها الغرب لعيون إسرائيل وبدافع الهيمنة الاستعمارية على دولة مستقلة تسهم في بناء مقدرات محور الاستقلال والمقاومة في المنطقة وتبني شراكاتها الدولية والإقليمية خارج قيود التبعية للغرب .

تشير تقارير الخارجية الروسية إلى ان حكومات اوروبية من ضمنها ألمانيا أبلغت الوزير الروسي سيرغي لافروف عندما نقل إليها المبادرة الروسية السورية لعودة النازحين عن وجود مئات آلاف الراغبين بالعودة إلى وطنهم وهذه الحكومات نفسها تعرقل عودتهم بكل صلافة وترفض التعاون مع دمشق في تنظيم تلك العودة لتحول القضية إلى موضوع ابتزاز سياسي لمساومة الدولة الوطنية السورية على استقلالها ولمحاولة تمرير تفاهمات تفسح المجال لعملائها في مواقع السلطة السورية وتكوينها ومؤسساتها وهو ما ينم عن فظاظة استعمارية بشعة.

العقوبات الأوروبية التي تفرض على وسائل الإعلام العربية والإيرانية واللاتينية التي تزعج إسرائيل والولايات المتحدة متواصلة ومتصاعدة منذ العقد الأخير من القرن العشرين وقد ضمت إلى قوائم العقوبات مؤسسات ومواقع روسية وصينية بناء على الطلب الأميركي وسدت جميع سبل الحوار والنقاش حولها وتساقطت عندها اوهام الشراكة بينما تلعب اوروبا مؤخرا على الحبال بين طهران وواشنطن رغم مغريات العروض والحوافز التي تعرضها دول الشرق الحليفة بمن فيها الصين وروسيا وإيران والهند منذ إلغاء دونالد ترامب للاتفاق النووي والأرجح ان الحكومات الأوروبية لن تنفذ انحيازا تاما أو واضحا لما تصرح به او تدعيه.

الحكومات الأوروبية في معظم تلاوينها تعبرعن شرائح سياسية ومالية شديدة الارتباط بالولايات المتحدة وخاضعة لتأثير الحركة الصهيونية بقوة في كل ما يتصل بالمنطقة العربية وسيكون عسيرا طريق التقصي عن إرادة اوروبية مستقلة لا تجتر في جوهرها المنطق الأميركي المكرس للهيمنة والسيطرة الاستعمارية.

 

تعليقات الفيسبوك