كتب غالب قنديل: متى ينتقل محور المقاومة إلى الدفاع الهجومي ؟

تشكل محور المقاومة بوصفه مبادرة دفاعية عن المنطقة وشعوبها ضد الغزوة الاستعمارية الصهيونية الرجعية وجاءت نواته السورية الإيرانية في حصيلة التلاقي الدفاعي بين الدولتين في مجابهة الحلف الاستعماري الصهيوني الرجعي بقيادة الولايات المتحدة وخططه الهجومية للهيمنة على الشرق وتعزز هذا المحور بدافع التصدي لمبادرات حلف العدوان ومؤامراته اللئيمة لتدمير المجتمعات ولكسر إرادة الاستقلال والتحرر.

لم ينطلق المحور أصلا في حصيلة تخطيط مستقبلي لتكوين كتلة شرقية تحررية تقود النضال ضد الإمبريالية والصهيونية او بتصور مستقبلي مشترك حول صيغ الشراكة والتعاون والدليل البسيط ان الخطوات الجدية للتشبيك الاقتصادي بين سورية وإيران لاحت بداياتها مؤخرا وجاءت متاخرة أربعين عاما.

فقد وقعت في كل من دمشق وطهران خلال الأسابيع الأخيرة اتفاقات اقتصادية هي الأولى من نوعها رغم مضي أربعين عاما على التحالف الاستراتيجي الذي اقتصرت تجلياته على النشاط الدفاعي سياسيا وعسكريا حيث فرضت موجبات الدفاع عن الوجود خطوات تكرس التعاون في مجالات التصنيع الحربي والقتال معا في مجابهة حلف العدوان الذي احتفظ بزمام المبادرة طويلا إلى ان تبدل ميزان القوى نتيجة الصمود الشعبي والعسكري والسياسي لكل من الدولتين والشعبين والمعارك التي خاضتها حركات المقاومة في المنطقة فواصلت الولايات المتحدة تصعيد الضغوط والعقوبات بدافع الاستنزاف والإخضاع بعد فشل مغامرات التدمير والإسقاط.

المقاومة كنهج هي بذاتها فعل دفاعي ينطلق من التعامل مع اختلال توازن القوى لصالح العدو عبر مراكمة التحولات وصولا إلى تغيير ذلك التوازن من خلال عملية استنزاف ومجابهة تتميز بالصبر الاستراتيجي لتحقيق الإنجاز المنشود.

العبر التي تزخر بها السنوات العشرون الماضية الحافلة بفصول ملحمة الصمود السورية الإيرانية بالشراكة مع فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن خلال السنوات الأخيرة تفرض مراجعة منهجية وتستدعي التفكير في سبل الانتقال لقيادة تحول تدريجي عبر مبادرات هجومية في قلب النهج الدفاعي بعدما طور العدو الإمبريالي انماطا جديدة من المبادرات العدوانية لتعويض عجزه العسكري عن قلب المعادلات.

تمثل العقوبات الأميركية العنوان الأخطر في تلك الخطوات تجسيدا لمبدأ خنق الخصوم الذي تطبقه واشنطن بعد إفلاس وسائلها العسكرية وهي تستثمر في ذلك تفوقها التكنولوجي وهيمنتها العالمية على النظام المصرفي والمالي في العالم كما تستخدم أساطيلها وقواتها العسكرية البحرية لفرض حصار مشدد على الدول المتمردة المتمسكة باستقلالها باعتراض البواخر التجارية التي تنقل النفط والمواد الغذائية والأدوية إلى تلك الدول وهذا ما فعلته ضد سورية مؤخرا.

مجابهة هذا التحدي تتطلب خوض معارك سياسية ودبلوماسية وتعبئة جماهيرية في الداخل وهذا ما يجب ان تقوم به قيادات الدول المستهدفة لبلورة مناخ من التماسك الوطني ضد الحصار والعقوبات تحت شعار إسقاطهما والتحرر من قبضة التحكم الأميركي.

إن ردع تلك العربدة الأميركية يرتبط بجهد شامل من معسكر رافضي الهيمنة لبلورة بدائل جديدة لنظام التحويلات المالية والمصرفية وهو ما تقوم به مجموعة دول الشرق التحررية من خلال شراكاتها الثنائية التي نمت وتوسعت في السنوات الأخيرة ولا شيء يمنع تنظيمها على نطاق اوسع متعدد الأطراف كصيغة دولية جديدة للتبادل التجاري والتحويلات المالية خارج التحكم والعسف الأميركي.

يضاف لما تقدم ضرورة التفكير في استعمال القدرات الرادعة والمزايا الاستراتيجية لمحور الدول المناهضة للهيمنة لإسقاط العقوبات ولمطاردة الأساطيل الأميركية ولفرض انكفائها عن القرصنة التي تمارسها في جميع البحار والمحيطات لفرض الحصار على الدول الحرة المتمردة على الهيمنة الاستعمارية.

إن ردع العربدة والقرصنة الأميركية يجب ان يتحول إلى هدف مشترك لكتلة من الدول وحركات المقاومة تستطيع فعل الكثير دفاعا عن سيادتها وعن شعوبها التي يسعى الناهب الأميركي جهارا لخنقها ولتجويعها لتأليبها ضد القيادت الوطنية ولحرمانها من الغذاء والدواء ومن المحروقات ليدفعها كلفة غالية لانحيازها إلى خيارات التحرر والاستقلال.

يأتي في صلب القضايا التي ينبغي الالتفات إليها تدشين معركة لتصحيح التوازنات في الأمم المتحدة وانظمة عملها التي صاغتها الإمبريالية الأميركية في خدمة تنمرها وهيمنتها على العالم وهذا ما يتطلب حورا سوريا إيرانيا مباشرا مع القيادتين الروسية والصينية ومع سائر الدول الطامحة للتحرر من قيود الهيمنة التي توضع اجهزة الأمم المتحدة في خدمتها بالأمر الاميركي فمعركة التصحيح الهيكلي لواقع الأمم المتحدة وانظمتها جزء لا يتجزأ من النضال ضد الهيمنة الأميركية على العالم.

 

تعليقات الفيسبوك