كتب مصطفى السعيد: إسرائيل في مهب الصواريخ

القادم أسوا، وإسرائيل تواجه أشد خطر على وجودها منذ نشأتها .. هذا ما قاله قادة عسكريون وسياسيون إسرائيليون في أعقاب معركة غزة، والتي سقط فيها 400 صاروخ على عسقلان وسديروت وعدد من المستوطنات القريبة من غزة، وقال نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي إن الصواريخ الفلسطينية كانت ستمتد إلى بئر سبع وتل أبيب إذا لم يتوصل إلى إتفاق على وقف إطلاق النار مع الفصائل الفلسطينية، في سعيه إلى إقناع قادة الأحزاب المتحالفة معه بأن قراره كان صائبا، أما في حالة إجتياح غزة بريا فقد توقع القادة العسكريون أن تتجاوز خسائر إسرائيل 500 ضابط وجندي على الأقل، وأنها كانت ستنسحب تحت ضغط الخسائر المتزايدة يوميا.
الصورة التي يرسمها الإعلام الإسرائيلي قاتمة، والتشاؤم هو السائد في تصريحات الجميع، عدا عتاة اليمين المتطرف للغاية من المستوطنين، والمطالبين بشن حرب واسعة على غزة، والمشهد يوحي بأن حالة من الذعر تسيطر على جميع الأحزاب، ليس بسبب غزة وحدها، إنما لأن غزة المحاصرة برا وبحرا وجوا هي أضعف النقاط المعادية لإسرائيل، وما بحوزتها من صواريخ وأسلحة وكفاءة قتالية لا يساوي شيئا بالقياس بما لدى حزب الله اللبناني، الذي يمتلك مئات آلاف الصواريخ الأكثر دقة وقوة تدميرية، والتي يصل مداها من أقصى الشمال وحتى ميناء إيلات على خليج العقبة، ولديه بنوك أهداف جاهزة لكل موقع ومبنى حيوي في إسرائيل.
وتزداد الصورة قتامة عند إضافة سوريا إلى قائمة التهديدات، والتي أعلنت أنها وحزب الله يشكلان جبهة واحدة، وسوريا المنتشية بانتصارها على أكبر موجة إرهابية في العالم، تواصل تحديث جيشها الكبير الذي يبلغ نصف مليون مقاتل، مع قوات رديفة من المتطوعين، تدربت على الحروب غير التقليدية، وتكمل إنشاء مصانع صواريخ متعددة الأغراض، منها صواريخ أرض بحر، وصواريخ أكبر مدى وقوة تفجيرية وعددا مما لدى حزب الله، ومصانع للصواريخ والطائرات المسيرة تنتشر على مسافات متباعدة، بالإضافة إلى حصولها على منظومة إس 300 الروسية والتدريب عليها ونشرها، وهو ما يفسر مطاردة نتنياهو للرئيس الروسي بوتين ليقنعه بأن السكوت على تواجد الخبراء الإيرانيين ليشاركوا في تطوير الصناعات الحربية السورية وتدريب المتطوعين على الحرب غير التقليدية يهدد وجود إسرائيل، ولا يجب أن تتجاهل روسيا مخاطر بهذا الحجم، وعليها أن تسمح للطائرات الإسرائيلية بتوجيه ضربات استباقية، لكن بوتين خذله أكثر من مرة.
لا تتوقف المخاطر التي تعبر عنها صحف وفضائيات إسرائيل عند هذا الحد، بل هناك الخطر الإيراني الذي تؤكد أنه أصبح على مقربة من مرتفعات الجولان، و وتمتلك إيران مئات آلاف الصواريخ البالستية الثقيلة، والقادرة على تدمير مناطق شاسعة وبدقة كبيرة، وهي من تمد الفصائل الفلسطينية وحزب الله اللبناني بالأسلحة، كما هددت إسرائيل بأنها ستوجه ضربات إلى قوات الحشد الشعبي العراقية التي تؤازر الجيش السوري وتبني لها إيران مصانع أسلحة في العراق، وتدربها على استخدام كل أنواع الأسلحة، وعدد مقاتلي الحشد الشعبي يتجاوز المائة ألف مقاتل، ولم يخسروا أي معركة ضد داعش، وأثبتوا كفاءة قتالية لا يستهان بها.
هذه التحديات غير المسبوقة التي تواجه إسرائيل هي الشغل الشاغل لكل من الولايات المتحدة وقادة إسرائيل، وهي ما دفعت نتنياهو إلى السعي لتعزيز علاقته ببعض الدول الخليجية، ويحثها على التعاون في مواجهة إيران “العدو المشترك”، فإسرائيل لا تتطوع لحماية دول الخليج من الخطر الإيراني المفترض، بل هي من تسعى إلى حماية عربية، وتعتمد على الضغط الأمريكي على المزيد من العرب للتطبيع مع إسرائيل.
كان نتنياهو هو من ألح على الرئيس الأمريكي ترامب لإلغاء الإتفاق النووي مع إيران، وفرض أقسى العقوبات الإقتصادية، والإبقاء على القوات الأمريكية في شرق الفرات السوري، وأن تساوم أمريكا إيران على إتفاق للخروج المتبادل من سوريا.
إن أمن إسرائيل هو سبب إلغاء الإتفاق النووي والوجود العسكري الأمريكي في سوريا والسعي إلى التطبيع العربي، لكن يظل السؤال هل ستنجح تلك الضغوط في استعادة إسرائيل الإحساس بالتفوق والأمن؟
لا يمكن الثقة في قدرة هذه الضغوط على تغيير المعادلات الجديدة في المنطقة، فلا العقوبات الأمريكية المنفردة حققت أو ستحقق الكثير، لأن أوروبا وروسيا والصين تساند إيران في تحدي العقوبات، والبترول الإيراني يتدفق بنفس معدلاته تقريبا، ولا الوجود العسكري الأمريكي في شرق الفرات يمكنه تغيير الأوضاع، بل إن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس يعارض بقاء هذه القوات، ويراها شبه محاصرة، وأنها ستكون ضحية أي صدام مباشر أو غير مباشر مع إيران، لأنها قليلة العدد والتسليح ولا خطوط إمداد لها إلا عن طريق الجو الملبد بصواريخ إس 300 السورية.
كشفت معركة غزة نقاط الضعف الكثيرة في الدولة اليهودية، والتي لا تملك أي عمق استراتيجي، بينما اتسع العمق الإستراتيجي لسوريا وحزب الله ليشمل العراق وإيران بعد فتح الحدود السورية العراقية لأول مرة، وإذا ما حدثت مواجهة واسعة فإن آلاف الصاروخ سوف تسقط يوميا على قلب الكيان الضيق للغاية، والقبة الحديدية لم تفلح إلا في إسقاط مائة صاروخ من غزة من بين أربعمائة.
ستندم إسرائيل على عدم قبول المبادرة العربية للسلام، وقبلها اتفاق أوسلو الذي ماطلت في تنفيذه، أما المقترحات التي تسميها صفقة القرن فهي غير قابلة للتداول، وليس لدى الولايات المتحدة وإسرائيل مقومات فرضها، فقد فات أوان التفوق العسكري المطلق لإسرائيل، وزمن الحروب الخاطفة، وليس أمامها إلا الإذعان لشروط أشد قسوة مما رفضته في السابق أو أن تقامر بحرب ستضعها في مهب مئات آلآف الصواريخ.

تعليقات الفيسبوك