ليس مادورو كنورييغا!!

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

مساعي الرئيس الامريكي (ترامب) المتعجلة، لتنفيذ سياسات بلاده الخارجية، بما يوافق رؤيته المتطرّفة، وتتطابق مع قناعاته المثيرة للفتن، وعدم الاستقرار في العالم، وصلت بعد تحريك أدواتها العميلة في فنزويلا، باعترافها ب(خوان جوايدو)، الزعيم المزعوم – بالحساب الأمريكي –للمعارضة الفنزويلية، فيما يشبه الانقلاب المدني، على شرعية نالها الرئيس (مادورو) بشعبية معتبرة، سجلتها صناديق الاقتراع، كما نالها من قبله سلفه (شافيز)، تؤكد من جديد مدى عدوانية النظام الامريكي، تجاه الدول وشعوبها الحرّة، ومحاولاته المتكررة تغيير أنماط حكمها، واخضاعها لإرادته، خصوصا تلك التي عرفت بعدائها للإمبرالية الأمريكية، وفنزويلا تعتبر أحد أهداف النظام الامبريالي الاستكباري الامريكي بعد إيران، ورؤساؤها منذ انتصار الثورة البوليفارية، التي قادها الزعيم (هوجو شافيز) يعملون ضدها، ويبذلون قصارى جهودهم، من أجل عرقلتها وافشالها.

ما أغاظ أمريكا حقيقة، ودفعها الى التصرف العدواني الأخير، تمثل في فشل مشاريعها  السابقة في تغيير نظام الحكم في فنزويلا، أهمّها محاولتي اغتيال فاشلتين، تعرض لها كل من (شافيز) في 19/10/2002، و(مادورو) في 5/8/2018، وحملة التشكيك في نزاهة  الانتخابات، التي جرت في 20/5/2018، والتي اسفرت عن فوز (مادورو) برئاسة بلاده، ما أعطى للمعارضة صنيعة أمريكا، مجالا لزعزعة الثقة الشعبية التي حظي بها خلف (شافيز)، لكن تلك الحملة فشلت، ولم تجد من يقف معها شعبيّا، سوى قلّة ممن غرر بهم من فئات الشعب، أو من باعوا أنفسهم للمشروع الامريكي، في الاطاحة بالشرعية في فنزويلا.

فلم يعد بوسع أمريكا أن تصبر على خروج فنزويلا عن طوعها، ودائرة هيمنتها واستغلالها، فلجأت الى استعمال أسلوب المراوغة، في تزييف الحقائق، وايهام الرأي العام العالمي، بأن نظام الثورة البوليفارية بقيادة (مادورو)، لا يملك أهلية ولا شعبية، وأنّ الأحقّ بالحكم عميلا لها، لا يملك شعبية تؤهله للفوز في الانتخابات، ولا يقيم وزنا لمصلحة فنزويلا، مقدّمة على المصالح الامريكية، وكل ما حصل إلى حد اليوم، هو فبركة واصطناع من تدبير استخبراتي أمريكي، لا يريد الخير لفنزويلا، وفئات شعبها الكادحة من أجل حياة أفضل.

 خروج فنزويلا عن طوع أمريكا، كان له الأثر الكبير في تحوّل انظمة الحكم في امريكا اللاتينية من أنظمة دكتاتورية فاسدة، الى أخرى ثورية يسارية، و فبعد انتخاب (هوغو شافيز) رئيساً لفنزويلا سنة 1998، أعقبه نجاح في تشيلي حققه المرشح الاشتراكي (ريكاردو لوغوس) سنة 2000، وثم فوز في البرازيل حققه زعيم حزب العمال (PT)(لولا دي سيلفا) سنة 2002، وفي الارجنتين، (نيستور كيرشنر) سنة 2003، وفي الاورغواي، (تابير فاسكوس) عن الجبهة اليسارية (FA)، وفي بوليفيا (ايغور موراليس) سنة 2005، وفي نيكاراغوا، عاد قائد الجبهة الوطنية الساندينية (دانييل أورتيغا) الى الحكم سنة 2006 ، وفاز في بالرئاسة في الاكوادور، الاقتصادي عن الجناح اليساري (رافييل كوريا)، وبعد مضي عشر سنوات على تلك النجاحات الباهرة، سجل المرشحون اليساريون، انتصارات غير متوقعة في البارغواي (فرناندو لوغو) والسلفادور (موريسيو فيونز).

تحوّل أدخل الفزع في اجهزة واجنحة النظام الامريكية، ودفعها الى التخطيط للقيام بعمل، من شأنه أن يوقف التمدد الثوري اليساري، المعادي للإمبريالية الأمريكية، فنجحت في تغيير نظام الحكم في البرازيل منضو تحت الارادة الامريكية وتابع لها في اغلب القضايا الدولية، كما لا نزال نتذكر الإجتياح العسكري، الذي قامت به قوات المارينز الأمريكية في بنما، في 20/12/1989 والذي استمر اسبوعين، وانتهى باعتقال رئيسها (إمانويل نورييغا)، بعد استسلامه في 3/1/1990، وحوكم في امريكا بتهم ملفّقة، وحكم عليه ب20 سنة سجنا، ثم سلم بعد انتهاء محكوميته الى فرنسا، ليحاكم هناك من جديد بنفس التّهم، وهذا منتهى التعاون في الظلم بين دول الغرب.

فشل الإنقلاب الذي خططت له وحرّكته أمريكا، لم يكن بسبب ضعف الدّعم المقدّم منها الى عميلها الطامح للرئاسة، وإنّما كان بمفعول الشعبية التي اكتسبها النظام اليساري، وأهليّة (مادورو) في حكم بلاده باستحقاقه الإنتخابي وشرعبة فوزه، رغم الحملة الدعائية المسعورة، التي تزعمتها أمريكا ضده، بعد الإعلان عن نتائجها.

لم يتردد (مادورو) في قراره بقطع العلاقات الدبلوماسية مع امريكا، بعد تأييد رئيسها للانقلاب، وهو قرار حكيم، قطع به رأس الفتنة في بلاده، وأخرج منها وكر جوسسة، شبيه بما حصل في ايران عقب انتصار ثورتها، لكنه جاء باقل جرأة وقوة، وهو ردّ مناسب زاد من حصانة البلاد، وقوّى من مكانته الشعبية بين جماهيره.  

خيارات أمريكا في معالجة الأوضاع في فنزويلا، بعد فشل انقلابها اصبحت محدودة، ومطالبة مجلس الامن الدولي، اتخاذ موقف يدعم به الزعيم الموهوم للمعارضة، ويعطيه شرعية من وراء البحار، وجد معارضة من دول عديدة، كروسيا، والصين، وايران، وتركيا، وبوليفيا، والمكسيك، ونيكاراغوا، وكوبا.

ما يعاب على الدول العربية وجامعتها، السكوت في مواقف تحتاج الى ظهور موقف منها، كما هي حال ما يجري في فنزويلا، والتآمر على نظامها، المناصر لقضايا الشعوب المظلومة، وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني، منذ أن أمسك الحكم، ف(مادورو) ماض على خطى سلفه شافيز، لم يغيّر وجهته في دعمه الكامل لمقاومة الكيان الصهيوني، ومعارضة السياسات العدوانية لأمريكا تجاه الشعوب الحرة في العالم، موقف سلبي يجسد من جديد خيبة السياسات العربية، واصطفافها السلبي وراء التأثير الامريكي والغربي، ان لم نقل أنه يشبه فعل دس النعامة رأسها في التراب، تحاشيا من مواجهة واقع مخيف.

(شافيز) و(مادورو) وفنزويلا يستحقان من العرب وانظمتهم غير هذا البرود، والامل في أن يغلب الطّبع العربي التطبّع الأمريكي الغربي، الذي نبت في انظمتهم من مصالح غير مضمونة.

تعليقات الفيسبوك