ما الذي يدفع “إسرائيل” للمطالبة بمرتفعات الجولان؟

د. اسامه اسماعيل |

تُحاول الحكومة الاسرائيلية الحالية بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” استغلال كل الفرص المتاحة نتيجة توافق المصالح بينها وبين الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، فبعد إعلان “ترامب” نقل السفارة الأمريكية للقدس في ديسمبر 2017، والذي أُعتبر البداية الرسمية لاعتراف الولايات المتحدة بأن القدس عاصمة إسرائيلية، أتت المُطالبات الإسرائيلية للإدارة الأمريكية بالاعتراف بمرتفعات الجولان على أنها أرضًا إسرائيلية.

وفي هذا الإطار نشرت مجلة “Foreign Affairs” مقالا بعنوان “ما الذي يدفع “إسرائيل” للمطالبة بمرتفعات الجولان؟”، وقامت بإعداد هذه المقالة الكاتبة الفلسطينية – العراقية “زينا آغا”، وتدور الفكرة الرئيسية لهذا المقال حول الهدف من تلك المُطالبات الإسرائيلية، فمنذ حرب الأيام الستة 1967، وضعت إسرائيل يدها على هضبة الجولان بشكل أُحادي الجانب، وهو ما اعترضت عليه الدول العربية وخاصًة سورية، لكن لا حياة لمن تنادي، فلم يتمكن رفض المجتمع الدولي ولا استياء الأمم المتحدة من وقف عمليات بناء المستوطنات الإسرائيلية، والمزارع، ومصانع النبيذ.  

وتجدُر الإشارة إلى أنه على الرغم من صِغر مساحة المرتفعات من الناحية الجغرافية، إلا أن لها أهمية قصوى من الناحية الاستراتيجية؛ حيث أنها تقع على بُعد 31 ميلًا من غرب دمشق، وارتفاعها جعلها تطُل على كلًا من: جنوب لبنان، وشمال “إسرائيل”، وجزء كبير من جنوب سورية.

إن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” في يوليو 2015، ما هو إلا تأكيد مدى إدراك إسرائيل لأهمية هذه الحقبة بالنسبة لها، مما جعلها كل يوم تطلب المزيد، الأمر الذي وصل إلى وصف إسرائيل مرتفعات الجولان بأنها امتداد طبيعي لها لتتمكن من ضمها إليها واعتراف الولايات المتحدة بذلك، وهو ما تجلى في الجلسة الأمريكية – الإسرائيلية في يوليو 2018 والتي جاءت بعنوان “أفق جديد في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية: من سفارة أمريكية في القدس إلى اعتراف محتمل بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان”.

ومن جانبها، تُرسل إدارة “ترامب” رسائل تتسم بالتخبط، فعلى الرغم من تصريح السفير الأمريكي في إسرائيل “ديفيد فريدمان” في أوائل سبتمبر 2018 بأنه لا يستطيع أن يتخيل أي ظرف لا تكون فيه مرتفعات الجولان جزءًا من إسرائيل، لكن “جون بولتون” مستشار الأمن القومي كان قد صرح في شهر أغسطس بأنه لم يكن هناك نقاش حول هذا الاعتراف.

وعلى الصعيد الآخر، سيكون لهذا القرار –إن حدث- الكثير من التداعيات، فبالإضافة إلى أن اعتراف الولايات المتحدة بكون هضبة الجولان المحتلة أرضًا إسرائيلية سيكون ليس له أي شرعية دولية، مما سيزيد من الاستقطاب على المستوى الدولي بين أنصار كل فريق، إلا أنه أيضًا سيهدد الاستقرار الإقليمي البارد بسبب توسع الكيان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، فضلًا عن وفرة الموارد الطبيعية التي تتمتع بها مرتفعات الجولان –خاصًة المورد المائي- والتي استفادت منها إسرائيل طيلة العقود الماضية بشكل مُبالغ فيه، الأمر الذي جعلها تطرح هذه القضية دفاعًا عما حصلت عليه من موارد تخشى أن يتوقف إذا لم تضم هذه المرتفعات إلى حوزتها بشكل رسمي.

حروب المياه

تتصدر مرتفعات الجولان عناوين الصحافة الدولية في السنوات الأخيرة بسبب اندلاع الحرب الأهلية الدموية في سورية منذ 2011 والتي امتدت بطبيعة الحال الجغرافية إلى الجولان، ففي يوليو 2018 أعلنت القوات الجوية الإسرائيلية عن اسقاط الطائرة السورية “سوخوي”، وزعمت أنها أسقطت أخرى روسية من طراز “إيل-20” في سبتمبر من نفس العام.   

كل هذا ما هو إلا محاولات يُصدرها أنصار الفريق الراغب في ضم الجولان لإسرائيل مثل: السفير “فريدمان” والسفير الأمريكي السابق في إسرائيل “دانيال كيرتزر”، بحجة أن الأطراف المتحاربة سواء الحكومة السورية بقيادة “بشار الأسد”، أو الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، أو إيران، أو حزب الله، أو تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، يستخدمون مرتفعات الجولان كمنطقة للنزاع مما يهدد الكيان الإسرائيلي، وبالتالي، فهي تستخدم هذا كورقة للضغط على الولايات المتحدة بأنها في حاجة للجولان لتكون منطقة عازلة تحمي إسرائيل من الحرب الدائرة في سورية.

وهي المخاوف نفسها التي يعبر عنه “مايكل دوران” عضو مجلس الأمن القومي أثناء إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش”، ويتساءل “كيف سيكون شكل سورية التي يمكن أن تساهم بشكل أفضل في السلام والاستقرار الدوليين؟”، واستطرد قائلًا “يجب على أي شخص معني بهذه المسألة، أن يستنتج أن مرتفعات الجولان يجب أن تبقى في أيدي الإسرائيليين”.

لكن في الوقت الذي يعطي فيه “فريدمان” و”كورتزر” و”دوران” وغيرهم أولوية لأمن إسرائيل على حساب أمن باقي المنطقة، يتناسون حقوق أكثر من 130 ألف مواطن سوري إما كانوا قد رُحلوا قسريًا أو نزحوا في بداية الاحتلال الإسرائيلي للجولان في 1967، أو حتى في طريقة التعامل مع ما يُقدر بـ 26 ألفًا من السوريين الذين بقوا في أراضيهم، ومعظمهم من الطائفة الدُرزية.

وبالتالي تستخدم إسرائيل النزاعات في سورية كذريعة لتصل إلى الاستفادة التامة من الموارد المائية التي تتسم مرتفعات الجولان بالوفرة فيها؛ إذ أن بها أكثر من ثلث كميات المياه المستهلكة من قبل الاحتلال الإسرائيلي؛ فهي تربط بين نظامين مائيين رئيسين: حوض تصريف نهر الأردن وروافده إلى الغرب، وبحيرة طبرية ونهر اليرموك إلى الجنوب، بالإضافة إلى وجود أكثر من 200 ينبوع، وإدراكًا منها بمدى خصوبة هذه المنطقة، قامت إسرائيل منذ عام 1984 بحفر أكثر من ثمانية آبار عميقة للوصول إلى طبقات المياه الجوفية السورية. وبالفعل قد سحبت هذه الآبار أكثر من 2.6 مليار جالون من المياه، يتم ضخها في الغالب إلى المستوطنات من أجل إمكانية وصول كميات غير مقيدة من المياه إلى سكانها.

وفي نفس السياق، حرصت إسرائيل على سن سلسلة من القوانين والتشريعات منذ عام 1968؛ حيث أعطاها الأمر العسكري رقم 120 حق الوصول إلى موارد الجولان المائية بشكل حصري، بل وصل الأمر إلى نص إحدى هذه القوانين على أن امتلاك أي أرض لا يستلزم امتلاك الماء سواء الذي عليها أو تحتها. الأمر الذي أثار غضب المُزارعين العرب الذين يعتمدون بشكل كامل على الزراعة في معيشتهم، وبهذا سوف يفقدون إمكانية الوصول والاستفادة من المياه النابعة في أراضيهم الزراعية، وأُجبروا على شراء المياه من شركات إسرائيلية تفرض عليهم أسعارًا باهظة، بل وتقوم ببيع كميات قليلة جدًا تكفي بعض حاجاتهم فقط.

يخطئ من يظن أن الجولان هي المنطقة الوحيدة التي تحتكر إسرائيل مواردها المائية، لكن جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة تعاني من مثل هذا البطش الإسرائيلي والهيمنة على مواردها المائية، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في كمية المياه التي يستطيع الفلسطينيون الوصول إليها والاستفادة منها؛ حيث يتم تحويل ما يقرب من 90% من مخزون طبقات المياه الجوفية في الضفة الغربية إلى الإسرائيليين ليتبقى أقل من 10% للفلسطينيين، بالإضافة إلى استخدام 599,901 من المستوطنين الإسرائيليين كمية مياه تعادل أكثر من ستة أضعاف ما يستهلكه مجموع السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية –نحو 2.86 مليون.

ومن ناحية أخرى، فإن حوالي 97% من المياه في غزة غير صالحة للاستهلاك الأدمي، ما أدى إلى ارتفاع حاد في نسبة انتشار الأمراض المنقولة سواء عن طريق المياه، أو عن طريق الغذاء، مثل: التهاب المعدة والأمعاء، والإسهال الشديد، والسالمونيلا، وحُمى التيفويد؛ في الوقت الذي ينعم الإسرائيليون ويستهلكون كمية غير محدودة من المياه الصالحة.

ويرجع هذا النهم الإسرائيلي للموارد المائية العربية إلى كونها تحتل المرتبة 19 في الدول الأكثر عرضة للاستنزاف المائي في العالم، ومن المرجح أن بتفاقم الوضع بسبب التأثيرات المحتملة لتغير المناخ، وهي الأزمة التي أشار إليها رئيس الوزراء السابق “إسحاق رابين” في عام 1995 حين قال “أن الخطر الأعظم الذي يتعين على إسرائيل مواجهته في المفاوضات مع سورية هو إمكانية فقدان سيطرتها على موارد المياه في مرتفعات الجولان”.

ووفقًا لما سبق، فإن المورد المائي أصبح سلعة ذات قيمة متزايدة في السياسة والأسواق العالمية. وبالتالي، يتنبأ الكثير من المحللين بحرب وشيكة على المياه في المنطقة، بل وأن المياه ستكون أكثر  أوراق المفاوضات محورية في أي مفاوضات مستقبلية بين إسرائيل وسورية.

تحرك خطير

   ولأن إسرائيل مدركة تمام الإدراك أن كوكب الأرض يعاني من شُح متزايد في الموارد المائية، فتحاول تأمين نفسها من الناحية المائية، ومن هنا يكمن الهدف من تمسك إسرائيل بضرورة الاعتراف بأن الجولان إسرائيلية لوفرة مواردها المائية. وعلى الرغم من أن الاحتلال يضمن لها هذا، إلا أنها تحاول شرعنة موقفها مُستغلة إدارة “ترامب”، ولجني مصالح أكبر خاصًة وأن هناك تقارير متضاربة حول وجود كميات هائلة من النفط في مرتفعات الجولان، الأمر الذي زاد من تمسك إسرائيل بالجولان أملًا في أن تصبح منافس إقليمي للطاقة، وبالفعل وافقت إسرائيل على تنفيذ أعمال التنقيب الاستكشافي في عام 2014 لكن في منطقة تمثل فقط ثلث مساحة المرتفعات، لأن هذا يهدد وبشكل مباشر النظام البيئي الحيوي في مرتفعات الجولان، وجودة المياه الجوفية هناك.

  وبالتالي، سيمكن هذا الاعتراف إسرائيل من الاستمرار في استغلال موارد الجولان المائية كما هي تفعل منذ عقود، على حساب 26 ألف سوري يعيشون هناك، بل وبدون أي انتقاد أو توبيخ خارجي من المجتمع الدولي، فبالإضافة إلى ما يعانيه السوريين من التجاهل السياسي طيلة نصف قرن، إلا أن الاعتراف سيضعف آمالهم في العودة إلى الجولان ولم الشمل السوري، وهي السياسة التي تنتهجها إسرائيل منذ عام 1967 التي تستهدف عزل الأسر عن بعضها البعض، ضاربة بعرض الحائط كل قوانين حقوق الإنسان، وبالتالي، سيساعد الاعتراف الأمريكي على تغيير ميزان القوة في المنطقة لصالح إسرائيل، مما يقلل من فرص السلام بين الطرفين السوري والإسرائيلي.

منذ أكثر من ستة أشهر، تتحرك جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل (اللوبي) في كل حدبٍ وصوب آملًا في انتزاع اعتراف الولايات المتحدة بملكيّة إسرائيل لمرتفعات الجولان، ومن بين هؤلاء: “مورتون كلاين” الرئيس الوطني للمنظمة الصهيونية الأمريكية، بل ويمارس هذا الضغط نفسه صُناع السياسة الإسرائيليون، مثل: “يسرائيل كاتز” وزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي، لكن تحاول الولايات المتحدة في هذه الفترة موازنة مصالحها ليس أكثر، فمن الأفضل لصناع السياسة أن يتذكروا أن وراء الحديث الإسرائيلي عن المصالح الأمنية تكمن رغبة أعمق في السيطرة على الموارد الطبيعية للأراضي التي تحتلها إسرائيل.

 

تعليقات الفيسبوك