متى كان الغرب صادقا؟

بقلم: محمد الرصافي المقداد |

يحاول الغرب في هذا العصر جاهدا، للظهور بمظهر ينمّ عن التزام تامّ بالقيم، وقد نصبت دوله نفسها مدافعة عن المبادئ والقيم الانسانية، كأنهم صنّاعها وأصحابها، بينما هم من تجرّأ عليها وداسها، وأغلب منظّماته الحقوقية وأحزابه السياسية، تدور أغلبها في فلك واحد، يتمحور حول الحفاظ على مكتسباته، التي حققها على حساب الشعوب الفقيرة والمستضعفة، خلال قرن وربع، بواسطة احتلال اراضيها، ونهب خيراتها، فمحصل ما وصل اليه الغرب من تقدم وتطوّر وغنى، كان أساسه تلك الخيرات والامكانات التي غنمها، تعدّيا مكرا من تلك الشعوب.

وعوض ان يستحي هذا الغرب مما اقترفت أياديه من آثام وتعدّيات، استمّر على نفس نهجه، في قطع الطريق على نفس تلك الشعوب، ومنعها بذرائع مختلفة، من أن تملك أزمّة أمورها، وتسلك طرق نموّها بحرية، دون تدخّل ممن كان من قبل محتلّا خبيثا، وكان الأجدر بدول الغرب، أن تكفّر عن سيئات ما فعلته، إبّان الحقبة الاستعمارية، أن تعيد ما اغتصبته من حقوق الشعوب التي كانت خاضعة لها، وتعويضات تقدمها زيادة على ذلك، ولكن تبقى هذه الأمنية تراود الشعوب، دون أن تعيرها اهتماما حكوماتهم، ولعل المانع ليس خيرا في حدّ ذاته، لعلمنا بأن لتلك الحكومات تفاهمات سرّية، تمنعهم من الخوض في ذلك المطلب الإستحقاقي.

حدّثنا الاعلام عن دول الغرب، وجهودها في محاربة الإرهاب، خصوصا بعد الحلف الذي أنشؤوه في مواجهة داعش، وسكت الاعلام عن معلومة، أنّ من صنع داعش وأخواتها، هي دول الغرب نفسه، ومخابراتها التي تفننت في حشد الارهابيين من مختلف الجنسيات، لتحقق من خلال اطلاقهم على الحرث والنسل العربي والاسلامي، جملة من أهدافها المرجوّة، في تحطيم بناها التّحتيّة، والابقاء عليها في وضع أشدّ تخلّفا مما كانت عليه، وبحاجة دائما الى الغرب.

سياسة الكيل بمكيالين، والظهور بوجهين، أصبحت الاقرب التي عنونت مواقف دول الغرب، وسياساتها المتبعة خارجيا بالنسبة اليه، وحتى داخليا لا تخلو مواقفه منها، خصوصا اذا اطّلعنا على الفوارق الطبقية، التي تفصل الطبقة الفقيرة الكادحة الأكبر في فرنسا مثلا، عن الطبقة الثرية والفاحشة في الثراء، والتي دفعت بعشرات آلاف الفرنسيين، الى النزول الى شوارع العاصمة باريس ومدن أخرى، للتعبير عن رفضهم لسياسات ماكرون المنحازة الى جانب الاثرياء، مطالبتهم بالعدالة الاجتماعية.

الصهينة في السياسة الغربية معروفة، باستمرار وقوف بلدانها، الى جانب الكيان الغاصب للقدس، وبذل الجهود، من أجل فرضه كدولة شرعية على ارض فلسطين المغصوبة، وعلى بلدان المنطقة، وتشترك بدرجة أقلّ مع أمريكا في الدفاع عنه، وهي مدركة تمام الادراك، بأنه كيان غير شرعي وغاصب، تأسيسا، وتاريخا، ومحصّل اعتداءات متكررة، مرتكبة بحق الشعب الفلسطيني ودول الجوار.

لقد كان من باب أولى وأحقّ،  أن تقف تلك الدول الى جانب الحق الفلسطيني، إن كانوا يعتبرون للإنسانية قيمة، بل إنهم ذهبوا الى أبعد من ذلك، باعتبار كل من يتصدى لمؤامرات الغرب في بلاده ارهاب، يجب ان تعاقب مصادره وعناوينه، فصنفت لديهم حركات المقاومة (الجهاد/ حماس /حزب الله/ أنصار الله) جماعات ارهابية، ثم جاؤوا بعد ذلك زيادة على إفكهم الذي صنّفوه، بأن وضعوا الحرس الثوري الاسلامي في قائمتهم السوداء، وهم على يقين بفعلهم ذلك أنه محض افتراء وقلب للحقائق، غاية ما يرجونه من ذلك، التضليل والتشويش على الدولة التي قالت كلمتها بشأن الصهيونية والاستكبار العالمي، وهي إيران الاسلامية، ومحاولة اظهارها على غير صورتها الحقيقية في مكافحة الارهاب، وهي المتضررة الأولى منه منذ انتصار ثورتها (11/2/1979) الى اليوم، وبالتالي الحكم على محور مقاومتها الذي اعلنه الامام الخميني بالإرهاب، بينما هو في واقعه الميداني، محاربة للصهيونية والاستكبار وتحرر منهما ومن كل ما يمتّ اليهما بصلة تبعية أو عمالة.

وبينما تتظاهر الدول الاوروبية الممضية للاتفاق النووي مع ايران بالالتزام بقرار البقاء فيه بعد خروج أمريكا منه تعدّيا على القوانين والمواثيق الدولية، تبدر بين الفينة والأخرى أعراض غير حميدة من تلك الدول كتلكّئها في تطبيق اجراءاته بدعوى العراقيل الفنية وغيرها من الذرائع، جاء قرار الإتحاد الأوروبي مفاجئا – باعتبار ان دوله عارضت العقوبات التي سلطتها أمريكا على ايران بعد خروجها من الاتفاق النووي –  باضافة شخصيات ايرانية وادارة الامن الداخلي الى قائمة الارهاب التي صنفها الغرب.

وكان من باب أولى بتلك الدول أن تقلع عن سياساتها الخارجية ذات الوجهين، فتعترف للفلسطينيين  بحقوقهم المهدورة بسبب سياسات الغرب، وتعيد حساباتها فيمن لا تزال تأويهم من ارهابيين حقيقيين كمنافقي خلق والاحوازية مكانهم الحقيقي السجون والعقاب البدني الذي يستحقونه بما اقترفته اياديهم المجرمة.

المبرّر الذي تعذّر به الاتحاد الاوروبي – حسب زعمه- تورط الجهاز الايراني المذكور، وشخصيات مستهدفة فيه، في التخطيط لهجمات وقع إحباطها، وهو ما لم يعلن عنه البيان الصادر ولا أثبته  بتفاصيل وقائعه المفترضة، مما يعطي انطباعا بأن هذا الاتحاد، وعمدته الثنائي فرنسا والمانيا – بعدما خرجت منه بريطانيا-  يستهدف أوّلا: زعزعة الثقة التي بنتها ايران مع دول الجوار، يخلق ثانيا: مناخا من الريبة بشان سياساتها الخارجية في العالم، يعاكس تماما مساعي ايران الاسلامية الجادة والحقيقية، في مجال محاربة الارهاب، والنتائج الحاصلة على الميدانين العراقي والسوري، يظهرانها في مواقع عمليّ وفاعل ومؤثر، في مجال مكافحة الارهاب، ولولا دورها الهام – الذي قامت به ولا تزال – هناك، لكانت داعش اليوم مسيطرة على ثلاث دول على الاقل.

لن يعوز الفرنسيين وغيرهم من دول الغرب فبركة أحداث مزيفة – وهم أهل التزييف والفبركة- إحضار عناصر من جماعة خلق الارهابية، وغيرها من أعداء ايران، فيقدمونهم في مسرحية سمجة، كعناصر تخريب قادمة من ايران، مكلفة من قبل جهاز الامن الداخلي، للقيام بأعمال إرهابية وهميّة.

الغرب ظهر في واقعنا المعاصر، فاقد للمصداقية، وغير جدير بالثقة لا في تصريحاته، ولا في مواقفه التي يطغى على أغلبها الادّعاء الكاذب، وهو في سياسته بخصوص بقاء بلدانه في الاتفاق النووي، يريد أن يعطّل إيران، في التزامها بإيقاف بعض نشاطاتها النووية، بتسويفها بشأن تنفيذ بنود الاتفاق من جهته، واعتقد أن ايران سوف تجيبهم بما تفهمه تلك الدول.

 

 

تعليقات الفيسبوك