نظام عالم الأقطاب الكبرى المتعددة المقبل والقوى الإقليمية في المنطقة…بقلم: تحسين الحلبي

سيظل التنافس على امتلاك القدرة العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية بين معظم دول العالم من أهم مواضيع جدول عمل حكوماتها وقادتها، لأن موازين القوة في مختلف مناطق العالم هي التي تحدد مدى ودرجة قدرة كل دولة على حماية مصالحها وسيادتها أو فرض سيطرتها على مقدرات الشعوب.
فالولايات المتحدة اعتقدت بعد قصف اليابان بقنبلتين ذريتين أثناء الحرب العالمية الثانية في عام 1945 أنها ستفرض ردعاً لا حدود له في مواجهة كل من يقف في وجه سياستها ورغبتها بالسيطرة والهيمنة الأحادية على العالم، لكن لم تمض أربع سنوات حتى نجح الاتحاد السوفييتي بتنفيذ أول تجربة نووية لصناعة القنابل النووية في عام 1949 وبدأت بريطانيا تعمل على تحقيق الغاية نفسها ونجحت هي الأخرى في عام 1952 وتلتها فرنسا عام 1960 والصين الشعبية بعد ذلك وبموجب هذه الموازين تشكل نظام عالمياً جديداً لما بعد الحرب العالمية الثانية أطلق عليه عالم الحرب الباردة استند إلى مصالح قوة قطبين عالميين متناقضين، هما القطب الأمريكي والقطب السوفييتي، إلى أن انهار هذا النظام بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وأصبحت الولايات المتحدة هي القطب الأوحد منذ عام 1991 حتى بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة الذي شهدت فيه منطقة العالم العربي أكبر تحد حقق خلاله انتصار سورية وحلفائها على الحرب الأمريكية الصهيونية زعزعة وتفكيكاً في قواعد النظام الأمريكي الأحادي وتزايدت قوة هذا التحالف وقدراته على حماية مصالح وسيادة شعوبه.
وهذا ما تبينه مجلة «فورين أفيرز» الفصلية الأمريكية للأبحاث الاستراتيجية في عدد تشرين الثاني الجاري في دراسة لاثنين من رجال الأبحاث جيمس ليندسي وايفو دالدير حين تتوقع الدراسة انهيار النظام العالمي الأمريكي الأحادي بعد أن بدأت روسيا الاتحادية والصين بالعمل على فرض قواعد نظام عالمي جديد هي وحلفاؤها في المنطقة يحل محل الأمريكي ولا يخدم مصالح الولايات المتحدة في مناطق إقليمية عديدة وفي العالم، فواشنطن لم تستطع في السنوات القليلة الماضية فرض إرادتها وهيمنتها على سورية وإيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية ولا على العراق والجزائر وازدادت قدرات هذه الدول على مستوى الاستقلال السياسي وعلى تحدي أي إملاءات أمريكية يرفضها قادتها وشعوبها وتزايدت الانقسامات بالمقابل بين حلفاء واشنطن في المنطقة كما تمكنت كوريا الديمقراطية من مواجهة إدارة ترامب، وبدأت تحقق انفتاحاً مشتركاً مع كوريا الجنوبية لحل النزاع من دون تدخل أمريكي.
وتعترف الدراسة الأمريكية بأن ترامب بدا عاجزاً أيضاً عن حماية حلفائه وحل النزاعات التي تدب بينهم سواء في مجلس التعاون الخليجي أو في أوروبا التي تنشغل منذ فترة في الانتهاء من موضوع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى خلاف فرنسا وألمانيا مع ترامب في موضوع العلاقات مع روسيا واتفاقهما على بناء جيش أوروبي موحد يستندون إليه في حماية مصالحهم بدلاً من الاعتماد على حلف الأطلسي الذي تقوده واشنطن.
ومع هذا التطور الأوروبي قد يتطلع الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل قطب عالمي إلى جانب كل من القطب الأمريكي والقطب الروسي والصيني، وهذا من شأنه خلق تعدد في مراكز القرار الدولي لا ينحصر في واشنطن وحدها ويحول دون مصادرة قرار عدد من الدول الصديقة أو الحليفة لها في أوروبا كما يرى ستيف ماغواير المختص بالشؤون الاستراتيجية العالمية في تحليله في مجلة (ريـال كلير ديفينس)– الدفاع الواضح الحقيقي- أن بريطانيا ستنطلق من مفترق طرق بعد خروجها الرسمي في آذار عم 2019 لتحديد استراتيجيتها العالمية كدولة كبرى خارج الاتحاد الأوروبي وخارج استراتيجيته الشاملة، وهذا سيفرض عليها تحديد استراتيجية جديدة لا يمكن إلا أن تكون على حساب أوروبا والتنافس معها في الساحة العالمية.
ويتوقع ماغواير أن تخالف بريطانيا السياسة الأوروبية المنفتحة على روسيا وتميل إلى التوافق مع السياسة الأمريكية ضد روسيا والبحث عن أسواق اقتصادية تمتد من أستراليا وكندا إلى عدد من دول الكومونويلث ودول النفط العربية من دون أن تتنافس مع الولايات المتحدة بل بالتقارب معها وبالعمل تحت مظلتها وسينعكس هذا الوضع العالمي متعدد الأقطاب دون أدنى شك على ساحة العمل في الأمم المتحدة ونظامها الذي سيتأثر من تعددية الأقطاب وتراجع الهيمنة الأمريكية في الساحة الدولية.
ويتوقع عدد من المحللين أن تتيح قواعد النظام العالمي متعدد الأقطاب لقوى إقليمية مثل إيران وسورية وكوريا الديمقراطية وباكستان ومصر دوراً أكبر في حماية مصالح شعوبها في إطار تحالفاتها الدولية.

 

تعليقات الفيسبوك