هل ما نشهده هو بداية نهاية هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟

الدكتور بهيج سكاكيني |

الذي يبدو أن إنسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية مع إيران وفرض عقوبات على الدول والشركات التي تتعامل مع إيران بشأن شراء البترول والغاز الايراني قد لا يؤتي بالثمار السياسية والاقتصادية التي كانت تبتغيها الادارة الامريكية. وهذا يبدو جليا من ردود فعل الدول التي تستورد البترول والغاز الايراني وعلى رأسها دول حليفة للولايات المتحدة مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الاوروبي على وجه التحديد. هذا الى جانب الصين وباكستان والهند. فالتصرف الاحادي الجانب من إدارة ترامب تجاه الاتفاقية وغياب الاستعداد للحديث مع الحلفاء والاصرار على المواقف التي إتخذتها الادارة الغير مبررة ودون مراعاة مصلحة الحلفاء أثار غضب الحلفاء. وهذا بحد ذاته فتح آفاق وقنوات للتعاون بين الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين وإيران وإمكانية انضمام آخرين لمجابهة هذه العقوبات على إيران وكيفية التخفيف من آثارها على الاقتصاد الايراني الى جانب ضمان إستمرار الالتزام الايراني بالاتفاقية التي وقعت مع الدول الستة الكبرى حول برنامجها النووي.

الاتحاد الاوروبي وبحسب المباحثات الثنائية الاخيرة بين إيران والمانيا الدولة الفاعلة في الاتحاد تم الاتفاق على إيجاد آالية وقنوات مالية خاصة مستقلة التي ستتيح لايران ان تبيع نفطها وتحصيل ثمنه من خلال ما يشبه نظام مقايضة البترول والغاز الايراني ببضائع تستورد من دول الاتحاد الاوروبي وعلى ان يتم ذلك خارج إطار الدولار حيث سيتم الدفع باليورو او الباوند الانكليزي. وهذه الالية والاتفاقية ستشمل دول الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين وإيران. والغضب الاوروبي من الادارة الامريكية بشأن العقوبات كانت ان عبرت عنه المسؤولة عن السياسة الخارجية لدول الاتحاد الاوروبي السيدة موغريني بقولها ” لا يوجد دولة أو منظمة سيادية ترتضى أن يقرر احدا غيرها بمن مسموح لها بالتجارة معه”.  

وكما هو متوقع جاء الرد الامريكي على هذا التصريح والالية المالية الجديدة على لسان وزير الخارجية الامريكي والمدير السابق للمخابرات المركزية الامريكية مايك بومبيو بانه يشعر ” باضطراب وبخيبة امل عميقة” بخطة الاتحاد الاوروبي مضيفا ” ان هذه واحدة من اكثر التدابير التي يمكن تصورها التي تؤدي الى نتائج عكسية وسلبية للسلم والامن الاقليمي والدولي”. والدولة التي تدعي الولايات المتحدة على انها تشكل تهديدا للسلم والامن الاقليمي والدولي هي من دولة لم تعتدي يوما على الولايات المتحدة او تقوم بعمليات إرهابية على اراضيها كما وانها لم تغزو دولة اخرى أو تهدد بإحتلالها أو تغيير النظام بها كما فعلت وما زالت تفعل الولايات المتحدة التي لا تريد لدولة ذات سيادة بالنهوض والتقدم في اية بقعة في العالم لانها تجد في ذلك تهديدا لبناء الامبراطورية الامريكية والهيمنة على الكون الى جانب تهديد مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي الذي يشمل الكون بحاله.

وردت الفعل الاوروبية هذه لما أقدمت عليه واشنطن من حرب مالية على إيران والتي تضمنت تهديدات لفرض عقوبات على البنوك المركزية الاوروبية وعلى نظام سويفت للتعاملات التجارية والدفع فيما إذا أبقت على علاقاتتها مع إيران, تعتبر أستثنائية بحد ذاتها وليس لها أسبقية  في العلاقات الامريكية والاوروبية منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية. الى جانب ذلك فإن الاستفراد والعنجهية الامريكية التي تتبهعا هذه الادارة ضاربة بعرض الحائط المصالح الاقتصادية والتجارية لحلفائها قد اجبرت بعض الدوائر السياسة ومراكز صنع القرار في اوروبا لاعادة التفكير والتقييم لعلاقة الاتحاد الاوروبي بالولايات المتحدة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن المتحدثة الرسمية بإسم وزارة الخارجية الفرنسية صرحت تعليقا على الخطوات المتخذة من قبل الاتحاد الاوروبي قائلة انها , ” “ستخلق أداة سيادية إقتصادية للاتحاد الاوروبي أابعد من هذه القضية. وبالتالي هي خطة طويلة الامد التي ستقوم بحماية الشركات الاوروبية في المستقبل من اية تأثير للعقوبات الغير شرعية القائمة خارج الدولة”, اي العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على الدول والشركات خارج اراضيها. ومؤخرا صرح وزير الخارجية الالماني الى إحدى الصحف الالمانية ان, ” اوروبا يجب ان لا تسمح للولايات المتحدة للتصرف من فوق رؤوسنا وعلى حسابنا. ولهذا السبب فإنه من الضروري ان نعمل على تعزيز الاستقلالية الاوروبية بإنشاء قنوات للدفع مستقلة عن الولايات المتحدة  وذلك بإنشاء صندوق نقد اوروبي وبناء نظام سويفت مستقل”. 

وبغض النظر عن النتائج النهائية وما قد تؤول اليه الاحوال فإنه من الواضح ان الافعال العدوانية لادارة ترامب ضد التجارة مع إيران قد فرض على دول رئيسية التعاون وربما تدريجيا التخلص من هيمنة الدولار الكونية على التعاملات التجارية بين الدول التي اتاحت للولايات المتحدة الغارقة في الديون والعجز في ميزانيتها بطباعة بلايين الدولارات لتمويل طغيان وهيمنة عالمية على حساب الاخرين.

ويبقى هنالك سؤالين يترك الاجابة عليهما الى الفترة القادمة وهما: اولا الى اي مدى يمكن للاتحاد الاوروبي ان يمضي في تحدي الولايات المتحدة بشأن التجارة مع إيران؟ والثاني: هل حزمة العقوبات التي ستفرضها الولايات المتحدة كأداة لحربها على إيران ستشكل بداية نهاية سيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي الذي دام منذ عام  1945 ؟

 

تعليقات الفيسبوك