هل يستطيع الاتحاد الأوروبي إنشاء جيش أوروبي موحد ؟…بقلم: تحسين الحلبي

يبدو أن أنجيلا ميركل رئيسة حكومة ألمانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريدان حقاً تأسيس جيش أوروبي موحد، وهذا ما أعلنه كل منهما في برلمان الاتحاد الأوروبي وصفق الأعضاء لدعوتهما، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا سيحل بحلف الأطلسي الذي تأسس عام 1949 وتشارك فيه معظم دول أوروبا تحت قيادة الولايات المتحدة؟.
يرى بيل ويرتس في تحليل نشره في 28 تشرين الثاني الماضي ونشرته مجلة (ذي أمريكان كونسيرفاتيف) الإلكترونية تحت عنوان «جيش الاتحاد الأوروبي من نظرية المؤامرة إلى الواقع» أن باريس وبرلين يمكن أن يشكلا مع بقية الدول الأوروبية، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، جيشاً كهذا قال عنه ماكرون «للدفاع عن أوروبا من الولايات المتحدة والصين وروسيا» وهذا يعني أن حلف الأطلسي لم يعد صالحاً لحماية أوروبا لأن الولايات المتحدة قائده وأن هذه الدول الكبرى الثلاث ستتحول إلى قوى كبرى في عالم متعدد الأقطاب، ولا بد لأوروبا من أن تتحول إلى قطب أكبر رابع تحت علم الاتحاد الأوروبي، لكن السفير البريطاني السابق في الولايات المتحدة يسخر من مقال ويرتس ويقول إن «الخنازير ستصبح قابلة للطيران قبل أن ينشأ جيش أوروبي موحد».
وكان الاتحاد قد أسس قبل فترة قصيرة قاعدة نظام ببنية تحتية تربط دوله بسياسة دفاع وأمن مشتركين للتنسيق ورفع قدرة التعاون العسكري إلى درجات أكثر ترابطاً ووقعت 28 دولة على هذا الاتفاق من دون بريطانيا التي ستخرج من الاتحاد وبامتناع مالطا والدانمارك.
وفي المقابل بدأت بعض مراكز الأبحاث البريطانية بوضع رؤى وتصورات عن الاستراتيجية البريطانية بعد بريكست (أي بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي مع بداية عام 2019) ودعت بعض التوصيات التي عرضتها هذه الأبحاث الحكومة البريطانية إلى العودة إلى الشرق الأوسط والخليج الذي شكل في القرن الماضي أغنى مستعمرات بريطانيا في المنطقة وهذا من شأنه توليد تنافس على المصالح والنفوذ بين أربع قوى كبرى إن لم يكن بين خمس مع بريطانيا وحدها ما لم تشكل مع الولايات المتحدة قطباً كبيراً واحداً بمقعدين دائمين في مجلس الأمن في مواجهة المقعدين الدائمين لكل من روسيا والصين ويبقى الاتحاد الأوروبي بمقعد واحد تمثله فرنسا.
ويبدو أن العالم مقبل على عملية تأسيس نظام عالمي جديد ينهي النظام العالمي الأمريكي الأحادي الذي تآكلت قواعده الأمريكية وارتفعت أمامها قواعد روسية وصينية تلتها قواعد الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا وفكرة الجيش الأوروبي الموحد.
لكن هذا التنافس بين هذه القوى ستتواجه فيه قوتان هما الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة للمحافظة على ما تحقق لهما من مصالح في القرن الماضي وإعادة تثبيتها في حين أن بقية القوى الثلاث روسيا والصين والاتحاد الأوروبي الجهة الأخرى ستصطدم بسياسة أمريكية وبريطانية تعارض بشكل طبيعي أي طموحات تنافسهما على النفوذ والمصالح خصوصاً في المناطق الغنية بالثروات الطبيعية من نفط وغاز.
وربما لا يعيد تاريخ الحروب من أجل اقتسام المصالح في العالم نفسه مرة ثالثة بعد حربين عالميتين لأن حرباً عالمية ثالثة إذا وقعت فسوف تكون بين دول نووية هذه المرة وهذا ما يمكن أن يجبر الجميع على بناء شكل جديد لنظام عالمي يشبه الحرب الباردة بين أقطاب متعددة وليس قطبين كما كان يجري في عهد الاتحاد السوفييتي, لكن شارون بيرك -المستشارة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية سابقاً وفي قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية 2002 حتى 2005 ترى في دراسة نشرتها مجلة (نيشينال انترست) الأمريكية في 13 تشرين الأول الماضي أن «الإدارة الأمريكية بحاجة إلى وضع استراتيجية أفضل للتنافس في وجه الصين، وإلا فإن الحرب تصبح محتمة ضدها» ولا شك في أن حرباً كهذه لن تقتصر على دولتين كبريين بل لا بد من أن تستقطب بشكل من الأشكال القوى الكبرى الأخرى البريطانية والروسية وقوة الاتحاد الأوروبي ولذلك تتوقع بيرك أن يستقر التنافس بين طرف أو أطراف تقبل بخسارة جزء من مصالحها لكي تتجنب حرباً نووية عالمية ويعود العالم إلى حالة ما بين الحرب الباردة وحافة الهاوية. ومع ذلك ستكون النتيجة في أغلب الاحتمالات على حساب الولايات المتحدة وليس على حساب القوى الصاعدة مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي الأول من نوعه في تاريخ أوروبا.

 

تعليقات الفيسبوك