يوم14جانفي: من 2011الى 2019 #أقيموا_الوزن_بالقسط

بقلم: صلاح المصري |

ثماني سنوات مرت على لحظة تاريخية عاصفة إختلط فيها الحلم و الأمل و المستوى العالي من التفاؤل بمشاعر اليأس و الخوف و الاحباط و الندم. و بقيت أسئلة كثيرة دون إجابة واضحة وشافية. 

مازال بعضنا مصرا على الاحتفال بعيد الثورة و ذهب بعضنا بعيدا في تثبيت يقين بأنه لم يكن يوم 14 جانفي إلا انقلابا بصيغة جديدة فاجأت الجميع فتمت الخدعة الكبرى، و التحق البعض الآخر بالحدث فصار مشاركا و مؤتمنا على الثورة بينما هو كان عدوا لها إلى يوم 14 جانفي. 

الصورة في غاية التشويش و الاضطراب، و التناقض يزداد عمقا و اتساعا.

1- بين المحلي و الدولي: لا مفر من تشبيك الرؤية.

يحاول بعضنا أن يقصر النظر في حدود 163610 كلم2 التونسية، و لا يمد البصر الى ماوراء ذلك من قوى إمبريالية و استعمارية تقليدية و جديدة، و ما يدور بينها من صراع،و يرفض بعضنا تحريك ذاكرته الإقليمية حيث كانت الإدارة الأمريكية صريحة في الحديث الرسمي عن تعميم الفوضى الخلاقة بعد احتلال العراق في أفريل 2003،و التخطيط لإعادة هيكلة شاملة لامتنا ضمن مشاريع الشرق الأوسط الجديد أو الشرق الأوسط الكبير الممتد من المغرب الأقصى الى الباكستان مرورا بافغانستان و ايران و تركيا و الوطن العربي كله .

و يحاول بعضنا التنكر الى كل الظروف المحلية في وطن حكمه الاستبداد طيلة عقود و توسعت فيه ظاهرة الفساد في العقد الأخير من الحكم (من 2000 إلى 2010)،فصار الحديث عن جرائم عائلة المخلوع ينتشر بين جميع أفراد الشعب،و لعل الرسالة المفتوحة التي وجهها المناضل القاضي مختار اليحياوي في 2001،كانت علامة فارقة في تصعيد متدرج لنضالات شعبية ضد المخلوع،

2- الحقائق

+ أولا:ا ن انتفاضة سيدي بوزيد عفوية،كنت واحدا من الذين حضروا امام ولاية بوزيد عشية جمعة 17 ديسمبر، كانت هناك مفاجأة كبرى و مازال الحوار الذي دار بين عدد من النشطاء ثابتا في الذاكرة، يسكن الجميع هاجس تمدد الحركة الاحتجاجية ضد السلطة،جميع الظروف الاجتماعية المحلية في غاية الاستعداد لاحتضان الإنتفاضة، دروس انتفاضة الحوض المنجمي حاضرة في أذهان الغالبية من أبناء الانتفاضة. 

+ثانيا: ان خصائص كثيرة تتميز بها ولاية سيدي بوزيد كانت تسمح للانتفاضة بحركة تمدد نحو الرقاب و المكناسي و منزل بوزيان و بن عون و جلمة،خلافا لغالبية الولايات الأخرى،ان ولاية سيدي بوزيد الوحيدة تقريبا التي لا تعاني من مشكلة مركز الولاية و أطرافها، فهي ولاية تعاني كلها من التهميش و الحرمان،مركزها و اطرافها متساوون في ذلك.فلم يمر أسبوع حتى وجدنا الانتفاضة تنتقل إلى بوزيان و يرتفع شهيد و جريح مما وضع الجميع امام استحقاق جديد.

++ثالثا: ان التطور الطبيعي للانتفاضة لا يلغي الفاعل الآخر المؤثر و الذي اعتبر نفسه الحاضنة الرئيسية و المساند الرسمي للانتفاضة وهي قناة الجزيرة و معها بعض القنوات الاخرى العالمية و دور شبكة التواصل الاجتماعى ( الفايسبوك)،و يمكن اعتبار الوسائل الإعلامية الجديدة ذات أثر كبير في عملية الحرب النفسية ضد النظام و عملية توسيع دائرة الانتفاضة الشعبية،و صناعة الثقة و الجرأة. 

++رابعا: الى حد اليوم لم تكشف حقيقة التطورات الداخلية في مؤسسات النظام،هل عمليات القتل التي استهدفت متظاهرين سلميين كانت قرارا مركزيا أم قرارا مخترقا و تم توظيفه؟ ما حقيقة القناصة الذين ساهموا في تأجيج التظاهرات بشكل نهائي،و كلنا يعرف أن عمليات القتل العشوائي التي تمت في الرقاب يومي 8 و 9 جانفي و تم نقل المصابين الى صفاقس لعلاج الجروح البليغة مما أدى إلى إضراب عام يوم الاربعاء 12 جانفي ثم اضراب عام يوم 13 جانفي في سيدي بوزيد،

++خامسا: في صباح يوم الجمعة 14 جانفي،لم يبق من المدن تحت سلطة النظام الأمني شيء يذكر،فجميع الولايات انسحب منها الأمن و استلم الجيش حماية مؤسسات الدولة التي بقيت دون نهب او تخريب،و لم ينفع كثيرا خطاب المخلوع ليلة الجمعة،بل ان وضع الاضطراب و الضعف الذي ظهر جليا في لحظة ارتعشت فيها يد طاغية استبد بالناس لنصف قرن تقريباً،كل ذلك زاد الشعب حسما و قوة في ضرورة الرحيل ( dégage )،و مازال التونسيون يبحثون عن حقيقة ترحيل المخلوع و حدود التنسيق مع القوى الدولية و حدود الشراكة بين المحلي و الدولي،

+سادسا: ان ما عاشه شعبنا طيلة السنوات الثمانية الماضية تسمح له بموقف لامبال من ذكرى 14 جانفي،

فالبعض يراها سببا لبلاء شمله و ضرر كبير لحق به. 

و البعض يرى رموزا كثيرة من نظام المخلوع عادت تحكم و تتوسع. 

والبعض يراها صناعة أمريكية ضمن الفوضى الخلاقة و كانت تهدف إلى إعادة رسم خارطة المنطقة العربية والإسلامية كلها.

و البعض يرى فيها انهيارا كبيرا في الاقتصاد و غلاء غير مسبوق في الأسعار ..

و البعض مازال يعمل من أجل ثورة جديدة ،،

+++هل من خاتمة ؟

لعل الغالبية الساحقة التي شاركت في انتفاضة سيدي بوزيد توجد هذه الأيام في المعارضة الوطنية،مما يؤكد وجوب التفكير في استئناف الفعل الثوري على قاعدة مراجعة عميقة لمسار السنوات الثمانية ضمن محاولة لابداع جديد يشق الطريق بأليات مختلفة تكسر منظومة الهيمنة الامريكية الجديدة،و يسهل اليوم على الثوار ان يجترحوا الجديد. 

انه لا تضيق الأرض و لكن تضيق القلوب،و تنكمش العقول.

تعليقات الفيسبوك