بقلم: محمد بن عمر |

بينما بقيت شعوب تحت توهّم ديمقراطيات زائفة، وأخرى تعيش تحت أنظمة دكتاتورية، لا تزول إلا بموت أصحابها، أو سقوطها بانقلابات عسكرية، أو تغييرات يتحكم فيها الاستكبار العالمي، ليزيد من معاناتها بشكل آخر، لعله اليوم متجل في الفوضى الخلاقة، لفرص نمو الرأس مال الإستكباري، والهدامة لطموحات الشعوب المستهدفة، والواقعة ضحية تلك المشاريع الخطيرة)، نجد الشعب الايراني يجدّد العهد بمسؤولية وادراك، مع انتخاباته اللافتة لأنظار المراقبين، بسعة مشاركتها وشفافية مراحلها، بدا من قبول طلبات الترشح، وتسجيل الناخبين، إلى يوم الإقتراع والفرز وإعلان النتائج، في تناغم فريد يدعو كل منصف الى اعتباره مثالا يحتذى، معبرا عن اصالة شعب ومسؤولية قيادة.  

بدأت فعايات الإنتخابات الرئاسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحضيرا للدورة الثانية عشرة، من موعدها المحدد، ليوم 19 ماي من هذه السنة، وقد فتح يوم الثلاثاء باب قبول الترشحات، وقد بلغ عدد المتقدمين بمطالبهم في اليوم الأول 132 مترشحا، واليوم الثاني 161 مترشحا، مما يؤكد ان الحرية والوعي التي بلغها الشعب الايراني، لم يبلغها شعب أخر، وان كان من بين الدول الغربية، المدعية للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وتستمر مدة قبول الترشحات خمسة أيام، لتحال المطالب بعد فسحة التسجيل، الى مجلس صيانة الدستور لدراستها، وتقييم استيفائها لشروط الترشح، ومن ثم تسليم مقرراته، بشان الترشيحات الى وزارة الداخلية، لإعلان أسماء المقبولين، هذا على المستوى الاجرائي القانوني.

جدير بالذكر، أن الدورة الرئاسية في ايران تمتد 4 سنوات، ولا يحق للفائز أن يترشح أكثر من دورتين متتاليتين، فسحا للمجال أمام الكفاءات التي تزخر بها البلاد، وإتاحة فرص المشاركة في الحكم، لمن هو أجدى وأكثر جماهيرية.

ومرة أخرى، يجد الشعب الايراني نفسه بجميع مكوناته في تحد جديد، عليه أن يثبت فيه مدى وعيه ووطنيته، وولائه لنظام جمهوريته الاسلامية، ومشاركته في التصويت بكثافة، مؤشر متصاعد في سلمه، يظهر فيه كل مرة، أنه شعب تأصل فيه الشعور بالمسؤولية، ومواجهة التحديات التي تعترض مسيرته، وهو الذي اختار طوعا منذ انتصار ثورته نظام حكم اسلامي، لم يسبقه اليه شعب من الشعوب الاسلامية، في استفتاء فاقت نسبته 98 % سنة 1979، ومن يومها دخل في مسيرة اثبات صحة اختياره، تخللتها تضحيات جسام، وصمود أمام التحديات  والتهديدات، حتى بلغ النظام الاسلامي في ايران أشده، وحقق شعبه بجهود ابنائه البررة، تقدما يدعو شعوب العالم الاسلامي والمستضعف للنظر في مسيرته، والتعرف عليه عن كثب، ففيه ما يلبي طموحات الانسانية المضطهدة، بمنظومة حكم عادلة، مراعية لخصائص الشعوب المتعددة الاعراق والديانات، والتي لا توجد في غير الاسلام، مهما تفنن اعداؤه في الاجحاف بحقه.  

وتاتي هذه الدورة 2017، لتؤكد من جديد مدى جاهزية الشعب الايراني، وانخراطه في منظومته السياسية متابعة وتأسيسا، ففي الدورة السابقة 2013، بلغت نسبة مشاركته فيها 72 %، وهي نسبة لم تبلغها أكبر النظم المعنونة ديمقراطيا في العالم، مدعاة لفخر شعب إيراني، لا يزال يسير بقناعة تامة، ويقين لا يزعزعه إرهاب اقليمي، ولا استكبار عالمي، ولا صهيونية مفسدة في الأرض، ولا عملاء باعوا ضمائرهم بالثمن البخس، لم يبقى في جعبتهم شيء يقوم به، لإسقاط التجربة الاسلامية ومنظومتها الناجحة، في التقدم بإيران بالسرعة القصوى، التي تتطلبها التحديات القائمة بينها وبين أعدائها.

وتمضي إيران بالتزامها الإسلامي الجاد،  في إعطاء المثال الحقيقي لنظام حكم، مختلف عما هو سائد في العالم اليوم، ومتميز بمصداقيته أداء، وتأصله فكرا اسلاميا محمديا، أعطى ثمارا طيبة، على سلم التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي المدني والعسكري، بفضل إيمانها العميق وعقيدة شعبها الراسخة في إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ومن مضى على نصرة دين الله سيكون الله إلى جانبه حفظا وعونا ونصرا.

وفي هذه الدورة الانتخابية الرئاسية، تقدم الجمهورية الاسلامية في إيران الى العالم درسا جديدا في الديمقراطية، لا أعتقد أنه سيكون أقل إثباتا من سابقه، يضاف الى سجل الإنجازات السياسية الهامة التي حققها الشعب الايراني، على مدى 38 سنة، في34 اقتراعا، بين الرئاسي والبرلماني والبلدي، وتداول خلالها على رئاسة الجمهورية الايرانية 7 رؤساء جمهورية، ثلاثة منهم انتخبوا في دورتين متتاليتين، فمن هذه المرة سيختار الشعب الاكثر وعيا على مستوى السياسي في العالم، رئيس جمهوريته  الحالي الرئيس روحاني، فيكون رابعا ضمن من اعطاهم الشعب الايراني ثقته مرتين، أم ان للإيرانيين مفاجآتهم، ورايهم الذي يميزهم دائما، ولا يخضع للتخمين؟

 
نشر في منبر حر