الأربعاء, 28 شباط/فبراير 2018 10:36

حكام أذلاء وفوق ذلك هم عملاء!!

نشر في منبر حر
الأحد, 14 أيار 2017 13:00

في الذكرى 69 للنكبة

دكتور عز الدين حسين أبو صفية |

مدخل تاريخي ::

في الخامس عشر من ماي 2017  يكون قد مر على النكبة الفلسطينية تسع وستون عاماً، مر خلالها الشعب الفلسطيني بعشرات النكبات والمجازر التي طالت الإنسان الفلسطيني وأرضه كما أن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني مر بالعديد من المؤامرات الدولية والإقليمية والمحلية التي تسببت في استمرار وتزايد معاناته.

 فبدءاً من الاحتلال البريطاني لفلسطين وتقاسم بلاد الشام جغرافياً مع الاحتلال الفرنسي وضعف الدولة العثمانية وبداية انهيارها وموافقتها على الهجرة اليهودية إلى فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر، والجهد غير العادي الذي بذلته المنظمة الصهيونية العالمية والدور الخبيث الذي استخدمته لإنهاء الإمبراطورية العثمانية وتقاسم تركتها، مستخدمة أسلوب إثارة النعرات القومية لدى الأتراك والعرب حيث نجحت في إثارة النعرة الطورانية لدى الاتراك وهي بمثابة القومية لشعوب القوقاز والأتراك، وبذلت المنظمة الصهيونية جهداً كبيراً في خلق تلك الطبقة القومية التي سعت إلى بناء تركيا الحديثة متخلية عن حروف لغة القرآن وبناء دولة تركيا بعيداً عن سيطرة الدين الإسلامي، وفي مقابل ذلك نجحت الصهيونية بالتعاون مع المحفل الماسوني اليهودي في فرنسا بإثارة النعرة القومية العربية لسلخ الدول العربية عن دولة الخلافة آنذاك (الدولة العثمانية) وبدء العرب يطالبون بدولة عربية مستقلة إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك حيث نجح الاستعمار الفرنسي والبريطاني بتقسيم الوطن العربي وتقاسمه بينهما ضمن اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وبقى الزعماء العرب آنذاك (الهاشميين) في بلاد الجزيرة العربية و(القوميين) في بلاد الشام وبعد أن ساعدوا بشكل أو بآخر بإنهاء الوجود العثماني في بلاد العرب لصالح دولتى الاستعمار (فرنسا وبريطانيا )، بقوا ينتظرون أن تحقق لهم هاتان الدولتان مطالبهم وأمانيهم بإقامة الدولة العربية الكبرى ولكن جهلهم بالخبث والتآمر الغربي عليهم أدى إلى تقسيم بلادهم بين تلك الدولتين ولم يدركوا ذلك إلا بعد أن نشرت جريدة (البرافدا) السوفيتية خبر اتفاقية سايكس بيكو وجاء إدراكهم بعد أن كان كل شيء قد انتهي وأصبح الوطن العربي مجزأً إلى دول ودويلات محتلة من قبل بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الاستعارية الغربية الأخرى.

 آلت فلسطين بعد سلخها عن سوريا الكبرى إلى بريطانيا التي سعت إلى استصدار قراراً أممياً بأن تكون هي المنتدبة على فلسطين وفق قانون الانتداب الذي استخدمته بريطانيا لتنفيذ أهداف الصهيونية العالمية المتمثلة بالسعي إلى إجهاض أي فكرة تعمل على توحيد الدول العربية بل تمزيقها من خلال سياسة التجهيل وخلق شخصيات وشرائح اجتماعية محلية موالية لها وتسهل لها تحقيق أهدافها في فلسطين والمتمثلة في الهجرة اليهودية إليها وشراء الأراضي والبدء في إنشاء نواة كيانية يهودية تتطور مع مرور الزمن وتصبح دولة والعمل على أن تكون هذا الدولة بمثابة خنجراً في خاصرة الوطن العربي وخشبة وثوب ضد العرب المناهضين لتلك التوجهات، ومن هنا أصدر وزير الخارجية البريطاني عام 1917 في الثاني من نوفمبر وعده للمنظمة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وأصبح يعرف ذلك في التاريخ الفلسطيني ( بوعد بلفور المشئوم).

منذ ذلك الوعد وحتي قبل عام النكبة 1948، مرت الحالة الفلسطينية بتطورات ومؤامرات كثيرة شارك فيها جميع من صنعتهم الصهيونية من شخصيات ادعت الوطنية آنذاك ومارست بيع الأراضي لليهود أو حصلت على مناصب سياسية وإدارية وتسهيلات غير محدودة (مادية وتمليك أراضي وغيرها)، وكذلك من دول منحها الاستعمار استقلالاً حتي تكون طوقاً يحمي الكيان المزمع إقامته على أنقاض الشعب الفلسطيني ووطنه وتراثه، فقد مرت المؤامرة ونجحت الصهيونية العالمية متآمراً معها بريطانيا وأمريكيا التي حملت ملف الصراع العربي الإسرائيلي أو بشكل أدق ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتخلت بريطانيا عنه وأعلنت انسحابها من فلسطين وإنهائها لانتدابها عليها لتبدأ بعدها رحلة معاناة الشعب الفلسطيني التي جسدتها نكبة عام 1948 عندما هُجر من وطنه ودمرت مدنه وقراه وارتُكبت بحقه عشرات المجازر، أدى ذلك إلى تبعثره في أكثر من بقعة من الأرض ومعظمه حمل صفة لاجئ، يحلمون بالعودة إلى ديارهم في فلسطين، حلمٌ لم يتحقق على مدى التسع وستون عاماً مر خلالها الكثير من الوعود والقرارات الأممية التي مثلت فقط وعوداً، الهدف من ورائها تخدير الشعب الفلسطيني ومناصريه من الدول العربية والإسلامية حتي يصبح المشروع الصهيوني بإقامة الكيان اليهودي في فلسطين أمراً واقعاً وقوياً يصعب التخلص منه عندما أطلقت يداه لفعل كل ما يمكنه من أن يصبح المحور الأساسي في إيجاد أيّ حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
 واليوم بعد أكثر من ستة عقود على نكبة الشعب الفلسطيني لم يبدُ في الأفق أيّ أمل في إنهاء هذه المأساة التي أصبحت سمة من سمات الظلم العالمي في ظل تراخي المجتمع الدولي بمؤسساته الأممية وعدم مصداقيتها وقدرتها على تنفيذ قراراتها بدءاً من قرار التقسيم رقم (181) عام  1947 مروراً بالقرار(194) والمتضمن حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها مضافاً لذلك كل القرارات التي تخص قضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي التي تجسدها الثوابت الفلسطينية المتمثلة في حق الفلسطينيين بإقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم ومدنهم وقراهم التي هجروا منها، إلا أن المجتمع الدولي كان منحازا للطرف الإسرائيلي في جميع مواقفه غير مكترث للحقوق الفلسطينية ومتجاهلاً لكل القرارات الأممية بل سعى دائماً لإفراغها من مضمونها بل عملوا مع الولايات المتحدة  الأمريكية باستخدامها حق النقض (الفيتو) لإجهاض العشرات من مشاريع القرارات الأممية والتي تدين إسرائيل وسلوكها الشائن بحق الفلسطينيين والمتمثل بتكالبها وتسارعها في بناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري وتهويد القدس العربية من خلال هدم منازل الفلسطينيين ومصادرة بعضها وبناء عشرات آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية على الأرض العربية ومصادرة آلاف الدونمات دون وجه حق حتي تعطل أيّ مشروع تسوية مستقبلية مستغلة بذلك اتفاقية السلام الموقعة مع الفلسطينيين (اتفاقية أوسلو) والنهج التفاوضي الذي لم يحقق أدنى أهدافه، لم يكن للفلسطينيين خيارات بديلة عن التفاوض بعد أن خاضوا حركة تحرر مسلحة لم تجد دعماً حقيقياً أو كافياً من الدول العربية أو الإسلامية بل وقف البعض منها موقفاً عدائياً أو على أقل تقدير موقفاً مهادناً ولم يصل الموقف العربي إلى مستوى تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية خاضعةٍ بذلك للتأثير والضغط الأمريكي والأوروبي الساعي دائماً لأن تبقى إسرائيل الدولة العظمى والأقوى في الاقليم، ومن هنا ازداد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حدةً خاصة في ظل خلق بؤر توتر ونزاعات وصراعات عرقية من خلال سياسة الفوضى الخلاقة وما يسمىٰ بالربيع العربي المصنوعة بيد أمريكا وحلفائها وتجميل هذه الفوضى وهذا الربيع بألقاب لم تنطلِ على من بقي ضميره صاحياً من زعماء العرب والمسلمين، حيث أصبحت تُسمىٰ بما يعرف بالربيع العربي، الذي جعل دول الوطن العربي كالطير الذبيح يترنح في دمائه المستنزفة وأموالها المبددة لشراء الأسلحة لضرب بعضهم البعض مما اضطر كثيراً من هذه الدول بنسج تحالفات عربية عربية أو عربية إيرانية أو عربية تركية أو عربية تركية إسرائيلية والهدف منها ذبح وتدمير بعضهم البعض.

 كل ذلك لم يضعف النظام العربي فقط بل جعله ولضعفه وضياع البوصلة لدي زعمائه، جعله لقمةً سائغةً لجميع التيارات الإسلامية المتطرفة أو لعملاءٍ صنيعة الغرب أو لكافة أجهزة مخابراته، فأخذت تنهش في جسده، وأصبح زعماء العرب يهرولون اتجاه الغرب لمساعدتهم في إخراجهم من مصيبتهم والتي هم صانعوها ولا زالوا، حتى يتحقق هدفهم الأساسي المتمثل في :- 
11- إقامة الشرق الأوسط الجديد الذي يخرج من تكوينه كثيراً من الدول العربية وتصبح إسرائيل عضواً أساسياً فيه لإكمال المخطط الساعي إلى الابقاء على تبعية الدول العربية إلى الغرب وإسرائيل التي ستصبح القوة الحامية لها من "المد الشيعي" للإبقاء على الصراع "الشيعي السني" إلى ما لا نهاية.

22-الاستمرار في السيطرة على البترول العربي واستنزافه والحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية والمتمثلة في الصراع الغربي مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران ولتحقيق ذلك يتم استغلال الصراعات الداخلية العربية لخلق تحالفات تحت مسميات (محاربة الارهاب المتمثل في القاعدة وداعش وحركات الإسلام السياسي الإرهابية وغيرها)، بحيث تبقى تلك التحالفات في هذا الإطار وما يستوجبه ذلك من تواجد غربي عسكري على الأراضي العربية وفي مياهها الاقليمية وكأن التاريخ الاستعماري الغربي يعيد نفسه بشكل جديد.
33 يسعى الغرب وأمريكا نحو تقسيم الدول العربية وخاصة تلك التى تشكل خطراً على أمن إسرائيل وهي الدولة السورية في المنظور القريب ومصر في المنظور البعيد .. كما تسعى إلى تغذية النعرات الطائفية والإثنية وتزويدها بالمال والسلاح حتى يسهل تقسيم الدول العربية.
 في ظل هذه الصورة القاتمة للوطن العربي هل يبقي للفلسطينيين أمل في تحرير فلسطين والقدس، أو على أقل تقدير إقامة دولتهم على ما تبقى للفلسطينيين من الأرض التاريخية لفلسطين ونسبتها لا تتجاوز 15% أم سيبقى الأمل الفلسطيني معلقاً بل ضائعاً بين النزاعات والصراعات الفلسطينية الفلسطينية والتي تتعمق يومياً بعد فشل جميع سياسي كل الفصائل الفلسطينية في إنهاء تلك الخلافات وتحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الذي هو بمثابة آخر النكبات الفلسطينية بل هو نكبة النكبات الفلسطينية، وهل للقادة والسياسيين الفلسطينيين أن يدركوا في الذكرى الذكرى 69 للنكبة، حقيقة بأن القضية الفلسطينية وفي ظل الوضع المتردي للنظام الرسمي والشعبي العربي باتت على أبواب الاندثار أو في أحسن الأحوال سيحتفل الشعب الفلسطيني يوماً ما بالذكرى الألف للنكبة، لا سمح االله٠


 

الواقع أنه في الخطابات السياسية، ثمة مسائل توضع لها مصطلحات غير واضحة، ويتم التحرك في فن الممكن، ضمن الفسحة الغامضة من المصطلح، ينتج على أثرها حجج تنتهي الى القبول بالواقع بشكل «سحري» وغير منطقي، حتى لأصعب القضايا وأكثرها تعقيداً. وهي الحال مع «عملية السلام» في النظام العالمي الجديد. ولعلّ قضية السلام بين «إسرائيل» وفلسطين من أبرز المصاديق على تشكيل المعنى الغامض بالتسمية وإهمال التعريف، إنه «فنّ أن لا تقول شيئاً» الدبلوماسي.

ليس ثمة تعريف ومنهج واضح لهذه القضية، ولا لمؤهلات أطراف النزاع الذين وجب دفع عملية السلام بينهم، بل ليس ثمة توضيح إلى أين سيتم دفع العملية. إلى ذلك، تثبت الوقائع أو السياقات الناتجة من عملية «الدفع» التي تحصل اليوم بين العرب وإسرائيل، أنه ليس ثمة رابطة بين الدال «السلام»، بمدلوله الحقيقي أي ما تشير إليه مفردة السلام. وعليه، لا ينبغي في تأويل هذه العبارة «خلط علاقتها بما تعبّرعنه» كما يقول ميشال فوكو.

الواقع أن غياب السياق عن المكان الذي سيتم الدفع إليه، سيؤدي إلى خلق سياقات تتقلّب فيها القضية إلى ما لا نهاية، بل إلى أن يتم تحقيق هدف واضعي المصطلح. ذلك أنّ إبقاء السياق غامضاً يؤدي إلى خيارات مفتوحة، يمسي معها المجتمع الدولي قادراً على تغيير اتجاهاته من دون الحاجة الى تغيير كلماته. إنها «استراتيجية عدم الوضوح» في الخطابات السياسية، إنه الدهاء السياسي الذي يبرع فيه الأميركيون.

وعليه، سأحاول في هذا المقال تحديد العلاقات التي تميز العبارة في خصوصيتها، والتي تفترضها المصطلحات والقضية ضمنياً وتجعلان من «دفع» السلام شرطاً سابقاً. وكيف يتم فرزها من قيم الأهداف النبيلة، لتحقيق أهداف الاستعمار والاستيطان.

» دفع عملية السلام  « 

يتضح من العبارة أن المطلوب هو «الدفع». علاقات الغياب في التحليل تشير إلى أن هناك عائقاً معيّناً ينبغي الدفع لتخطيه، وليس التوقف عنده؛ فالهدف هو التحرك باستمرار من دون توقف، للوصول إلى الغاية النبيلة وهي «عملية السلام». وبالتالي، لا توقُّف ولا حتى لمعرفة العوائق ودراستها.

ولدراية منظومة الأوليات التي أنتجت «عملية السلام»، سنبدأ منذ ولادة المصطلح في سياقه التاريخي الى الحاضر:

يقول الباحث الأميركي وليام كواندت في كتابه «عملية السلام»: «بدأ استخدام تعبير عملية السلام في وقت ما في منتصف السبعينيات لوصف الجهود التي قادتها الولايات المتحدة من أجل إحلال سلام متفاوض عليه بين إسرائيل وجيرانها. ومن حينها درج استخدام التعبير وأصبح مرادفاً للمقاربة التدريجية لحل أكثر صراعات العالم صعوبة. في الأعوام التي تلت عام 1967، انتقل تركيز واشنطن من طرح مُكوِّنات السلام إلى العملية التي يمكن أن توصلنا إليه... لقد قدَّمت الولاياتُ المتحدة الاتجاهَ والآلية«.

ليس ثمة نص صريح يكشف عن الاتجاه والآلية اللذين أشار كواندت إليهما. وإذا ما تتبعنا نجد أن «الاتجاه والآلية» متغيران نسبة إلى بنود الاتفاقيات التي يتم عقدها. ويتضح أنها تكشف عن الكثير من المكاسب للطرف الإسرائيلي. أبرزها الاعتراف به ككيان موازٍ يتمتع بالحقوق نفسها، كما في اتفاقية «كامب ديفيد» الموقعة عام 1979 بين مصر وإسرائيل، إنها تقتضي أن «يقر الطرفان ويحترم كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي  «  .

وقّعت مصر الاتفاقية وانحدر الطرف العربي باتجاه تنازلات جديدة على ظهر البند الذي يتعهد فيه الطرفان «بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة». إذ يتكفل مجلس الأمن بمراقبة «التعهد» ومحاسبة المعتدي، وعلى مرّ تاريخ مجلس الأمن، لم يُعرَف أنه تمّت محاسبة إسرائيل، وليس ثمة محاسبة إلا للطرف العربي.

 » وادي عربة»، هي الاتفاقية الموقّعة بين الأردن وإسرائيل، وفيها تنازل الأردن عن المياه الجوفية الصافية، بينما صدّرت إسرائيل للأردن مياهاً ملوثة من بحيرة طبريا.

تقول الدعاية الأردنية الرسمية «إننا أجّرنا المنطقة لإسرائيل»، إلا أنّ كلمة تأجير لم ترد في الاتفاقية. وليس ثمة عودة إلى الوراء، ويحقّ لإسرائيل مقاضاة الأردن في حال تحلله من الاتفاقية.

الواقع أن «الآلية» الجوهرية التي تحدّث عنها تعريف كواندت تكمن في العبارة نفسها، وهي «عملية الدفع». وتكمن عظمتها في قدرتها على الإقناع بالواقع. فمن خلال الدفع بدون توقف، يتم التنازل عن العوائق ولو كانت حقوقاً ومطالب مشروعة، وبغض النظر الى أين ستصل في النهاية. عملية الدفع قد تكون في مسار خاطئ، بل يمكن أن تحمل الكثير من الغبن. فالأردن لم يستعد بموجب الاتفاقية منطقة الباقورة أو المنطقة المحاذية لوادي عربة. ومجلس الأمن لم يحرّك ساكناً، ومع ذلك فإن التوقف عن «دفع العملية» مرفوض. بالأحرى لم يعد ممكناً إيقافها، لأنه بمجرّد الموافقة على تشغيلها أصبحت آلية بذاتها ككرة الثلج.

السلام العادل والسلام الدافئ

يمكن القول إن عملية «الدفع» هذه هي ولادة سياقات تتغير بما يخدم المصالح. فتُنتِج مصطلحات تتشكّل انطلاقاً من إعادة تنظيم عناصر تصل الى حد التناقض أحياناً؛ كـ«السلام العادل».

إن السلام «العادل» في تمثيله يشي بوجود سلام «ظالم». وهما على الرغم من تناقضهما ــ أي العدل والظلم ــ وتناقض السلام مع وقوع الظلم أصلاً، يمثلان بعداً واحداً، وهو القبول بالواقع. تصبح الخيارات محصورة بالسلام العادل والسلام الظالم. ويمسي الخطاب على الشكل الآتي: ليكن بمعلومكم أن هناك سلاماً ظالماً بوسعكم تغييره ورفضه، وسلاماً عادلاً إذا قبلتم به ستُكافأون عليه. وبهذا يتم دفع الأطراف المحلية إلى تقديم التنازلات الضرورية لـ«السلام»، من خلال سياسة الجزرة والعصا (أي المكافآت والعقوبات).

وعلى هذا المنوال، يتم ثتبيت الواقع في المصطلحات: كـ«السلام الدافئ» الذي أشار إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على هامش القمة الفرنسية لدفع عملية السلام بين فلسطين و«إسرائيل» والتي تمّ تأجيلها عام 2016. وللتصريح على هامش تأجيل القمة بسبب غياب الطرف الإسرائيلي دلالة أيضاً. فلطمأنة الجانبين وللمزيد من التفاؤل بأن «السلام البارد» أي التنافر الذي يشعر به الطرفان سيتحول مع الزمن الى «سلام دافئ». فيقترح السيسي على الإسرائيليين والفلسطينيين «النظر الى اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية من عام 1979 لرؤية نتائج السلام الإيجابية»، ذلك أن «مستوى العداوة بين مصر وإسرائيل الذي كان قائماً قبل تحقيق الاتفاقية لم يكن مختلفاً عن العداوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين اليوم. « 

الى ذلك، أسس قرار الأمم المتحدة 242 عام 1967 مصطلحات مثل «حق إسرائيل في الوجود» وهو في سياقه يغلق على معنى واحد وهو «حق إسرائيل في استعمار فلسطين»، ما يُشرْعِن احتلال فلسطين. ومصطلح «الأرض مقابل السلام» الذي يعني تخلي الفلسطينيين عن 78% من أراضيهم مقابل توقف حروب إسرائيل الاستيطانية ضدهم والتوقف عن المناكفة في 22% الباقية.

السلام الشامل

أثارت حرب 6 أكتوبر التي شنتها دولتا مصر وسوريا على إسرائيل بشكل مفاجئ عام 1973، جهوداً دبلوماسية لم يسبق لها مثيل بهدف التوصل إلى حل للنزاع العربي الإسرائيلي من قبل وزير الخارجية الأميركي الشهير هنري كيسنجر.

أدخل كيسنجر أساليب عدة على ما أصبح يطلق عليه اسم «عملية السلام». كان كيسنجر يشك في أن الصفقات الإجمالية والشاملة قادرة على حل النزاعات، التي ما فتئت قائمة منذ فترة طويلة بسرعة. وبالتالي، فقد حث الأطراف على التركيز على خطوات صغيرة عملية نحو السلام بدل الإصرار على حل جميع المشاكل دفعة واحدة. وأصبح هذا الأسلوب يعرف في ما بعد بدبلوماسية «الخطوة خطوة»، ونجم عن ذلك سياقات جديدة «دفعت» العملية الى ثلاث اتفاقيات: سيناء 1 والجولان 1 في أوائل عام 1974، وسيناء 2 في خريف عام 1975. قدم فيها العرب المزيد من التنازلات مقابل الحصول على ما هو حق لهم.

وعندما تولى جيمي كارتر الرئاسة عام 1977، خلص هو ومستشاروه إلى أن «عملية الدفع خطوة خطوة» قد وصلت إلى نقطة النهاية. وأنه قد حان الوقت لرؤية ما إذا كان من الممكن تحقيق سلام عربي ــ إسرائيلي «شامل». وكان من رأي كارتر دفع الأطراف العربية إلى مواجهة متطلبات السلام، وهي: الاعتراف والسلام اللذان تحتاج إليهما إسرائيل، مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 1967 والاعتراف بحقوق الفلسطينيين بالحكم.

حلّ الدولتين

بعد تثبيت مصطلح «السلام الشامل» بمتطلباته المشهورة، جهد من جاء بعد كارتر للدفع بها وتخطي العوائق الغائبة بل المغيبة: كحق الشعب الفلسطيني بكامل أرضه، وسياسة إسرائيل الاستعمارية، وقضية اللاجئين الفلسطينيين. حتى قبل بها الطرف الفلسطيني، إذ وافق رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسرعرفات «على حق «دولة إسرائيل» في العيش في سلام وأمن والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات»، معترفاً بدولةٍ لإسرائيل تبسط سيادتها على 78% من أراضي فلسطين التاريخية، ضمن اتفاق أوسلو عام 1993.

واليوم، وكأحد تجليات قدرة العبارات والمصطلحات على قلب الآيات، فإن الطرف الفلسطيني هو من يسعى إلى هذا السلام، والإسرائيلي يرفض. ويطالب الفلسطيني بدفع العملية كأنه «ملك» أكثر من «الملك»، وخصوصاً بعد الانتفاضة التي انتهت عام 2003، عندما قدمت ما يسمى اللجنة الرباعية للشرق الأوسط (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) خريطة طريق تنص على إقامة دولة فلسطينية بحلول 2005 مقابل إنهاء الانتفاضة وتجميد الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية. وبات الطرف الفلسطيني يحلم بالاعتراف له بدولة منقوصة السيادة على 22% من أراضيه، ضمن ما سمي «حلّ الدولتين« 

دمج إسرائيل في العالم العربي

ومع تولي دونالد ترامب زعامة العالم، بدأت تتكشف معالم السيناريو الأخير عندما صرّح بأن حلّ الدولتين «ليس الخيار الوحيد «

والآن، هل بقي ثمّة خيار يحافظ على «حق إسرائيل في الوجود» غير تعايش الشعب الفلسطيني مع إسرائيل؟

هكذا يمكن للخطاب أن يحوّل «عملية السلام» الى أسطورة، كانت ضرورية لقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وتمييع القضية بأقل الأضرار الممكنة، فمجلس الأمن الدولي لم يضغط يوماً على إسرائيل مع كل ما قامت بارتكابه من مجازر بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني، وكل تلك التعديات على الدول العربية.

تصريحات ترامب هذه، إضافة الى أعمال العنف في المنطقة، وتفاؤل نتنياهو بالعرب «الجدد القدام» بأن الدول العربية «لم تعد تنظر إلى إسرائيل على أنها عدوّ بل حليفة لهم»، إضافة الى رفضه «حلّ الدولتين». كل ذلك يأتي في فصول أسطورة عملية السلام. وإذا ما اكتملت الفصول ورفع الستار عن هذه المسرحية المرتجلة، فسيُحكى بعد أجيال قادمة عن الشعب الفلسطيني الذي سكن يوماً فلسطين، تماماً كما يُحكي عن الهنود الحمر.

زينب عقيل - الأخبار