الإثنين, 13 تشرين2/نوفمبر 2017 09:48

"أبو عمار": الرئيس الذي توزع دمه بين القبائل

بقلم: د. إبراهيم ابراش |
ذكرى وفاة الزعيم والرمز ياسر عرفات تستحق الاهتمام ،فباسمه ارتبطت الوطنية والثورة الفلسطينية وبوفاته سجل نموذجا عرفاتيا للاستشهاد دفاعا عن الشعب وثوابته الوطنية ، لذا فإن استحضار ذكرى استشهاده تشكل أهمية وطنية حتى نحافظ على أبو عمار الشخص والعرفاتية النهج في ذاكرة الأجيال الفلسطينية المتعاقبة و من خلالها وغيرها من المناسبات الوطنية نحافظ على الذاكرة الوطنية ونعزز الرواية الفلسطينية . لكن يجب الحذر من الاحتفائية التي تؤدي بقصد أو بدون قصد لأن يحل التاريخ محل الحاضر والأموات محل الأحياء وتغطي انتصارات وإنجازات الأولين ،الحقيقية أو المُبالغ فيها ، على هزال الواقع وفشل وتعثر أولي أمرنا الحاضرين ،فيصبح الاستحضار المتواصل والمكثف للتاريخ كتعويض نفسي للشعب حتى لا يرى واقعه المأساوي ، وفي حالة استشهاد أبو عمار نخشى أن تغطي المبالغة في إحياء ذكرى وفاته على البحث عن سبب وفاته وعن قاتليه ، لذا فإن قمة الوفاء لياسر عرفات تكون من خلال الوفاء لنهجه واستلهام الدروس والعبر من تجربته النضالية وكشف القتلة وهم معروفون وهو الأمر الخطير . لم يكن أبو عمار شخصا عاديا حتى يتم الصمت عن جريمة فتله ، وإن كانت وفاة أبو عمار وبالشكل الذي تمت به والظروف المُصاحِبة لها تشكل إهانة لكل فلسطيني ولكل حر في العالم ، فإن عدم الجرأة على الإعلان عن المشاركين في الجريمة بعد ثلاثة عشر عاما يشكل إهانة أكبر، إهانة للكل الفلسطيني وخصوصا لحركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة ولرئيس لجنة التحقيق الفلسطينية التي تم تشكيلها . الكل يدرك أن إسرائيل هي القاتل الرئيس لأنها المستفيد الأول ولأنها لم تخفِ رغبتها في التخلص منه ولها سوابق في محاولة اغتياله . فمنذ فشل قمة كامب ديفيد في يوليو 2000 والتي جمعت ياسر عرفات مع رئيس وزراء إسرائيل ايهود باراك والرئيس الأمريكي بل كلينتون حيث تم اتهام الرئيس ابو عمار بفشل القمة لرفضه الشروط الإسرائيلية والأمريكية للتسوية ثم رفضه تسليم المناضلين من الجبهة الشعبية المطلوبين للاحتلال وخصوصا قتلة الوزير الإسرائيلي زئيفي ،ورفضه وقف الانتفاضة حيث تم اتهامه بتسليح الانتفاضة والعودة للكفاح المسلح – قضية السفينة كارين أيه- ومد حركة حماس بالسلاح ، بسبب كل ذلك ومنذ ذلك التاريخ تم اتخاذ قرار إسرائيلي أمريكي بالتخلص من أبو عمار والبحث عن قيادة بديلة . لكن ليست تل ابيب وواشنطن وحدهما من كان يريد التخلص من أبو عمار ،بل شاركت في الجريمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أطراف متعددة بما فيها فلسطينية من خلال تصفيته سياسيا تمهيدا لتصفيته جسديا ، واحتمال وارد أن إسرائيل وظفت طرفا فلسطينيا كمساعد في التصفية الجسدية ، و يمكن الجزم أن إسرائيل ما كانت لتُقدِم على فعلتها لولا الدور الذي لعبته قوى فلسطينية وعربية لتشويه صورة أبو عمار وتجريده من حالة التقدير والاحترام التي كانت تُحيط به . فما بين القرار الإسرائيلي /الأمريكي بالتخلص من أبو عمار وتصفيته عمليا عام 2004 تم إعداد المسرح السياسي والنفسي فلسطينيا وعربيا من خلال حملة التشهير بالرئيس وتضخيم حالة الفساد في سلطته ، ومحاولات خلق الفوضى والانفلات الأمني وخصوصا في قطاع غزة ، ثم اجتياح الضفة ومحاصرة الرئيس في المقاطعة بعد عملية فندق بارك في نتانيا في مارس 2003 التي قام بها مقاتل من حركة حماس ، وفرض تعديل النظام السياسي ،ودور بعض الأنظمة العربية ،وخصوصا نظام مبارك في مصر، كان واضحا سواء من خلال عدائها للرئيس أو من خلال منعه وهو المحاصر إسرائيليا من أن يخاطب شعبه والعالم بكلمة يلقيها في مؤتمر قمة بيروت 2002 . كل هذه الأمور شجعت إسرائيل على تصفيته جسديا ،وسهلت مرور جريمة الاغتيال بدون ردود فعل فلسطينية وعربية في مستوى الحدث . تقاطعت مصالح عدة أطراف فلسطينية داخلية وعربية ودولية مع مصلحة إسرائيل عند نقطة التخلص من أبو عمار ، بحيث يمكن القول بأن دم أبو عمار توَزَع بين القبائل وكانت إسرائيل القبيلة الأكبر وذات المصلحة . جرت تحقيقات متعددة الأطراف وتم تشكيل لجان متعددة بالإضافة إلى لجنة تحقيق فلسطينية ، وحتى يومه لم تعلن هذه الأخيرة عن نتائج عملها ولم يتم توجيه الاتهامات لأحد بالرغم من أن اللجنة اعلنت قُبيل عقد المؤتمر السابع لحركة فتح في نهاية نوفمبر 20116 وعلى لسان رئيسها توفيق الطيراوي ثم على لسان الرئيس أبو مازن أنها على وشك الانتهاء من عملها وستُعلن نتائج التحقيق ،وكان من المتوقع طرح موضوع اغتيال أبو عمار في المؤتمر الذي تزامن عقده مع احتدام الخلاف بين النائب محمد دحلان والرئيس أبو مازن ،وفجأة تم الصمت المطبق ولم يتم طرح الموضوع في المؤتمر أو بعده ، الأمر الذي يدعو للتساؤل هل تمت صفقة بين الرئاسة الفلسطينية وجهات خارجية لعدم فتح ملف اغتيال أبو عمار ؟!!! . نعتقد أن عدم إعلان النتائج لا يعود لعجز اللجنة عن معرفة مرتكب جريمة الاغتيال ، الجهات العليا في :السلطة الفلسطينية ،فرنسا ،الولايات المتحدة الأمريكية ، ،مصر ، الأردن ، وتونس تعرف أن إسرائيل اغتالت أبو عمار بالبلوتونيوم المشع ،ولكن هذه الأطراف تكتمت على الموضوع منذ البداية لأن السؤال الذي طُرح آنذاك : ماذا يمكن للسلطة أن تعمل إن تم الإعلان عن مسؤولية إسرائيل عن اغتيال أبو عمار ؟وماذا سيكون مصير السلطة والمفاوضات ومجمل عملية التسوية ؟ وكيف ستكون ردود الفعل العربية والدولية على ذلك وخصوصا مصر والأردن الموقعتان على اتفاقية سلام مع إسرائيل؟. كما أن شظايا الملف والاتهامات ستنال كل طرف فلسطيني كان على خلاف سياسي مع أبو عمار وخصوصا من داخل السلطة ،مما يضفي على القضية أبعادا داخلية خطيرة . فإلى متى سيستمر الصمت على هذه الجريمة ؟ وإلى متى ستستمر المزايدة والمتاجرة بذكرى أبو عمار ؟ . ملاحظة أخيرة يجب قولها . جانب الصواب حركة فتح بتعاملها مع إحياء ذكرى استشهاد أبو عمار وكأنها مناسبة فتحاوية ومسؤولية حركة فتح فقط ، فأبو عمار رئيس كل الشعب الفلسطيني ورئيس منظمة التحرير ورمز وطني وأممي ، ومن واجب التقدير لياسر عرفات عدم التعامل معه وكأنه رئيس فتح وحدها ، وكان المفروض تشكيل لجنة وطنية من كل الأحزاب ولتكن برئاسة حركة فتح للإعداد لذكرى رحيله والاتفاق على يوم واحد يشارك فيه الجميع .

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
 
نشر في مختارات

د. مصطفى يوسف اللداوي |

أثار قرار السلطة الفلسطينية في رام الله المثير للجدل، القاضي بحرمان مئات الموظفين في قطاع غزة من رواتبهم، أو تقليصها وفرض حسوماتٍ كبيرة عليها، شجوني وحرك أحزاني، وبعث في قلبي أضغاني القديمة وآلامي الحبيسة، ومعاناتي الكبيرة، وشكاتي الحزينة، ومرارتي الأليمة، فدفعني للكتابة عنه بحرقةٍ وألمٍ، وحزنٍ وشجنٍ، وغضبٍ عارمٍ وثورةٍ صادقةٍ، وإحساسٍ كبيرٍ بالظلم والهضم، فهذا قرارٌ يزلزل الأرض ويميد بها تحت أقدام السلطات، ويخرج المواطنين في ثوراتٍ ومظاهراتٍ، ومسيراتٍ واحتجاجاتٍ، وهو قرارٌ في غير بلادنا يهدد أنظمةً ويسقط حكوماتٍ، ويخضع مسؤولين للتحقيق ويفرض أحكاماً على متجاوزي القانون ومستغلي السلطة والمراكز، لكنه يبدو في بلادنا قراراً عادياً، لا يحرك ساكناً، ولا يثير غضباً، ولا يدفع غيوراً لأن يتمعر وجهه، وتنتفخ أوداجه ويعلو صوته، وتحتد كلماته انتصاراً للحق ودفاعاً عن حقٍ.

ذكرني هذا القرار الجائر، وهذه السياسات الاستنسابية الظالمة، الشخصية الفردية المزاجية الكيدية، المتهورة المجنونة غير العاقلة، البعيدة عن المؤسسة والتنظيم، والخالية من الحكمة والصالح العام، والمجافية للحق والمناوئة للعدل، التي لا تخشى الله ولا تتقه، ولا تصون الأمانة ولا تؤدي الحقوق، والمنبعثة من ضمائر ميتة وأحاسيس متبلدة، ومنافع متوقعة ومصالح مرجوة، بما أصابني ولحق بي، إذ حرمت راتبي لسنواتٍ وما زلتُ، وتمت مصادرة حقي فيه المنصوص عليه قانوناً والمعترف به عرفاً، رغم محاولاتي المستمرة لاستعادته، فهذا الراتب ليس حقاً لي فقط، إنما هو حق زوجتي وبناتي، وأسرتي وعائلتي، ومع ذلك فقد حرمتُه وحرموا، واغتصب حقي وحقوقهم، ولم تنفع المطالبة الناعمة، ولم تجدِ الشكوى الهادئة، ولم ينتصر القضاء العادل، وأوصدت الأبواب وأغلقت الكُوى، طاعةً للرئيس المفدى وخوفاً من عصاه الغليظة، ورغبةً في صناديقه العامرة، وعطاءاته الغامرة، وامتيازاته المغرية، وما زال الظلم قائماً، والحق مغتصباً، والحاكم بأمره في ظلمه يمور، وفي غيه يجور.

المغتصبون للحقوق في كل مكان، المعتدون على أرزاق العباد ولقمة عيش الفقراء والمساكين، المزاحمون للعمال والموظفين، وصغار الكسبة وعامة الباعة الجوالين، أصحاب السلطات على اختلافها وتنوعها، الذين يستغلون الوظائف لثني الناس عن مواقفهم، ويستخدمون الرواتب للي أعناق العباد وإذلالهم، ويضيقون على معارضيهم سبل العيش ويغلقون أمامهم أبواب الرزق، ويحاربونهم في أرزاقهم ويمنعون كسرة الخبز عن أطفالهم، أولئك جميعاً عقليتهم واحدة، ومنهجهم واحدٌ لا يتغير، وأدواتهم المستخدمة هي نفسها القديمة والجديدة، لا تتغير ولا تتبدل، ولكنها تتنوع وتتشكل.

إنهم عنجهيون مستبدون ظالمون، منبتون عن مجتمعهم، ومعزولون عن محيطهم، ومتكبرون على شعبهم، ومتسلطون على من يلونهم، بل إنهم مرضى النفوس، ومشوشو العقول ومشوهو التفكير، يعيشون في أبراجٍ عاجيةٍ، ومن علٍ بازدراءٍ ينظرون إلى شعوبهم، لا يهمهم عملهم، ولا يعنيهم رزقهم، ولا تشغلهم حاجتهم، ولا يقلقهم إن جاع أطفالهم أو مرضوا، أو إن هم ناموا في العراء أو هلكوا، فهذا أمرٌ لا يعنيهم ما دام أبناؤهم بخير، وجيوبهم عامرة، وسياراتهم فاخرة، وبيوتهم فارهة، ووظائفهم جاهزة، ومستقبلهم مضمون، وأسرهم تعيش بسلامٍ وتنام باطمئنانٍ، فلا تعاني من غولٍ ولا حاجةٍ، ولا تشكو من عوزٍ أو مجاعة، ولا يتهددها مبيتٌ في العراء أو سكنٌ سقفه السماء.

مغتصبو الحقوق والمعتدون على رواتب الموظفين وأجور العمال، لا يحكمهم عقل، ولا ينظم تفكيرهم منطق، ولا يضبط تصرفاتهم حكمةٌ، إنما ينطلقون في قراراتهم من السلطة التي بها يتغولون، والمناصب التي بها يتحكمون، والصلاحيات التي بها يتمتعون، والمال الذي به يشترون ويبيعون، ويصدرون قراراتهم معتمدين على القوة التي يملكون، ومستندين إلى التفرد الذي به يحكمون، ومطمئنين إلى الاستبداد الذي به يسوسون، إنهم لا يستندون إلى حق، ولا يعتمدون على قانون، ولا يحتكمون إلى سابقةٍ، إنما يمضون رغباتهم، وينفذون سياساتهم بقصد الإذلال والإهانة، والتجويع والتركيع، وليس هناك من يردعهم أو يعنفهم، ولا يوجد من يقوى على صدهم أو وضع حدٍ لهم، ولا يفكر أحدٌ بالثورة ضدهم أو الانقلاب عليهم، خوفاً ورهباً، أو طمعاً وأملاً، ولهذا يتجرأون وعلى مثل هذه القرارات الظالمة المجحفة يقدمون.

هذا الصنف من الناس لا يمكن مخاطبته بالعقل، أو تحريك مشاعره الإنسانية بلطيف الكلام ولين القول، أو استنفار ضميره واسنتهاض قيمه بالمعاني السامية والهمم العالية والكلمات الرقيقة، فهم لا يستجيبون ولا يسمعون، ولا يغيرون ولا يبدلون، فكأنما سدت آذانهم فأصابها الصمم، وعميت عيونهم وطمس على قلوبهم وماتت ضمائرهم، فلم يعودوا يرون حقاً غير ما يقولون، ولا يقبلون بنصحٍ غير ما يتوافق مع أهوائهم ويلتقي مع مصالحهم، والويل كل الويل لمن يخالف أمرهم، أو لا يصفق لقرارهم، ولا يحترم توجيهاتهم، إذ سيصيبه ما أصاب المحرومين، وستلحق به لعنة المطرودين من جنتهم، والمحرومين من نعيمهم.

أيها الظالمون الضالون، المفسدون المعتدون، المتغطرسون المتفاخرون، ألا فاعلموا أنه لا يجوز ولا بحالٍ من الأحوال أن نربط الحقوق بالولاءات، أو أن نرهن الرواتب بالميول والاتجاهات، أو أن نعاقب العامة بفعل الخاصة، إذ لا يحق أن نعاقب أسرنا ونحرم أبناء وطننا من حقوقهم، وأن نطردهم من وظائفهم، وأن نتركهم لغوائل الأيام تنهشهم، ولقسوة الظروف تلعنهم، إنكم بهذه الأعمال المشينة لا تختلفون عن عدوكم الغاصب لأرضنا، المحتل لأوطاننا، والمصادر لحقوقنا والسارق لممتلكاتنا، وهذا إذ نقاتله على ما انتهك من حقوقنا، ونحاربه على ما اقترف ضدنا، فإن أفعالكم لا تقل عن أفعاله جرماً وعدواناً، ولا تختلف عن سياسته ذلاً وهواناً، واعلموا أنه لا فرق أبداً بين من يجرد الإنسان من حقه وبين من يحتل أرضه، ولا بين من يحرم مواطناً من رزقه وبين من ينتهك حرمة مقدساته، فذاك مجرمٌ ظالمٌ ولكنه عدو، وهذا ظالمٌ مجرمٌ ولكنه أخٌ وشقيق، وقريبٌ ونسيب.

نؤكد أننا نعيش في ظرفٍ لا يحتمل أبداً هذه الإجراءات، ومجتمعٍ لا يقوى على تجرع هذه المظالم، فأوضاعنا استثنائية، وأحوالنا صعبة وقاسية، والحصار يخنقنا والعدو يقتلنا، والجوع ينهشنا، والضياع يلاحقنا، والبؤس يفتك بنا، والمرض لا يرحمنا، إلا أننا لسنا ضد القانون، ولا ندعو إلى استباحة المال العام، ولا نقبل بالهدر، ولا نرضى بالوظائف الوهمية، ولا بالرواتب المزدوجة، ولا نساهم في الفوضى، ولا نسكت عن الظلم والمحسوبية، ولكننا ندعو إلى العدل والرحمة، وإلى القانون والرأفة، ونثبت بوعيٍ ويقينٍ، وبفهمٍ واعتقادٍ، أن الرواتب حقوق فرديةٌ شخصيةٌ لا يحق لسلطةٍ أن تصادرها، ولا لهيئةٍ أن تحرم مستحقاً منها، ولا لمسؤولٍ أن يسيسها أو رب عملٍ أن يكيفها، وهي حقوق تبقى ولا تزول، وتحفظ وتصان، ولا تسقط بالتقادم ولا تنسى بمرور الأيام، ولا يسامح فيها صاحب حقٍ، ولا يغفر لمغتصبها رب الخلق وإله العالمين.

 
نشر في منبر حر

كان يعلم من بين ستة خطفهم أمن السلطة الفلسطينية وأخفاهم العام الماضي، أن إفراج الأخيرة عنهم من سجونها ليس سوى «إجازة منزلية» قصيرة سرعان ما سيأتي العدو الإسرائيلي ليأسرهم بعدها في سجونه. حدث ما توقّع، واعتُقل رفاقُه الخمسة، فيما بقي هو مطارداً. أصلاً، لولا قليل من «بريستيج» الوطنية، لكانت السلطة قد سلّمتهم مباشرة للعدو. من يعرف باسل الأعرج، يفهم لماذا اختار هذا الشاب أن يبقى مطارداً. فمن أعلن سابقاً رفض «ذلّة الاحتلال»، لن يقبل الأسْر. باسل، الاسم الذي صار أشهر من نار على علم، وأثبت أن الانتفاضة لا تزال حية وتنتظر من يشعلها كما أخواتها التي سبقتها، ضرب «النبي المقاتل» نموذجاً من التحدي في مواجهة أجهزة أمن السلطة، بعدما خاض ورفاقه إضراباً وعناداً أدّيا بهما إلى التحرّر من سجونها.

...ختم باستشهاده مسيرة شاب مثقف، بعد اشتباك لنحو ساعتين، اختلطت في نهايته دماؤه بما بقي لديه من كتب وكوفية رفض أن تغادره حتى في أيام تخفّيه، تاركاً بذلك «انتفاضة القدس» أمانة لدى الشباب. في خلال تظاهرات مخيّم الدهيشة، هتف المشاركون «قولوا لكلاب الشاباك... جايّ جايّ الاشتباك»... علّ دمك يُنبت الاشتباك يا باسل.

رام الله | لم تكن حكاية الشهيد الفلسطيني باسل الأعرج مع المطاردة والملاحقة الإسرائيلية سوى الفصل الأخير من قصته بعد الإفراج عنه من سجون السلطة الفلسطينية، في سبتمبر الماضي، عقب إضراب خاضه عن الطعام برفقة خمسة من أصدقائه، هم اليوم يقبعون في سجون العدو الإسرائيلي؛ قبل ذلك، كان لباسل «صولاته» الثقافية والحراكية قبل أن تتهمه السلطة بالإعداد لعمليات عسكرية بمساعدة «دولة أجنبية»، في إشارة إلى إيران وكذلك حزب الله.

الأعرج (33 عاماً) هو إحدى ضحايا التنسيق الأمني الذي تمارسه رام الله جهاراً نهاراً، بل تقدسه، من دون أن يكون للجمهور الفلسطيني ردّ فعليّ عليه، وهو كان أحد الذين عبّروا ــ بالمشاركة في تأسيس «الحراك الشبابي الشعبي» ــ عن رفضهم لتقاعس بقية الفصائل عن أخذ دورها في «انتفاضة القدس»، التي كان يسميها «الانتفاضة المظلومة». وتعود جذور الأعرج إلى قرية الولجة شمال غرب بيت لحم، وفي بداياته اشتهر بأنه ناشطٌ شبابي في رفض التطبيع والتعايش مع الاحتلال، علماً بأنه نال شهادة البكالوريوس في الصيدلة من إحدى الجامعات المصرية، ثم عمل بالصيدلة في مخيم شعفاط في القدس لمدة قصيرة.

يقول أحمد شحادة، وهو أحد أقربائه، إن باسل رفض الانتقال من سجن إلى آخر، في إشارة إلى علمه بنية العدو اعتقاله بعد خروجه من سجن أريحا عقب ستة أشهر من الاختفاء والاعتقال. ويتضح هذا، كما يضيف شحادة، من رفضه الخروج بصحبة أقربائه عند الإفراج عنه في الثامن من أيلول/سبتمبر الماضي، إذ أصرّ على العودة إلى المنزل وحيداً رغم إلحاح العائلة. منذ ذلك الوقت لم يعد، بل اختفى وانقطعت أخباره، ثم لم يُعرَف مصيره حتى يوم استشهاده.

ومن أبرز الفعاليات التي سطع فيها نجم الأعرج المظاهرات الاحتجاجية على زيارة كانت مقررة لوزير الأمن الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز خلال عام 2012 إلى الضفة، وتعرض للضرب آنذاك على يد أمن السلطة، كما نشط في حملات مقاطعة الاحتلال. وكان قد شرع خلال السنوات الثلاث الماضية في مشروع «توثيق محطات الثورة الفلسطينية» منذ ثورة عام 1936 وصولاً إلى انتفاضة الأقصى عام 2000، وأطلق لهذا الغرض رحلات ميدانية استهدفت زيارة المناطق التي وقعت فيها العمليات والمعارك الفدائية، مثل: موقع عملية زقاق الموت التي نفذها ثلاثة مقاومين من «حركة الجهاد الإسلامي» في الخليل عام 2002، ومعركة الولجة في بيت لحم، ونموذج ريف جنين في جدوى المقاومة، وغيرها.

في موازاة ذلك، حرص الأعرج على تنظيم ندوات تثقيفية في عدد من محافظات الضفة، كما نشط في «دائرة سليمان الحلبي» التي كانت تنظم محاضرات وطنية وتاريخية، وتناقش مواضيع تخص الفكر المقاوم. كذلك كان يحرص على أن يكتب باستمرار في عدة مواقع فلسطينية عدداً من المقالات المتنوعة، التي تتمحور حول مواجهة الاحتلال وأمن المقاوم، ومن بينها مقالة تعكس شخصيته المثقفة كباحث ومؤرخٍ، عنوَنها بـ«عش نيصاً... وقاتل كالبرغوث ».

والد الشهيد وصف مرحلة مطاردة نجله بالصعبة على العائلة، متحدثاً عن اقتحامات العدو المتكررة لمنازل معظم أقربائه خلال البحث عنه. وأوضح الأب لعدد من الصحافيين أن العائلة توقعت استشهاد باسل منذ تهديد مخابرات الاحتلال بتصفيته وبردّ قاسٍ إذا لم يُسَلّم نفسه، فيما قال شقيقه سعيد عنه: «اخترت أن تكون مقاوماً وأن تموت شهيداً مقبلاً مشتبكاً لا خانعاً... لم تسلم لهم، ومثلك لا يعرف التسليم».

وقد استشهد الأعرج في مدينة البيرة، وسط رام الله، عقب خوضه اشتباكاً مسلحاً استمر ساعتين، فيما قالت مصادر إسرائيلية إن الأعرج قُتل في تبادل لإطلاق النار مع أفراد وحدة «يمام» الخاصة، خلال تحصّنه في شقة سكنية قرب مسجد البيرة الكبير.

في السياق نفسه، ذكرت مصادر خاصة لـ«الأخبار» أن الأعرج كان قد استأجر شقة سكنيّة منتحلاً شخصية سائح أجنبي، ومكث فيها منذ نحو شهرين ونصف شهر حتى استشهاده. وخلال الاقتحام، كان قد تحصّن في سدّة الشقة داخل مساحة ضيقة فوق الحمام عند محاصرة الوحدة الخاصة مكان وجوده، فيما قال شهود عيان إن مئات الطلقات النارية والشظايا خلّفها الاشتباك، وعُثر على آثارها في معظم المنزل، إلى جانب حذاء وكوفية وكتب من مقتنيات الشهيد.

كذلك، تحدث الشهود عن سحل جنود العدو جثمان الشهيد، إذ جرّه الجنود من قدميه خارج المنزل، ثم احتجزوا جثمانه ونقلوه في إحدى المركبات العسكرية نحو منطقة «عوفر». وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية قد نشرت صوراً تشير إلى العثور على قطعتي سلاح من نوع «إم ــ 16»، وأخرى «كارلو» محلية الصنع في الشقة، فضلاً عن كمية كبيرة من الرصاص الفارغ، وسلسلةٍ متنوعة من الكتب والمجلات، مثل: القرآن الكريم، وفكر غرامشكي، ومجلتي «العربي» و«الدراسات الفلسطينية»، ورواية المسكوبية، وغيرها.

رحل باسل تاركاً وصيته على عجالة في ساحة المعركة، وتم العثور عليها بخط يده بين كتبه ودفاتره، وكانت قصيرة للغاية. ومن أبرز مقولاته التي تداولها آلاف الفلسطينيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي: «كل ما تدفعه في المقاومة إذا لم تحصده في حياتك، ستحصل عليه لاحقاً، المقاومة جدوى مستمرة»، وأيضاً مقولته الشهيرة خلال ندوة في جنين العام الماضي: «بدك تصير مثقف، بدك تصير مُشتبك، ما بدك مُشتبك، بلا منك وبلا من ثقافتك».

في غضون ذلك، صدر بيان عن «الحراك الشبابي الشعبي» ينعى «أحد أهم قادته المؤسّسين في الضفة الشهيد القائد باسل الأعرج». وقال البيان إن الأعرج «لحق بركب أبناء الحراك، فبالأمس القريب كان أحد أهم قادة الحراك الشبابي الشعبي في القدس الاستشهادي القائد مصباح أبو صبيح قد نفذ عمليته البطولية في قلب القدس المحتلة، واليوم (أمس) الشهيد القائد باسل الأعرج يرفض تسليم نفسه للاحتلال ليرتقي شهيداً»، وهي الإشارة الأولى لتبنّي عملية الشهيد أبو صبيح بصورة رسمية.

يُشار إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، كان قد أصدر قراراً بحظر «الحراك» في القدس وسائر مدن الضفّة، بعد توصية من جهاز الأمن العام (الشاباك)، وفقاً لتعليمات قانون الطوارئ الإسرائيلي. وقالت وزارة الأمن آنذاك في بيان (تشرين الثاني الماضي)، إن القرار اتخذ بعد جمع معلومات تفيد بأن «الحراك يعمل بتوجيهات من إيران وحزب الله بهدف تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيليّة، إضافة إلى تحريض سكّان الضفّة والقدس على التظاهر بعنف ضد الاحتلال والسلطة الفلسطينيّة». بالتزامن مع ذلك، كان أمن السلطة قد اعتقل مجموعة من الشباب باتهام أنها تنتمي إلى «الحراك» وتمتلك مجموعة من الأسلحة ويترأسها باسل محمود الأعرج، الذي اتهم بأنه التقى مسؤولين في حزب الله في الخارج، فيما نقل عن أصدقاء المعتقلين من المجموعة أن ما كتبه أمن السلطة عنهم وجدوه مسلماً للعدو حرفياً.

مي رضا

 
نشر في مختارات
الأحد, 05 آذار/مارس 2017 19:57

انهيار السلطة

د.أسامه اسماعيل |

انهيار السلطة مسألة حتمية لا مفر منها، وأن «مسألة بقاء السلطة الفلسطينية مسألة وقت لا أكثر»، وفقًا لما قاله وزير الهجرة الإسرائيلي، زئيف إلكين، في محاضرة أمام منتدى «بار إيلان»، وذلك استنادًا على عدة مؤشرات، منها: ما تعانيه السلطة منذ بضع سنوات من أزمة مالية حادة؛ إذ بلغ العجز المالي للموازنة الفلسطينية لعام 2016 نحو 765 مليون دولار أمريكي. إلى جانب الصراع مع حركة حماس، وفشل التسوية، والصراع الداخلي في حركة فتح. كل هذه عوامل مساعدة لانهيار السلطة.

لكن السلطة الفلسطينية لها رأي آخر، إذ تعتبر نفسها إنجازا للشعب الفلسطيني لا يمكن التخلي عنه، فهي تُشكل الإطار السياسي للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى أنها مُعترَف بها كدولة فلسطينية تحت الاحتلال من قبل الأمم المتحدة. وتعتبر السلطة الفلسطينية أن إسرائيل هي التي تروج لانهيارها من أجل استغفال المجتمع الدولي، وذلك بعمل حملات للكذب والتضليل، وهذا بالطبع يكشف عن خبث نوايا إسرائيل.

لكن هناك رأيا آخر يتحدث عن أن انهيار السلطة الفلسطينية بدأ بالفعل منذ أوسلو، وأن السلطة ما هي إلا «وهم» صنعته إسرائيل بالشكل الذي تريده هي، إذ كبلتها بالتبعية الاقتصادية، وفرضت عليها التنسيق الأمني. فالسلطة الفلسطينية بدأت بالانهيار منذ اللحظة التي قبلت فيها ذلك.

سيناريوهات ما بعد الانهيار

تتوقف سيناريوهات ما بعد انهيار السلطة على كيفية وشكل رحيل الرئيس محمود عباس سواء بالاستقالة أو المرض أو الاغتيال. وفيما يلي أهم السيناريوهات التي تُطرح بقوة في الأوساط الإسرائيلية والفلسطينية، والتي قد يصب بعضها في صالح الشعب الفلسطيني والأخرى في صالح إسرائيل.

أولا: سيناريو الانتقال السلمي للسلطة

يُطرح هذا السيناريو على خلفية إعلان الفصائل الفلسطينية ما توصلت إليه في موسكو 17 يناير/كانون الثاني 2017، إذ تم الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية قبل تنظيم الانتخابات. لكن هذا السيناريو من المتوقع أن يواجه بالعراقيل والعقبات من جانب إسرائيل، التي تفضل اللعب بالقضية الفلسطينية، وتعزيز الانقسام بين الفصائل. ولكي ينجح هذا السيناريو، سيتطلب الأمر ليس فقط إرادة سياسية من قبل الفصائل الفلسطينية، بل إرداة من الشعب الفلسطيني أجمع والالتفاف حول الفصائل من أجل إنجاح المصالحة، والضغط عليهم من أجل ترجيح سيناريو الانتقال السلمي للسلطة.

ثانيا: سيناريو سيطرة حماس على السلطة

يُطرح هذا السيناريو بقوة في إسرائيل، فبحسب المعلومات المتوفرة لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية فإن حماس تواصل تقوية بنيتها التحتية في الضفة الغربية، وأنها تتمتع بشبكة علاقات قوية، إذ لديها مكاتب منتشرة في جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولها علاقات بدبلوماسيين غربيين.

قد تتمكن حماس من السيطرة على السلطة في الضفة الغربية، حينها سينتهي التعاون الأمني الفلسطيني مع إسرائيل. وفي هذا الإطار ذكر «إفرايم إنبار» مدير مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية «أنه من مصلحة إسرائيل قمع حماس واعتقال ناشطيها، إذ إنه من المحتمل أن تكون لها اليد العليا»، وأضاف «حماس تعني الإرهاب، وأي خيار آخر هو أقل خطراً على إسرائيل».

ثالثا: سيناريو الحرب الأهلية

قد تفشل المصالحة الوطنية، وتندلع حرب أهلية بين الفصائل في الضفة الغربية، الأمر الذي سيترتب عليه فراغ منصب الرئيس، وهو ما قد يترتب عليه تدخل إسرائيلي جديد بدعوى فض النزاع واستغلال حالة الفوضى وانتهاز فرصة التشرذم داخل  فلسطين، ومن ثَمَّ اللجوء إلى زيادة المناطق الخاضعة لسيطرتها وإنشاء نظام مزدوج في الضفة الغربية، أحدهما للمستوطنين الإسرائيليين والآخر للسكان الفلسطينيين. وقد تزرع أحد عملائها في دور رئيس السلطة الفلسطينية حتى يساعدها في تحقيق أغراضها ولا يعترض على ترسيخ وجودها في الضفة الغربية، ويقتصر دوره على إدارة الأمور الحياتية للسكان الفلسطينيين. والأرجح أن تعلن إسرائيل إقامة دولة للفلسطينيين في غزة فقط، بينما ترسخ هي وجودها في الضفة الغربية.

ولا يُستعبد حينها أن تعود الوصاية العربية على الفلسطينيين مرة أخرى، وهو الأمر الذي قد يُحدِث آثارا مدمرة؛ سواء على القضية الفلسطينية بشكل عام، أو تجاه الدول التي ستقبل فرض وصايتها على الفلسطينيين.