الإثنين, 09 نيسان/أبريل 2018 19:42

عندما يتحدّث السفهاء

بقلم: محمد بن عمر |

قد يصغي المرء الى عاقل في حديثه، إذا تميز ذلك المتحدث بالوثاقة، في شخصه قولا وفعلا، معروفا بشخصه في مجتمعه، ومع ذلك، فليس كل محمود ثقة، وتحديدا إذا ما جاءت محمدته من عالم سفاهة، وليس كل ما يقال يؤخذ على محمل الجد، ويرى بعين الاعتبار، فقد كثر السياسيون المحدّثون، في زمن تسلط فيه على الناس جمهرة الفساق والسفهاء، فلم يعد يرى غيرهم، في عالم سياسة مريض، فقد مصداقيته، وسقط منتحلوه، عدا قليل ممن نأوا بأنفسهم عن السقوط، في خضمّ سفاهة الأقوال وخداع الأفعال.

واذا تزوّد سفيه سياسة بزاد الفجور، خصوصا اذا كان معدنه من ذاك الأصل، فإن حديثه سيكون هذرا ووهما يسوّقه للناس، أقرب الى هذيان مريض حمى النافض، مفضوح المصدر، لا قيمة له عند من هجر بمحضره، لمن يعقل طبعا.

حديث السفهاء لا حدّ له في الكذب واختلاق المزاعم، فهو لا يستوي على قاعدة اخلاقية دينية كانت أم انسانية، ومنشؤه نفسي بالأساس، فصاحبه واقع تحت تأثير هوى أمراضه وأحقاده، التي يحاول جهده إخفاءها، فتظهر من زلات لسانه وفلتات كلامه.

سفهاء اليوم كما سفهاء الامس، بعضهم من بعض، على نفس الوتيرة من الباطل، يجترّون نفس الموبقة، ويتحمّلون نفس التّبعة، ويجتمعون على مائدة المكر والخداع، ولا يحيط المكر السيء الا باهله.

وعن سفيهين سنتحدث في هذا المقال، معرّضين بهما فاضحين إدّعاءات، ما كان لها أن تجد مكانا لو رجح عدد انصار الحق، ولكن ماذا يمكننا قوله، ونحن نتحسس الصدق في عالمنا، فنجهد انفسنا في الامساك به.

السفيه الأول هو بكل تأكيد الرئيس الامريكي (دونالد ترامب) الذي غرد على صفحته في موقع تويتر، كاتبا: (الأسد سيدفع ثمنا باهظا للهجوم الكيماوي، الذي أودى بحياة كثيرين بينهم نساء وأطفال، ومحمّلا روسيا ورئيسها (بوتين) وإيران، المسؤولية عن الهجوم بدعمهم لنظام الأسد.)

الرئيس الامريكي بطاقمه الحكومي، ودوائره الاستخبارية والامنية وأخصائييه، يدرك تمام الادراك، أن الجيش العربي السوري لم يستخدم أي اسلحة كيماوية، منذ بدء المؤامرة على سوريا، وان هذه الذريعة التي ترتفع نسبتها، كلما اصيبت مجاميع الارهاب بنكسة في اوكارها وفشل في مخططاتها، فيلجأ محركوها الى التلويح بتهمة استعماله - وهو المحرّم دوليا - والصاقها بالجيش السوري، تمهيدا لتدخل محتمل وشن عدوان، قد يعيد الأمل الذي علّقه (ترامب) وحلفاؤه على نجاح مشروعهم، في اسقاط نظامها المقاوم وتقسيمها.

السفيه الثاني ورث الحكم لا عن جدارة قيادة، وحمل تبعا لذلك أوزار أسلافه، بما اقترفوه من جرائم بحق قبائل المنطقة، متزودا بزاد معاداة ايران، مقتفيا أثر أعدائها الامريكان والصهاينة، باعتبارها حاملة لواء استنهاض الامة الاسلامية، ومشروعها الكبير في والدفاع عن مبادئها وشرفها، الملعوب به بمؤامرات ساسته، وتخاذلهم امام اعداء، باتوا يعلمون بالمكشوف لإفشال المشروع الاسلامي.

سفيه بني سعود أطلق عنان لسانه نحو ايران، ليتهمها مجددا بالتدخل في شؤون دول الجوار، وهذا ما لم يظهر له أثر على مدى 39 سنة من عمر النظام الاسلامي، ولا وجد المتّهِمون دليلا يرجّح دعواهم، التي بقيت عارية من الحقيقة.

لقد بدا النظام الاسلامي في ايران، على مدى ظهوره على ساحة السياسة العالمية، مستهدفا من هؤلاء السفهاء، سواء كانوا أعداء حقيقيين، كحكام الغرب ومنظومتهم السياسية والثقافية، قد اجتمع اليهم حكام الاعراب، وقسم من رعاياهم ممن استخفّهم بإعلامه الفاسد، فأطاعوه واتبعوا غوايته.

ان كل من عاصر انتصار الثورة الاسلامية، وقيام نظامها الاسلامي، ادرك بما لا يدع مجالا للشك، ان ايران قد خرجت نهائيا من اطار التبعية للغرب، بزعامة امريكا والغرب المتصهين، ولتدخل منظومة إسلامية حديثة، عملت منذ ولادتها على قطع أيدي الاستكبار العالمي، والبراءة منه وفضح أساليبه وآلياته، ومعاداته وفقا لما جاء في الشريعة الاسلامية، من وجوب تولّي أولياء الله والتبرّي من أعدائه.

الدعوى الجديدة التي اطلقها ابن سلمان، في حديث أدلى به لمجلة (تايم) الأمريكية، مفادها أن المملكة نجحت في إخراج النفوذ الإيراني من إفريقيا، بنسبة تجاوزت 95%، وأن نفس الأمر ينطبق على آسيا، في اليمن، والعراق.

معتبرا أن أي مشكلة تقوم في الشرق الأوسط، فإن لإيران يدا بها، فالتدخل الإيراني ظهر في العراق وفي اليمن وفي سوريا وفي لبنان، أما الدول التي شهدت استقرارا نسبيا، مثل مصر والسودان والأردن والكويت والبحرين، فلم تكن لإيران يد فيها، على حد تعبيره.

وكما تفعل الحية الرقطاء عند تخلصها من ثوبها، من بين نباتات الصحراء، لم يبقي ابن سلمان لثياب الكرامة والرجولة شيئا، يخفي به قبيح سريرته ووضاعة معدنه، سفيه خرج علينا بمدّخر وضاعة، نادرا ما اجتمعت علاماته في شخص واحد مثله.

حديث سفيه بني سعود سليل الصهاينة هذا، دليل يعكس التهمة التي رمى بها ايران، ويعيدها الى قائلها ومطلقها، فنظام بني سعود اثبت تدخلا خبيثا بالمال الفاسد، وليس بالفكر النافع، في افريقيا واسيا منذ زمن، نشر فيه دعاته الوهابية التكفيرية، وبث من خلالها الفتنة المذهبية، أينما وجدت قلوبا غليظة تحتضنها، وأيد تمتد اليها فارغة فتعود الى جيوبها ملأى، وما مجاميع التكفير والارهاب من القاعدة ومشتقاتها، الى داعش والنصرة وتوائمها، سوى غيض من فيض التطرف الديني الذي نشروه، ويرجّح أن تكون جريمة مدينة (زاريا) في نيجيريا، والتي أودت بحياة مئات من أتباع وشيعة أهل البيت عليهم السلام، قد نفّذت بناء على سياستهم التحريضية، وتدخّلهم السافر الوقح، في شؤون وحياة الشعوب الافريقية، التي تضررت منها الصومال ومالي وليبيا، والبقية قد تكون في الطريق.

يكفي ايران فخرا أنها لم تقصف بطائراتها، ولم تنتهك حرمة شعب واحد، فاليمن مثلا لا تزال طائرات تحالف بني سعود ووهابيتهم، تصب حمم حقدها على شعبه، الذي يرزح منذ أكثر من 3 سنوات، تحت عدوان سافر، يراه العالم كل يوم، مسفرا عن سقوط ضحايا من النساء والاطفال، وتدمير بنى تحتية أساسية (مشافي، مدارس، مصانع، بيوت سكنية، دوائر حكومية) ولا يتحرك عمليا من أجل ايقافه، بسبب موقف السفيه الاول - متزعم العالم بالظلم والعدوان- الداعم لتلك الجرائم.

وطبيعي أن ينتج تقارب سفهاء الغرب وعملائه، عالما من السفاهة وانعدام الاخلاق، رغم ادعاء الغرب برعاية حقوق الانسان في العالم، ادّعاء سقط بتعدد انتهاكات تلك الحقوق، فما حصل اخيرا في مسيرات العودة بغزة، من قتل للمتظاهرين قنصا وبدم بارد، قد أثبت زيف جميع ادعاءات أمريكا والغرب، فالإنسان عند هؤلاء، هو الغربيّ والصهيوني فقط.

أن مساعي سفهاء العالم ستزيد من معاناة شعوبنا، فمع سقوط مجاميع إرهابهم في سوريا والعراق، يبدو أن التوجّه الجديد سيكون تدخلا مباشرا، لعلّه يفلح فيما أخفقه الوكلاء، وسجية السفهاء أن لا موعظة توقف بهتانهم، سوى الانكسار النهائي لمنظومتهم.

 

الآراء الواردة تعبر عن مواقف أصحابها وليس بالضرورة عن رأي الموقع