منبر حر

الأحد, 10 كانون1/ديسمبر 2017 17:27

القضية الفلسطينية بين الخيانة والوفاء

 بقلم: محمد بن عمر |

لم تخلُ محنة الشعب الفلسطيني من حالتين، شكلتا واقعا معاشا في ماضي وحاضر قضيته التحررية، على العهدين الاستعماريين الانجليزي والصهيوني، خيانة ابتلي بها من طرف طابور العمالة والنفاق، حيث لا يخلو شعب من شعوب العالم من هؤلاء المفسدين، فاقدي الاحساس بالإنسانية، وقيمها الوطنية والعقائدية، ووفاء لقضيته، وإيمان راسخ لم يتزحزح بعدالتها، ويقين تام بأن عاقبتها ستكون خيرا ونصرا، يعيد لفلسطين أرضا وشعبا حريتهما، من أشرس وانذل استعمار عرفه العالم.

وتمتد هاتان الحالتان، لتشمل محيط فلسطين، وجوارها من الدول العربية، فتنعكس على التعاطي الرسمي والشعبي، لدى الشعوب العربية والاسلامية، حيث عاصر آباؤنا خيانة القضية الفلسطينية، من طرف الملك عبد العزيز آل سعود، الذي بعث برسالة الى راعيته بريطانيا ومؤسسة حكمه، يعبر لها فيها عن عدم ممانعته، من اعطاء فلسطين لليهود، تنفيذا لوعد بلفور المشؤوم، ونعيش نحن اليوم خيانة 5 دول عربية على الأقل، اصطفت الى جانب اعداء الامة وقضيتها المصيرية، لتعبر عن ولائها للقرار الأمريكي، في اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ومحاولة منها لغلق ملف القضية الفلسطينية.

بعد ساعات قليلة من اعلان الرئيس الامريكي، تحويل سفارة بلاده الى القدس المحتلة، صرح وزير الاستخبارات والاتصالات الاسرائيلي اسرائيل (كاتس)، ان الادارة الامريكية قامت مسبقا، بالتنسيق مع قادة من الدول العربية، بشأن القرار المذكور.. وفي مقابلة اجرتها معه القناة التلفزية الصهيونية العاشرة، اوضح (كاتس)، أن حرص (ترامب) المسبق على التنسيق مع القادة العرب، جاء لضمان أن يسهم هؤلاء، في احتواء ردة الفعل الفلسطينية، وحتى الشعبية في بلدانهم على القرار.

فبخصوص موقف السعودية من القرار الامريكي، قال (كاتس): ان الرياض تأخذ بعين الاعتبار، المصالح الامنية المشتركة مع اسرائيل، لاسيما في مواجهة ايران، عند بلورتها موقفا من قرار (ترامب)، مذكرا أن اعتماد الدول العربية على المظلة الامريكية، عامل مهم في تحديد طابع ردة الفعل العربية.

وردة الفعل الرسمية للأنظمة العربية العميلة، والمتباعدة ظاهرا عن العمالة، اكتفت كعادتها ببيانات وكلمات الاستنكار، وعبارات الصدمة الفارغة، والرفض الدعائي الذي لا يقدم شيئا، بحسب موقع كل نظام عربي، من رضا البيت الابيض، وصداقة ادارته، وحجم مساعداته، وكعادة الجامعة العربية التي لم تشذ عنها أبدا، تمخض جبلها فولد فأرا، لن تكون في اجتماعها الأخير، أفضل حالا من اجتماعاتها السابقة .

وكان المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية (بسام راضي)، كشف ان السيسي تلقى الثلاثاء ( قبل الإعلان بيوم)، اتصالا هاتفيا من (ترامب)، تم خلاله تناول القرار، المزمع اتخاذه من طرف الادارة الامريكية، ويعتبر السيسي صاحب مبادرة السلام العادل والشامل - حسب زعمه - بين العرب والاسرائيليين، وهو قطعا استنساخ لكامب دافيد جديد، وبيع بالوهم المؤجل للقضية الفلسطينية.

كما لم يكن مفاجئا تواجد وفد رسمي بحراني في فلسطين المحتلة، محملا برسالة تسامح من ملك البحرين، الى قادة كيان الصهيوني، بعد صدور القرار الامريكي، في تعبير آخر على مدى خيانة القضية الفلسطينية، والتي تكاثر عليها الخونة من الداخل والخارج، بشكل يدعو الى التساؤل: هل إن هذه الظاهرة السيئة جدا، حدث عرضي، فرضته ظروف ما على تلك الانظمة، التي تفشى وباء العمالة فيها، حتى غشيها برصه؟ أم أنّ في هؤلاء طبع متأصل، أصبح جزءا لا يتجزأ من سياساتهم، وما بالطبع لا يتطبع؟

ودون عناء نستطيع أن نقول ان نظام آل سعود، ونظام آل خليفة، ونظام آل نهيان، مع النظام المصري والأردني، هم خمسة الخسة في طابور العمالة العربي، الأخيران صاحبي موروث اتفاقي المهانة، وبيع القضية، (كامب دافيد) و (وادي عربة)، على حساب الارض والمقدسات والقيم، أما الثلاثة الاوائل، فهم أدوات الاستكبار والصهيونية على الساحة العربية والاسلامية، انكشفت اوراقهم، فلم يعد لديهم ما يخفونه للعرب والمسلمين، فظهروا متآمرين متواطئين، على سوريا والعراق ولبنان واليمن، طاف عليها طائف إرهابهم الوهابي التكفيري، فأضر وأهلك الحرث والنسل والتراث.

وفيما يبدوا فإن اضعاف هذه الدول - التي تعتبر عناصر اساسية في محور المقاومة - واجبار شعوبها على قبول عدوهم الصهيوني والتطبيع معه، كان الغاية التي ارادت امريكا والصهاينة الوصول اليها.

مقابل ذلك بدى الوضع مختلفا في جانب الأوفياء للقضية الفلسطينية، وما لمسناه من الشعوب العربية والاسلامية، وطلائعها التي خرجت لتعبر عن رفضها لقرار امريكا، اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، فتحركت جماهير المقاومة، في جميع البلاد العربية والاسلامية، وجبهة الوفاء لفلسطين، اليوم تبدو أقوى من الأمس، بفضل الله تعالى وحماقة (ترامب)، الذي بقراره المخالف للأعراف والقوانين الدولية، أعاد حرارة التعاطي مع القضية الفلسطينية، فقفز بها الى مقدمة هموم الشعوب العربية والاسلامية، فتفاعلوا مع الحدث، وأثبتوا بدءا من قلب الشعب الفلسطيني النابض مقاومة، أن هذا القرار لن يغير من هوية القدس، التي سوف تبقى عاصمة لدولة فلسطين، وإحدى أهم العواصم الاسلامية، وطالما أن ايران الاسلامية موجودة، داعمة لمحور المقاومة، متطلعة الى اليوم الذي يتحقق فيه وعد الله سبحانه وتعالى، في تحرير فلسطين، وخلاصها من رجس الكيان الصهيوني، وقد بدأ العد العكسي يقرّب ذلك الموعد، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.

المطلوب اليوم، إرساء عمل جماهيري فاعل، يدفع بأنظمة بلدانه، الى اتخاذ موقف صادق، يخدم القضية الفلسطينية، فالزمن لم يعد زمن شعارات، وانما زمن عمل وتضحية ومن لم يعمل ويضحي من أجل مبادئه وقيمه فالموت أستر لحاله من الحياة، وقد اختارت شعوبنا أن تكون وفية، وعليها أن تعمل من أجل أن تتحرر فلسطين، ولن تتحرر بدون مقاومة، بعد أن ثبت أن مسارات التسوية، كذبة وتآمر على القضية، هذه فلسطين تدعوكم، وهذا الاقصى يناديكم فمن يلبّي، طوبى له وحسن مآب؟

 

الآراء الواردة تعبر عن مواقف أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع