بقلم: أنور العقرباوي* |
إذا كانت خلاصة ردود الفعل العربية والدولية، على القرار اللذي اتخذه الرئيس الأمريكي، ترامب بالإعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، لم تتجاوز دوافع كل طرف في الحفاظ على مصالحه، فإنه من المهم أن ندرك أن القرار لم يأتي نابعا من فراغ، إلا من لا يؤمن بأن "الشيء" لا يمكن له أن يأتي من عدم! صحيح أن القرار قد أثار ضجة وموجة من الإستنكارات، منها ما كان منتظرا وأخرى يدرك الجميع أن أغلبها رياء، إلا من الإنسجام مع حقيقة لب الصراع وحجم التضحيات، اللتي يدفع ثمنها الأبرياء سيولا من الدماء والزج في المعتقلات، حتى أضحت الأمور وحال التناقض بين المواقف والمواجهات إلى الدخول في متاهات لا يدرك بالضرورة أحد مداها، مالم يكن الوقت قد حان حتى تسمى الأشياء بأسمائها، اللتي يجهد البعض في تواريها عن الأنظار! يلعب ما يسمى "محور الإعتدال" دورا لطالما لا يخفى على أحد، أداة لا تتفق وأدنى معايير الكرامة الوطنية، عندما تتقدم مصلحة العرش على الوطن، إلا أن يكون إستقلالية القرار الوطني ضربا من الترف الفكري والخيال، أو أن الذاكرة قد بلغت منا عتيا، حين التبس علينا ما يزعمه البعض في مواقفهم المعلنة، عن الحقيقة الدامغة اللتي تسردها نشأتهم التاريخية! وإلا فكيف يمكن تفسير التناقض في تصريحات "حماة" الحرمين الشريفين العلنية، في الحرص على حماية الحقوق العربية، اللتي لا تكاد الشمس أن تطلع عليها حتى تنقلب على نفسها؟ أو الوثوق بمن استدعي على عجل إلى العاصمة البريطانية، حتى إذا عاد إلى بلاده سرعان ما نفض يديه من القضية عن جذورها، حتى عندما كان يزعم يوما أنه "وصي" على مقدساتها؟ وكيف يمكن إستيعاب عجز أكبر قوة ضاربة عربية، عن سحق مجموعات من الإرهابيين إلا التركيز على مساحات، كشفت التقارير أنها "البديل" المرشح للوطن المنتظر العتيد؟ إلا إذا عصي علينا التذكار، أو العجز عن الإستمرار في إعادة التذكير، بما جاد به عبد العزيز آل سعود، حين تنازل عن فلسطين للمساكين اليهود، طلبا لود بريطانيا اللتي لن يخرج عن طاعتها، ولا يزال يتوارثه الأبناء عن الأجداد حتى تصبح الساعة، أو ما ذهب إليه الأمير الهاشمي، فيصل في مباركة قيام وطن قومي لليهود في مؤتمر باريس، حفظه الأحفاد وديعة عن الأجداد، ناهيك عن سيل الثناء والمديح لما وصل له التنسيق الأمني بين مصر العربية والكيان الصهيوني اللذي قل له مثيل، وفي إنتظار ما سوف تسفر عنه اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني للقيادة الفاقدة للشرعية، اللتي طالما لم تساوي يوما قراراتها، ثمن الحبر اللذي كتبت فيه! وحينما ندرك أن ما يدور، أنما ليس وليد قرار متهور، بل عندما توفرت له الظروف، وإستحقاقات تاريخية طالما تدين لها شرعية أنظمة وعروش حرصا على مصالحها، ولو كان من بعدها الطوفان، فإنما ليس على الجماهير العربية إزاء حالة الترهل والهوان وسيل التنازلات حتى لا تهضم مصالحها بدورها، إلا الإلتفات والإلتفاف حول محور الممانعة والمقاومة، اللذي لم يعرف عنه يوما خذلان قضاياها القومية والمصيرية، ونحن نشهد اليوم كيف انقلب العدو التاريخي إلى حليف إستراتيجي، في الوقت اللذي لم يخذلنا البتة الحليف الطبيعي لأمتنا، في مواجهة كل من يضمر لأمتنا سوءا، من فلسطين وحتى اليمن وسورية!
*فلسطيني مقيم في واشنطن

 
الصفحة 1 من 15