بقلم: عميرة أيسر |

القارئ لخارطة السِّياسة العالمية والإقليمية يلاحظ تكالباً عربياً غربياً صهيونياً غير مسبوق على الدولة الإيرانية يشبه إلى حدِّ بعيد التكالب الذي كان قبل سنوات على تدمير ليبيا أو العراق أو سوريا، وبالتأكيد فإنَّ كل ما يجرى من سياسة تنسيقية عالية بين المحور الغربي الصهيوني والعربي وبالتحديد دول الخليج ليس محض صدفة صرفة، بل كل ما كان يحاك لإيران من سيناريوهات كان يجري الإعداد لها في مراكز إستراتيجية واستخباراتية غربية وإسرائيلية يريدون تطبيقه على أرض الواقع وبالتدريج تماماً كما فعلوا مع العراق قبل تعرضه لتدمير شبه الكامل سنة2003، فالحملة الإعلامية الشرسة غربياً وعربياً على برامج إيران التسليحية ودورها في منطقة الشرق الأوسط يعكس تصميماً صهيونياً أمريكياً وخليجياً على محاصرة إيران وإضعافها ومن ثمَّ ربما القيام بعمل عسكري ضدَّها لإعادتها قرونا إلى الوراء كما فعلوا مع كل الدول التي خرجت عن الدور المرسوم لها في السِّياسة العالمية، لأنَّ مراكز القوة والنفوذ التي تتحكم في الدول العظمى بما فيها أمريكا مستحيل أن تسمح لأي دولة وخاصة إذا كانت تمتلك عقيدة دينية إيديولوجية صلبة وتعادي المشاريع الغربية الصهيونية الاستعمارية وتدعم حركات المقاومة العربية المسلحة ضدَّ أذناب أمريكا على طول رقعة الشطرنج العربية واستطاعت أن تصبح مركزا لفكر المقاوم، ففي هذه الحرب القذرة على الدولة الإيرانية أصبح كل شيء مسموحاً من تلفيق التهم جزافاً بدعمها لجماعات الإرهابية التي وللمفارقات العجيبة يوضع بعضها على لوائح الإرهاب الغربي ولكنها توظف من قبل دوله لزعزعة أمن واستقرار دولنا العربية كالقاعدة وداعش والنصرة وغيرها، فالعدو الأول لنا يجب أن يكون حسب قراءاتهم وخطاباتهم وقنواتهم وجيوش إعلامييهم وسياسييهم إيران ولا يسمح لأي أحد أن يشذَّ عن الإجماع المزعوم، فبعد أن فشلوا في فك الارتباط الاستراتيجي بين الدولة الإيرانية والحشد الشعبي في العراق أو حزب الله في لبنان أو فصائل المقاومة الفلسطينية كحماس والجهاد الإسلامي أو التأثير سلباً على العلاقات المتينة بينها وبين حلفائها في سوريا أو الدولة الروسية التي أصبحت فاعلاً مؤثراً في رسم الخرائط الجيواستراتيجية في منطقتنا وفي مناطق متعددة من العالم، فبعد نجاحهم في ضرب أمن واستقرار سوريا الدولة العربية القومية المحورية يريدون نقل الفوضى الخلاقة إلى طهران، عبر تنفيذ عدة مراحل تستهدف تشويه صورة إيران في أذهان الرأي العام العربي والإسلامي وعزلهاً إقليمياً ودولياً ثمَّ الاستفراد بها بعد أن فشلت سياسة العقوبات الاقتصادية الظالمة ضدَّها طوال10سنوات، فنجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة1979كانت نقطة تحول استراتيجي عميق في موازين القوى العالمية. إذ فقدت الامبريالية الدولية أحد أهم منفذيها في طهران، فالشاه رضا بهلوي كان يؤمن بأنَّ إيران ليس لها دور إلا بأن تكون أحد توابع الغرب في منطقة الشرق الأوسط، ولكن الإرادة الشعبية في طهران رسمت لها نهجاً مختلفاً جعلتها دولة ذات سيادة مستقلة وسياسة خارجية مرتبطة بالأمن القومي الإقليمي لإيران وبالتالي هذا ما خلق لها عدَّة أعداء في النظام الإقليمي العربي والدولي. -فالنظام الغربي والصهيوني يتخوف من تطور وتعاظم المنظومة العسكرية الإستراتيجية الإيرانية، الجيش الإيراني ومنظوماته العسكرية والذي يمتلك منظومات صاروخية إستراتيجية بالستية بعيدة المدى أكثر من1800كلم، وبالتالي يستطيع استهداف دولا إقليمية وخليجية وأوروبية يشكل بعضها تهديداً مستمراً لإيران كإسرائيل والتي تعتبر العدو اللدود للفكر الجهادي المقاوم. فالحساب بين إيران والصهاينة المحتلين لفلسطين مستمر منذ أن أصدر الإمام الخميني رحمه الله قائد الثورة الإيرانية وأول مرشد أعلى لها شعار الموت لإسرائيل، فإيران ملتزمة كما يقول الرئيس الإيراني السَّابق أحمدي نجاد "بمحو إسرائيل من الخريطة" وهذا ما أشار إليه المرشد الحالي للثورة السيِّد علي خامنئي والذي قال: بأنه يجب أن تزول إسرائيل في عضون20سنة القادمة، وهذه الرؤية الإستراتيجية المرحلية الإستشرافية تعني أن تصبح إسرائيل خارج الخدمة باعتبارها قاعدة ارتكازية أمريكية متقدمة وعلى هذا الأساس بنتْ كل الحكومات الأمريكية المتعاقبة منذ عهد روزفلت حلفها الاستراتيجي مع دول الخليج. إذ توفر لها الحماية في مقابل الدعم المالي المستمر والذي يحول جزء كبيراً منه إلى الكيان الصهيوني الغاصب وهذا ما ظهر جلياً للعلن حالياً مثلما يؤكد على ذلك المحلل الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط في موقع تايمز أوف إسرائيل "أفي إيسخاروف" إذ أن هناك دول عربية إقليمية في حلف مع إسرائيل وأمريكا وهذه الدول لم تعد على سلم أولوياتها القضية الفلسطينية بل محاربة إيران التي لم تتوافق مع رؤيتهم لملفات المنطقة وتشكل حجرة عثرة أمام استمرار الدَّعم الاستخباراتي الصهيوني لمشروعهم في تدمير الدول العربية المحورية، والشيء الذي يرعب الغرب ومن يدور في فلكه هو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة يعتبر الشَّعب فيها هو مصدر السُّلطات لأنه على عكس المحيط الإقليمي العربي والخليجي هي دولة تجري فيها العملية الانتخابية في شفافية تامة وبرعاية أممية وهذا ما يضرب مصداقية الإعلام الصهيوني والخليجي والذي يدعي بأنها دولة ديكتاتورية وتنتهج النظام السِّياسي المغلق والذي يعتمد على فرض الرئيس الإيراني بالقوة من طرف المرشد الأعلى وهذه نظرية خاطئة أثبت الإيرانيون بأنها غير واقعية ولا أصل لها في العقيدة السِّياسية للدولة، نقاط القوة المجتمعة في إيران سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ويعتبر اقتصادها واحداً من أقوى وأكبر الاقتصاديات الإقليمية وبالتالي تستطيع الاستغناء عن التبعية والحماية الغربية الأمريكية على عكس دول إقليمية كدول مجلس التعاون الخليجي والأردن أو مصر والتي لا تستطيع أن تكون مستقلة سياسياً لأنها مرتبطة استراتيجياً واقتصادياً بالغرب. -والمراقب لعمل أجهزة الدَّولة الإيرانية وكيفية تعاملها مع هذه الحملات الموجهة يدرك بأنَّ من يسيرون دواليب الدبلوماسية الإيرانية يمتازون بالحكمة والروية والتعقل ويدعون دوماً إلى تهدئة الأمور وإلى الحوار رغم أن الجهاز العسكري متمثلا في وزير الدفاع الإيراني السيِّد حسين دهقان قد أطلق مؤخراً تصريحات نارية كان لها صدى دوليا وذلك رداً على تصريحات الوزير السعودي وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان صاحب رؤية2030التنموية، وذلك عندما قال: بأنه يجب علينا نقل المعركة إلى داخل إيران وهذا التصريح لم يتجرأ على التلفظ به حتىَّ والده الملك سلمان نفسه رغم كرهه الشَّديد لنظام الحاكم في إيران، فالتكالب على الدور الإيراني ومحاولة إشعال ثورة داخلية في إيران أسوة بعدة دول عربية والمراهنة على التناقضات العميقة الموجودة في النسيج الاجتماعي والاختلافات المذهبية والدينية ومحاولة اللعب على وتر الطائفية والنعرات القبلية الإثنية كما فعلوا في دولة مجاورة لها وهي أفغانستان وحتى قبل الغزو الأمريكي لها بعد أحداث11سبتمبر2001بتهمة جاهزة كالعادة وهي دعم الإرهاب ولكن اليقظة الإيرانية والتلاحم بين الجيش والشعب والمرجعية الدينية في قم كفيلة بإحباط كل المحاولات الغربية الصهيونية الخليجية لنيل من الوحدة الجغرافية والأمن القومي للدولة، لأنه في حال انتقال الفوضى المبرمجة لهذه الدولة الإقليمية الكبرى فإنَّ هذا يعني إضعاف الكثير من حركات المقاومة التي تعتبر أن عدوها الأول الكيان الصهيوني وكل أذرعه وأزلامه في المنطقة العربية وإنهاء المشروع التحرري من نير الاستعمار الصهيوني والسَّماح بإنشاء إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، فالحذر الأمني الإيراني أدى إلى إحباط أكبر عملية إرهابية للجماعات الإرهابية كانت ستضرب طهران وعدة محافظات إيرانية غيرها وذلك حسب ما جاء في موقع قناة العالم بتاريخ20حزيران/يونيو2016وتناقلت الخبر وكالات أنباء عالمية، فالتصريحات التي أطلقها السيِّد حسن روحاني بأنَّ إيران مستعدة لإحباط كل المؤامرات ضدها لم تأت من فراغ، وإنما جاءت نتيجة معطيات استخباراتية دقيقة وبالتالي فالدولة بكل أجهزتها السِّيادية والأمنية قادرة على التصدي لكل الهجمات الناعمة والصلبة التي استهدفتها ولا تزال ولا حلَّ أمام الرئيس ترامب والدول الخليجية إلا الجلوس على طاولة المفاوضات والحوار مع إيران كما نصح بذلك السيِّد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني في العديد من خطاباته الموجهة في العديد من فقراتها ومضامينها لدول الخليج العربي، فالإستراتيجية الأمريكية الصهيونية العربية مصيرها الفشل الذريع لأنه عبر التاريخ لا يمكن هزيمة دولة أو شعب إلا إذا قرر الاستسلام وهذه ليست عقلية النظام أو الشعب الإيراني يقيناً.

* كاتب جزائري

 
نشر في مختارات