كريم العبيدي |

الهجرة السرية او غير الشرعية او..."الحرقة"

ظاهرة عالمية تصنف في المرتبة الثالثة تبعا لخطورتها بعد المتاجرة بالمخدرات والاسلحة، وقد تفاقمت في العقود الاخيرة خاصة في دول الجنوب او "الهامش" نحو دول الشمال او "المركز".

وقد ازدادت وتيرتها  بعد موجة ما يسمى بالربيع العربي،  آخرها انقلاب قارب في السواحل الليبية يحمل قرابة الألف من الافارقة،  ولئن انخفضت وتيرتها في تونس مقارنة بالسنوات الأولى للثورة، فان الهجرة هاجس ظل يلاحق احلام الشباب لتتحول الى ظاهرة  تحتاج منا الى دراسة واعية من اجل بيان اسبابها ونتائجها.

الهجرة السرية في معناها العام والرسمي هي التسلل عبر الحدود البرية أو البحرية والإقامة بدولة أخرى بطريقة غير قانونية. هذا التعريف القانوني هو تعريف لا يستوفي حقيقة الكارثة ولا يعبر عن حجم الظاهرة. هو تعريف يحيط بماهية الهجرة  ولا يغوص في عمق ماساتها. لذلك نجد كلمة بديلة هي اقرب للوجدان  نستطيع من خلالها ان نعيش  كل الأفكار ونتحسس كل ضروب الألم والقهر والانكسار هي كلمة"الحرقة". كم منا استوقفته هذه الكلمة وبحث عن معانيها. كم منا عاش مرارة التنقيب والنبش في جذورها  من اجل فهم دوافع "الحارق" او "المحروق".

"الحرقة" كلمة شعبية  تحمل معان عميقة فهي تعني التجاوز والتمرد على القانون وتحمل في طياتها التحرر من القوالب السلطوية وتكذب كل الوعود التنموية  وفي نفس الوقت هي حال ذات "الحارق" الذي احترقت احلامه بوقود الفقر وهشيم الحرمان وهي حال الشعب المحروق بنيران الظلم والبطالة والتهميش وهي حال الوطن المحروق بنيران أنظمة امتصت خيراته ثم احرقته على انغام "نيرون". من خلال هذه الكلمة يمكن أن نحدد اسباب الحرقة ودوافعها كما يمكن لنا ان نشاهد نتائجها الوخيمة.

الدارس لظاهرة الحرقة يجد العديد  من الاسباب المتشابكة التي جرت أبناء هذا الشعب المحروم الى مغادرة ارض الوطن ومفارقة الأهل والأحبة والتوجه نحو المجهول ونحو ....الموت.

المنتدي التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أعد دراسة قيمة حول أسباب الهجرة السرية من خلال دراسته لخاصيات المهاجرين غير الشرعين فتبين أن 45 بالمئة من المهاجرين من فئة العاملين ذوي الدخل المحدود القادمين اما من الاحياء الشعبية في العاصمة او من المناطق المهمشة الداخلية، يقول مدير المنتدي عبد الرحمان الهذيلي "ان اسباب الهجرة لم تتغير قبل الثورة وبعدها وأن العامل الاقتصادي يبقى المحدد الاساسي لقرار هؤلاء الشبان ركوب البحر باحثين عن مستقبل افضل"، ويضيف "خلال زياراتنا الميدانية لعائلات المهاجرين وخاصة المفقودين منهم اكتشفنا حالات من فقر  لا توصف وتوصّلنا ان اوضاع كهذه لا يمكن ان تنتج الا مهاجرا غير شرعي او سلفي جهادي".

الى جانب هذا السبب نجد أن هناك أسبابا أخرى في غاية الأهمية  من بينها غياب التوازن بين التعليم في تونس وبين سوق الشغل. فغالبية اصحاب الشهائد العليا لا يجدون موطن شغل داخل اختصاصاتهم وان وجدوا  فخارج الاختصاص باجر لا يكفل حياة كريمة ولا يمكن الاعتماد عليه لبناء المستقبل، والبقية يلتحقون بجيش العاطلين. من جهة اخري نجد في تونس العديد من الشعب "الوهمية" التي لا مستقبل لها او شعبا تجاوزت الحد المطلوب فيبقي خريجيها في قائمة الانتظار الابدية. العامل الثالث هو تزعزع ثقة الشباب بالمستقبل حيث اثبت المنتدي ان نسبة 24 بالمئة من المهاجرين غير الشرعين هم تلاميذ، وهو معطى جديد يدل علي وعي هذه الفئة بانسداد الافق خصوصا امام ما تشاهده من تفشي ظاهرة البطالة في صفوف البالغين .

السبب الثالث هوغياب النظام الوطني  في تونس  الذي يكون قادرا على قطع امتداد الماضي نحو المستقبل ويعالج المشاكل الشعبية من فقر وحرمان وبطالة وتنمية وعدالة اجتماعية . الى جانب انعدام الديمقراطية الحقيقية والحرمان السياسي وغياب حقوق الانسان، كل هذه الاسباب أدت الى حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي والرغبة في البحث عن ملجا امن يحقق للتونسي الكرامة الانسانية وحرية الراي والتعبير عن الذات. وفي هذا السياق قال رئيس الحكومة الاسباني الاسبق "فليب قونزالس" "لو كنت شابا مغربيا لحاولت الهجرة ولو امسكوني لحاولت مجددا"، ويبرر هذا القول معرفة الاوروبين بالظروف التي يعيشها الشباب في دول المغرب العربي والتي يسودها طابع القمع السياسي والاستغلال الاقتصادي والاقصاء الاجتماعي، وهذا ما عبرت عنه مجلة العرب الاسبوعي في مقال تحت عنوان "ازمة انسان ام ازمة امة" "الهجرة السرية هي صرخة شباب امام الفساد الاداري اصبح الشاب يسعى لابتكار طرق جديدة تضمن له الحرقة باقل الاضرار"، لكن هل هذا القول لامس الحقيقة .

في بعض الاحصائيات غير الرسمية بلغ عدد المهاجرين غير الشرعين في تونس حوالي 40الفا بينهم اكثر من 20بالمئة مفقودين و5بالمئة ماتوا قبل يصلوا الي شاطئ احلامهم والبقية الناجية اغلبهم يعيش مشردا بين الازقة وتحت الجسور ويتنقل ليلا كي لا تقبض عليه الشرطة.

ان هذه الاحلام سرعان ما تصطدم بواقع صادم تحكمه في الكثير من الحالات عنصرية اليمين المتطرف والاستغلال الفاحش للراسمالية فيجدد العديد من المهاجرين انفسهم مجبرين على ولوج عالم الجريمة اذ يتم الزج بهم من قبل عصابات المافيا في تجارة المخدرات وممارسة الدعارة.هي اذا "الجنة الراسمالية "بكل توحشها واستغلالها ونظرتها الدونية للمهاجرين .

ان هذه الظروف مجتمعة تهئ للمهاجر السري الارضية الخصبة ليصبح شخصا ناقما فيكون بذلك فريسة سهلة اما للعصابات "المافيوزية" او الجماعات"السلفية-الاخوانية" التي تتولى تشغيله او ارساله الي سوريا لخدمة مشروع الاستكبار العالمي فنتهي احلامه بالسجن او الترحيل او الموت .

ومن هنا من حقنا ان نتساءل، من هو الجاني الحقيقي، المهاجر الذي يشاهد الموت يوميا ام الانظمة الحاكمة التي سببت في هجرته وفي موته؟ من هو الضحية ومن هو الجلاد؟

اليس من حقنا ان نعيد طرح الاشكال بصيغة جديدة فنقول عوضا عن الحديث عن المهاجرين غير الشرعين لماذا لا نتحدث عن المهجّرين قسرا عن وطنهم  ونعيد لهم حقا كان قد سلب منهم؟؟؟