الجمعة, 06 تشرين1/أكتوير 2017 11:30

عن الحوراء زينب: "ما رأيت إلا جميلًا"

قيم الموضوع
(0 أصوات)
عن الحوراء زينب: "ما رأيت إلا جميلًا" الحمد الله الذي أكرمنا بنبيه، وطهرنا من الرجس تطهيرً

لم ننطلق للحديث عن السيدة زينب (ع) من منطلق طائفي مذهبي متعصب، بل من منطلق إنساني بحت.. فالكلام عن هذه السيدة يأخذنا إلى جوانب متعددة سياسية، ثقافية، أخلاقية، اعلامية ورسالية... فالباحث المتأمل في خصائص شخصية السيدة زينب بنت علي (ع) يكشف ويلمس رباطة جأشها ومتانتها وصلابتها منذ صغرها، فهي التي شهدت الكثير من البلاءات والمؤامرات والمصائب أمام عينيها، إلا أنها صبرت وهذا الصبر يجب التوقف عنده مليًا. فمن خلال هذه القيمة استطاعت أن تقارع أعتى الرجال وأشدهم قسوة بالحُجة وبالخطاب المتماسك المتين المعاني، لتكون عندها أنموذجًا لكل انسان يسعى للكرامة وللحرية... فهي من خلال مواقفها ووقفاتها البطولية وخطبها ليست فقط قدوة للنساء بل للرجال أيضًا، الذين رأوا فيها الشجاعة البطلة المؤمنة والاعلامية الأولى التي استطاعت ورغم هول ما حصل في كربلاء، أن تبقى متماسكة صابرة محتسبة، لأنها تعلم أنّ انهيارها النفسي يعني أنّ رسالة جدها وأبيها وأخيها ستذهب أدراج الريح، فهي العالمة بمدى ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها، فجمعت قواها رغم الحسرة والغصة في قلبها وقارعت الحاكم الجائر يزيد وكشفت كذبه وافتراءه على آل بيت النبوة.. 

وهي المرأة الشجاعة التي يذكر لنا التاريخ هذا الحوار الذي حصل في قصر الإمارة بينها (ع) وبين عبد الله بن زياد الذي خاطبها بقوله: "الحمد الله الذي فضحكم وقتلكم وكذّب أحدوثتكم"، فردت عليه بكل بطولة:" الحمد الله الذي أكرمنا بنبيه، وطهرنا من الرجس تطهيرًا، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا يا ابن مرجانة". هذا الموقف درس بحد ذاته بأن لا يسكت الإنسان عن حقه وأن لا يخضع ويخنع أمام الحاكم مهما بلغ ظلمه، وهذا أيضًا من الناحية النفسية يتطلب شجاعة وثقة بالنفس وبالقضية التي يحملها، وهذا ما حصل بالفعل مع السيدة زينب (ع) التي أعطت النموذج والقدوة كيف يجب للمرأة أن تكون عندما ترى الخطأ والظلم، وبأن عليها أن تمتلك الصلابة والإرادة في سبيل تحقيق الأهداف والمهام المطلوبة منها لحفظ القيم ولحفظ كرامة الانسان.

إذن السيدة زينب استمدت قوتها من آلامها لتوجه خطابًا قرعت فيه أهل الكوفة لتخاذلهم عن نصرة أبي عبد الله الحسين، وجعلتهم يشعرون بالندامة وبالحسرة على ما اقترفوه لدرجة وكما يقول المؤرخون بأن المجلس ضج بالبكاء رجالًا ونساءً، ومما جاء في خطبتها بالكوفة:" يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، تتخذون إيمانكم دخلًا بينكم.. ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف؟ والصدر الشنف؟ وملق الإماء؟ وغمز الأعداء".. فمن يقرأ هذه الكلمات وهو يعلم ما جرى عليها من نوائب سينحني احترامًا وتقديرًا لها.

هناك نقطة أخرى لا بدّ من الإشارة إليها تتعلق بعامل الوراثة إضافة الى التربية الصالحة وتأثيرها في أخلاق وسلوكيات الانسان، فعندما يمتلك رب الأسرة الايمان الحقيقي المحصن بالقيم السماوية ببعديها أي العبادات والمعاملات (السلوكيات)، سيسود البيت جو من الانقطاع لله وسيكون هناك بناء وصناعة للشخصية الايمانية. وهذا ما عاشته وتربت عليه السيدة زينب (ع)، إضافة إلى ما حباها الله من خصائص ومميزات جعلها بالفعل أن تكون القدوة.

نأتي بعدها إلى النقطة الأهم وهو دورها الاعلامي بكشف ما حصل في واقعة الطف أمام كل من التقتهم خلال مسيرة السبي، ولتفضح فساد وجرم ما اقترفه الحاكم الجائر يزيد، ومن ثم خطبتها أمامه بكلام لا يمكن للتاريخ أن ينساه، فحتى يومنا هذا لا يزال يتردد على لسان كل أم شهيد، على لسان كل مظلوم، كل ثائر وطالب للحق، هذه العبارات التي شكلت الوعي الجمعي حول ما يمكن تسميته بثقافة مقاومة الظلم وصناعة مجتمع المقاومة... عبارتها "ما رأيت إلا جميلًا" دخلت القلب وسكنت الوجدان وتحولت إلى دافع ومحفز لمواجهة الظلم والجور بعيدًا عن الانكسار، بقلب ملؤه الايمان والرضا بقضاء الله وقدره.

أما خطبتها أمام يزيد فقد كانت بيانًا إعلاميًا عالميًا فضح جرائمه وكشف حقيقته ومكانته، خطبة مليئة بالتحدي وقول الحق، سنظل نرددها على مدى الأزمان، ومما جاء فيها:" فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند وأيامك الا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين".

نسرين نجم- إختصاصية في علم النفس الاجتماعي- بيروت برس - 

 
قراءة 3865 مرات آخر تعديل على الجمعة, 06 تشرين1/أكتوير 2017 19:39