الخميس, 09 تشرين2/نوفمبر 2017 07:29

إيمان شمس الدين: الله وفقهاء السلطة والسياسة

قيم الموضوع
(0 أصوات)

راجت في الآونة الأخيرة بضاعتين ، بضاعة السياسيين وبضاعة الفتاوى ، فأصبحت علاقة الربح بينهما علاقة طردية ، الفتوى في خدمة السياسة والسياسة في خدمة الفتوى ، حتى بات بعضنا بل جلنا يخشى أن يكتب مقال مغاير لمزاج المفتي فيقوم باصدار فتوى تدور في رحى التحريم أو هدر الدم.

والفتوى جزء مهم من الدين الذي شرعه الله ، والفقيه هو الذي يحمل أمانة الدين ويكون سفير الله على الأرض وممثل الدين بين الناس لا كمرجعية مطلقة تتدخل في كل شاردة وواردة ، بل كجهة محورية تلعب دورا هاما في حياة الناس خاصة فيما يتعلق بالضبط الفردي والاجتماعي لما للفتوى من تأثير تحريكي وتحفيزي للفرد والمجتمع.

ولكن ماذا عن الله والسياسة ؟ .. لقد لعب كثير من المفتين دور الله بل أغلبهم أصبحوا هم الله ، وأما الله تعالى فتم التعامل معه من قبل كثير من السياسيين والمفتين كما تعامل أهل مكة قبل ابتعاث النبي محمد صلى الله عليه وآله ، إذ أشركوا ربوبيا بالله ، اعتقدوا بوجوده لكنهم اعتبروه فوض تدبير الكون وأمرهم لأصنام تقربوا إليها بكل ما يملكون وقربوا إليها حتى أنفسهم.

وهل حالنا مغاير ؟ لا أعتقده كذلك ، فالسياسي بات ربا للسياسة يديرها وفق مصالحه هو ويعطي لنفسه الحق في كل شيء ثم يتحفنا بلا مدخلية الدين بالسياسة ، فما هو حق له في التشريع والتنظير السياسي ليس حقا لله الخالق لكل الكون والوجود ، إلا أنه حينما يقع في مأزق يحتاج فيه تحريك الجماهير فهو يذهب ليطرق باب الفقيه الذي نصب نفسه إلها يفهم بالدين أكثر من صاحب تشريع الدين ، ليعرض رب السياسة مشكلته على رب الدين فيفصل الثاني فتوى تناسب مقاس السياسي وتحل له معضلته ، ليطلق عنانها كفتوى عليها ختمه ويبشر الناس بالجنة لأنه هو الله الذي يصنف الناس بين الجنة والنار.

فبين جهاد المناكحة وتفجير النفس في المدارس والمخابز وبين الناس وعلى الطرقات وبين السياسيين حكاية وصل ترويها فصول الحروب المذهبية التي تريد تلك الفتاوى إشعالها لا لشيء إلا لتمكين السياسيين من طموحهم السلطوي ورغبتهم في النفوذ والهيمنة .

فتاوى الموت باسم الله ، ليصبح الله في السياسة حتى عند العلمانيين يمثله الفقهاء، فتاوى غالبها ليس لتعبيد الدنيا للناس وخدمتهم ولا لإقامة العدل الذي كان هدف بعثة الأنبياء ، بل فتاوى غالبها تطغى عليها رائحة الموت والكره والجنس والقتل والاقتتال ولو عرضناها على القرآن لاكتشفنا كيف كمن الشيطان في تفاصيلها.

لقد تحالفت السياسة مع الله ، ولكن الله هنا هم فقهاء السلطة .. تحالفوا ضد الناس وإنسانية الإنسان ، تحالفوا ضد الدين باسم الدين ، وتحالفوا ضد الله بحجة التفويض من الله .
تحالفوا لاستخدام آلة الدين للدنيا وبدل أن يكون الدين في خدمة الإنسان وتكامله حولوه لأداة لقتل الإنسان وتخديره ليصبح بأيديهم واقعا أفيون الشعوب ، بدل أن يكون محركهم نحو الثورة في كل اتجاهاتها.

الفقهاء والسياسة أصبحا الصنم الذي فرض علينا كشعوب عبادته لنسبّح بحمدهم ونستقبل قبلتهم ونكون قرابينهم باسم الدين لتحقيق رغبتهم في الملك.

وكلما ضاقت بالسياسيين ترقبوا كيف يتحرك بعض فقهاء السلطة فيطلقوا فتاواهم في فضاء الناس فتنفرج الأزمة ، وتسيل دماء الناس قرابينا لانفراج أزمة السياسي . فما يريدون تحقيقه من مكاسب سياسية لابد من فتوى تحرك الميدان وتضغط كي تتقدم المفاوضات باتجاه رغبة السياسي.

ولا بواكي على عقول الجماهير التي غيبتها سلطة الاستبداد وحجمت همومها من هم الكرامة والعدالة إلى هم رغيف الخبز وجهاد المناكحة، وسلمت الجماهير عقلها للمستبد بفتوى فقهاء السلطة إذ لا خروج على ولي الأمر.

 
قراءة 1685 مرات آخر تعديل على الخميس, 09 تشرين2/نوفمبر 2017 10:28