الأربعاء, 15 آذار/مارس 2017 17:06

الجهد الاستشراقي بين المصلحة والإنصاف

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي |

    شاع عن الجهد الاستشراقي انه ( استعماري ) و( تبشيري ) و( مصلحي )، وهذه هي النظرة العامة عنه ( عربياً ) و( إسلامياً )، والتي تعكس واقعا حقيقيا، رغم عدم خلوها من المبالغة المغدقة في العداء المبني على أسس غير علمية في بعض الأحيان .

أما النظرة العقلانية والإسلامية الحقيقية؛ فهي تلزمنا بمحاكمة الجهود والآراء وفق قاعدة : ( الإنصاف ) و( اعطاء كل ذي حقٍ حقه ) .

نعم، كان من ضمن زمرة المستشرقين من دفعه عداءه لكي يكتب عن الإسلام، وعن التراث الإسلامي، وعن الشخصيات الإسلامية بنفسٍ معادٍ، وبأسلوبٍ مشوه للحقائق.

كان من ضمن المستشرقين من دفعه ( النفس التبشيري ) إلى اعتبار الإسلام عدواً للمسيحية، بل هو ـ عندهم ـ ليس بدينٍ أصلاً والواجب محاربته بالقول والسلاح معاً.

وكان فيهم من كان ضمن طلائع الغزو الاستعماري الذي استشرى في أرجاء الكرة الأرضية في تنافس محموم للبحث عن الثروات من قبل الدول الأوروبية وبأي وسيلة كانت .

في هذا الوسط بأجمعه، ورغم كل ما ذكرنا، فلقد برزت شخصيات اتخذت نهجاً عقلانياً معتدلاً تميز بالإنصاف والبحث ( العلمي العلمي ) المنصف الباحث عن الحقيقة وسط ركام التاريخ. تيار تميز بأنه كان يقلب الصفحات تلو الصفحات حتى النهاية، لا يتوقف عند قول ليحكم وفقه، ولا يبحث عن الثغرات ليعتبرها ( سُبة ) أو ( خلل )، بل يعتبر ذلك شيئاً وارداً وطبيعياً جداً.

أطلعت هذه الثلة على الكم الهائل من الكنوز التاريخية، وانبهرت بها، ووجدت بها ما لم تجده ولم تسمع به عند غير شعوب. انه كم هائل من الأسس المعرفية والعلوم التي لم تجتمع في مكان ما ابداً .

و اجمل ما يمكن ان نضرب به مثالاً هو مطالعة كتاب ( مع المخطوطات العربية ) للمستشرق الروسي ( كراتشكوفسكي )([1])، والذي ذكر فيه ( منبهراً ) و( منصفاً ) الجهود العلمية للعلماء ( العرب ) و(المسلمين ) وما قدموه من علوم لم يسبقهم بها أحد .

والكتاب الآخر، هو كتاب المستشرقة الألمانية ( زيغريد هونكه )([2]) الموسوم بـ(شمس العرب تسطع على الغرب )، والذي توضح فيه ما للعرب والمسلمين من اسهام كبير في التطور الحضاري عموماً والتطور الحضاري في أوروبا بشكلٍ خاص .

وبعد كل ما تقدم نقول: للمصلحة والعداوة الدور الأكبر في بلورة افكار الكثير من المستشرقين ليكتبوا عن الإسلام وفق هذه التأثيرات ويحكموا وفقها. لكن ووسط كل هذه الحملة الشعواء نجد اصواتاً منصفة ـ من المستشرقين ـ تقول بما تؤمن به، وتتبع الدليل لتحكم وفقه، وتلك الطبقة هي طبقة المنصفين من المستشرقين .  


([1] ) إغناطيوس كراتشكوفسكي ( 1883 ـ 1951 م ) .

([2] ) زيغريد هونكه ( 1913 ـ 1999 م ) .

 
نشر في فكر وحضارة