بقلم: محمد بن عمر |

يقتل كل يوم أطفال اليمن، فلا يؤبه لهم، كأنهم خارجون عن الانسانية، وما تستوجبه من حقوق، وتمر الغارات الجوية للتحالف السعودي الأعرابي الصهيوني الأمريكي مرور اللئام، على الذين يقبضون السحت من ممولي الإرهاب، فئات متنوعة إعلام وجمعيات وأحزاب وحكومات، مستترين بتغطية الغرب، المتظاهر برعاية حقوق الانسان، فلا يسمع لهم صوت احتجاج و تنديد، وفضح لما يجري من انتهاكات، غاية في الفظاعة والوحشية.

الحرب العدوانية التي شنها ال سعود، ومن تحالف معهم على اليمن بالمقابل المادي، تجاوزت عامها الثاني، مخلفة دمارا كبيرا، في مدنه وقراه وبناه ومكتسبات شعبه، ونزوحا سكانيا كبيرا، افقد الباحثين عن النجاة بواسطته، من صواريخ وقنابل طائرات العدوان، أبسط ضرورات الحياة، وتزداد هذه الحالة سوءا يوما بعد يوم، حيث يشهد العالم آثار العدوان، في تفشي الامراض بين اطفال اليمن، بسبب تدمير المرافق الصحية وفقدان الادوية، وسوء التغذية التي أوجدتها حالة الحصار المطبق الذي يعيش تحته الشعب اليمني، بما سيفتح عليه باب مجاعة، تعتبر اشد فتكا من العدوان نفسه، والعالم على مرأى ومسمع من ذلك كله، وقليل ممن حرك ساكنا في اتجاه اتخاذ موقف عالمي حازم وملزم، ينقذ أهل اليمن وأطفاله من الابادة، ويوقف بموجبه اجرام مملكة الشر والتآمر على اليمن.  

ويقتل اطفال كفريا والفوعة (سوريا) المغادرين لبلدتيهم، باتفاق مبرم بين الجماعات الارهابية المحاصرة لهما، والنظام السوري، برعاية وضمانات روسية، بتخطيط وخداع واستدراج، فيتحلقون حول العربة المفخخة، القادمة من مناطق المسلحين، ظنا منهم بأنها تحمل لهم الغذاء،  فيتحولون في لحظة إلى أشلاء، وقطع وبقايا أجساد متناثرة، على مدى مساحة تأثير الإنفجار، وتفقد أعداد أخرى من هؤلاء المساكين، فلا يدرى مصيرهم إلى الآن.

ويقتل أطفال العراق في كل مكان، بالأحزمة الناسفة والمفخخات، بدواع طائفية محضة، يرى فيها المنفذون أنها قربة لله، ويعتبره الممولون، أسلوبا للوصول الى تحقيق هدف، تأسيس شرق أوسط جديد، قطعا للطريق أمام قيام المنظومة الإسلامية العالمية، المهددة للإستكبار العالمي وأدواته ومشاريعه.

ويجد أطفال افغانستان أنفسهم بين فكتي كماشة القتل، على أيدي قوات التحالف وقصفها الخاطئ من جهة، وعلى أيدي طالبان وتنظيم القاعدة من جهة أخرى، فلا يجدون من يأتي عليهم بذكر، ليضيع دمهم بين معتدين، قد أسقطوا من أجنداتهم مراعات هؤلاء القصر الأبرياء. 

ويقتل البوذيون، أطفال المسلمين البورميين في بورما بكل وحشية، حرقا وسحلا، وسط صمت عالمي، يوحي بأن كل هذه الاعتداءات، مؤامرة تصفية وابادة، تنفذ ضد كل ما يمت إلى الإسلام والمسلمين بصلة، لتتواصل أعمال الإبادة، ضد 15% من السكان الأصليين، ولا حياة لمن تنادي.

افتضاح سياسات الغرب، حيال ما يجري من انتهاكات فظيعة، جعلته يكشف وجها قبيحا مخادعا، فئويا وعنصريا، يرى جنسه واعتقاداته وأولاده فوق المتناول، ومقالاته بشأن الانسان وحقوقه، ليست قابلة للتطبيق خارج منظومته، وهو بالأساس لا يرى الانسانية الاخرى، سوى مخلوقات مسخرة لنمائه وترفه وتفوقه.  

الإرهاب المنظم، هي الحالة الجامعة التي ألفت بين هذه الجرائم، واجتماع الغرب المستكبر(امريكا وحلفائها)، مع الأعراب العملاء، بمذهبهم الوهابي المنحرف، في الشرق الأوسط والبلدان العربية، مع ما يرتكبه البوذيون المتعصبون في ميانمار، من أعمال إبادة بحق مواطنيهم من المسلمين، بحيث لا تكاد تفرق بين هذا وذاك في جرائمهم، وان اختلفت الاماكن وتعددت العناوين.

هذا الصمت المريب، الذي نشهده كل يوم، حيال ما يجري، يدعونا الى ربط الاحداث ببعضها، وقراءتها بما يكشف العلاقة الوثيقة بينها، فإذا المستهدف واحد وهو الاسلام، والضحايا كثر، على اختلاف أعراقهم، وهم المسلمون، والهدف أصبح أوضح من الشمس في رابعة النهار، ليس دونها سحاب، صياغة مؤامرة جديدة، تستهدف تدمير الأمة الاسلامية، والعودة بها الى العصور المتخلفة، لتستغل من جديد، بما يضمن للقوى الغربية الإستكبارية، بقاءها على رأس الهيمنة عليها، أمدا آخر من الزمن.

وأمام ما يجري من احداث خطيرة ومؤلمة بقساوتها، يجب علينا كمسلمين أن نعي جيدا، أن نعمل على صم آذاننا، عن كل دعاية مشبوهة، تهدف الى إيقاع الفرقة والفتنة بين مكوناتنا الاسلامية، وأن نعلم على صياغة قاعدة من التفاهم المبدئي، على أساس ما نمتلكه من قيمنا، التي تدعو بالأساس الى نبذ التنازع، وتأمرنا بأن يكون أمرنا جامع وموحد، أمام جميع التحديات والأعداء، لقد آن الاوان - وإن لم يكن قد تأخر نوعا ما - لوقف الخرق الذي أحدثه أعداءنا في صفنا، وإعادة لحمته طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والا فيا خيبة المسعى.

 

الشيخ ليث عبد الحسين العتابي |

      ان المدقِق في مصطلح ( الإرهاب ) سيلاحظ ومن حيث الفهم الأولي غموضاً واضحاً من حيث الوضع العام له . وكذلك سيلاحظ ـ وهذه المرة بدقة أكبر ـ تهافتاً استعمالياً واضحاً لهذا المصطلح .

ويمكن أن نبين هذه الملاحظات بالنقاط التالية :

1ـ الغموض الواضح في حقيقة هذا المصطلح الناشئ من خلال : ( اختلاف اللغات، واختلاف الأديان، واختلاف الثقافات، وتباين العقائد، وتباين الأيديولوجيات ) .

فبعد أن أصبحت اللغة ( الإنكليزية ) وبسبب انتشارها الواسع لغة التخاطب العالمي ( Global Language ) بهذا السبب انتقلت الدول الناطقة بالإنكليزية لتمسك زمام إدارة العالم وتنشر ثقافتها الخاصة عن طريق اللغة، فأصبح المرء لا يستطيع أن يولي شمالاً أو جنوباً إلا إذا تكلم الإنكليزية .

    إن مأساتنا الكبرى في تعاملنا مع مصطلحات اللغات الأجنبية بشكل عام، والمصطلحات الإنكليزية بشكل خاص هو الوقوع في أخطاء تجاوزت الترجمة والتي تتغافل ـ بقصد أو جهل ـ عن إبعاد المصطلح في اللغة والثقافة التي كُتب فيها.

2ـ تعدد التعريفات للإرهاب : فلقد تعددت التعريفات بشكل ملفت للنظر مما سبب إرباكاً واضحاً لكل قارئ، بينما من المتعارف ان من شأن المصطلحات أنها : جامعة للمعرف ومانعة من دخول الأغيار .

3ـ عدم وفاء مصطلح ( الإرهاب ) للمعاني الداخلة تحته : فموارد ( الإرهاب ) أوسع من أن تحصر تحت هذا اللفظ، ذلك لأن ظواهر العدوان واسعة، ومتعددة الجوانب، ومختلفة الطرق والأساليب .

4ـ التباين في تحديد المصطلح من حيث الفهم أو التطبيق، سواء أكان ذلك عن عمد أو لا .

فنجد في أبحاث القسم الفيدرالي لمكتبة الكونغرس الأمريكي ما نصه : ( تتنوع تعاريف الإرهاب على نحو واسع، وعادة تكون غير ملائمة، حتى باحثي الإرهاب غالباً يهملون تحديد الاصطلاح ... وبالرغم من ذلك ربّ عمل ينظر إليه في الولايات المتحدة بحسبانه عملاً إرهابياً لا يرى كذلك في بلد آخر، ونوع العنف الذي يميز الإرهاب عن غيره من أنواع العنف كالجرائم العادية، أو عمل الجيوش في أوقات الحروب يمكن أن يُحدد بعبارات تجعله معقولاً).

و هنا تقع الازدواجية القاتلة لكثير من المفاهيم الغربية بشكل عام، وللمفاهيم الامريكية بشكل خاص، وهنا يمكن أن نذكر الملاحظات الآتية :

أولاً : نجد غزواً يرافقه عنف يؤطر بإطار الدفاع عن النفس وحفظ أمن الدولة الفلانية، والجماعة الفلانية، ونرى دولاً ومنظمات دولية تؤيد ذلك ولا تعتبره عنفاً أو ارهاباً أبداً .

و أكبر مثال على ذلك ما تفعله إسرائيل مع الفلسطينيين، ومع لبنان، وفي الوقت الحاضر مع سوريا، بل وحتى مع العراق وافغانستان، ودول أخرى .

( فمشروع المقاومة الجهادي بدأ يفرض وجوده بالتحدي الأكبر للعدو الصهيوني بلا منازع، ولدرجة حتى الأحزاب الفلسطينية غير الإسلامية بدأت تتبنى مشروع المقاومة الإسلامية الجهادي، وأصبحت ثقافة الشارع الفلسطيني ثقافة استشهادية عامة وشاملة، مما جعل آرييل شارون يفشل في تنفيذ وعوده في القضاء على الانتفاضة في مئة يوم، فمضت سنوات ولم تمت ثقافة الاستشهاد ولم تتوقف في إنتاج قوافل الاستشهاديين . تجذّر المشروع الجهادي بحيث أصبح ثقافة عامة في الشارع الفلسطيني ؛ يعد سبباً أساسياً من أسباب دفع الصهاينة، وعبّر لوبيهم في الإدارة الأمريكية إلى احتلال العراق والبدء بخطوات هجومية شاملة انطلاقاً من ساحة هذا البلد )  .

ثانياً : نجد احتلالاً وتجاوزاً يؤطر بإطار حفظ الأمن العالمي، أو ما شاكل ذلك .

و مثاله ما تحججت به امريكا سابقاً في غزواتها الطائشة الكبرى في أمريكا الجنوبية، وأسيا . وما صنعته كذلك في غزوها لأفغانستان، والعراق .

( لعل القول بأن أمريكا ذهبت لاحتلال العراق واسقاط نظامه لتدمير أسلحة الدمار الشامل، هو استخفاف بعقول الناس بعد انكشاف كذب التقارير الاستخبارية واعتراف المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم بوش الأبن بهذا الكذب وبخداعهم للأمريكيين وللرأي العام . فالدوافع الأمريكية لهذا الزحف العسكري يرتبط بمشروع أمريكا الكوني ولا يرتبط بالعراق والمنطقة فحسب ... )  .

ثالثاً : نجد قتلاً وإبادات عرقية ومذهبية تؤطر بإطار حفظ المكون الفلاني، أو الحفاظ على الدين الفلاني .

و هذا ما أورده التاريخ في مذابح أمريكا للهنود الحمر، وذبح المغاربة على يد الفرنسيين، وذبح الأرمن على يد الأتراك . كل ذلك وسط إبادات عرقية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً تجاوزت كل الحدود والتصورات.

رابعاً : نجد قتلاً وتمثيلاً وتشريداً يندى له الجبين يؤطر بإطار إقامة دعائم الدين القويم وذلك على يد جماعات ضالة، مدعومة من دول استكبارية .

و هذا ما شهدناه ونشهده في سوريا بالتحديد، وكذلك في العراق، من قطع الرؤوس، وشق الصدور، وأكل القلوب، كل ذلك باسم الدين الإسلامي !؟

إن مسألة تشويه الإسلام تعتبر من أهم المسائل التي شغلت أعداءه، وبالخصوص عند من يعتبرون الإسلام منافساً لهم، وبانه قد أخذ منهم مكاسبهم وأراضيهم .

لقد بدأ الصراع مع الدين الإسلامي صراعاً حربياً تقليدياً، ثم انتقل إلى صراع فكري وبإهداف ووسائل خبيثة .

لقد كان أكثر هذه الوسائل تأثيراً هو من خلال ضرب الإسلام من الداخل، لتبيين التناقضات الداخلية فيه من خلال تأجيج الصراعات بين الفرق الإسلامية، وكذلك وصمه بالإرهاب من خلال إظهار ما يفعله بحق الآخرين ممن لا يدينون به !

لقد ظهرت جماعات وفرق كثيرة على طول التاريخ أدت هذا الدور بجدارة، وشوهت الدين الإسلامي، ونجحت بذلك، حتى وصم الدين الإسلامي بالإرهاب، وأصبح يعرف بدين القتل، والترهيب، بل دين كل اللاإنسانيات في جميع الكون، وقاد هذا الدور في تاريخنا المعاصر النحلة الوهابية ، ومن ثم تنظيم القاعدة ، وأخيراً وليس آخراً تنظيم داعش  .

( لقد أصبح الإرهاب مشكلة تواجه العالم كله، فما من بقعة من بقاع الأرض إلا وطالها شر الارهابيين، لقد آذى الارهابيون العالم كله، فعكروا مشاربه، وضيقوا مساربه وحرموا بني البشر من نعمة الأمن، لقد تجاوز الارهابيون القتلة المدى يوم أعطوا لأنفسهم صلاحية قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وصلاحية أخذ أموال الناس وإتلافها بغير حق، وترويع عبيد الله الذين يعيشون في أرضه وتحت حمايته وبدون مبرر )  .

************************

1-       www.loc.gov

2-       : أمريكا مصدر الإرهاب في العراق، مهدي حسن الخفاجي، ص 25 .

3-       المصدر السابق، ص 17 .

4-       وهي فرقة أسستها بريطانيا .

5-       وقد أسس هذا التنظيم على يد المخابرات الأمريكية في أفغانستان لمواجهة عدوها في ذلك الزمان ألا وهو الأتحاد السوفيتي .

6-       وقد أسس هذا التنظيم على يد إسرائيل وبمساعدة أمريكية، ودعم بريطاني فرنسي مشترك .

7-        حكم النبي وأهل بيته عليهم السلام على الارهاب والارهابيين، أحمد حسين يعقوب، ص 9 .

 
نشر في فكر وحضارة

لن تتقبّل اميركا زعيمة مشروع النهب الدولي اي هزيمة لمشروعها، وهذا حتى اللحظة امر مؤكد رغم ما يواجه هذا المشروع من مقاومة وصعوبات. فالبنية الإقتصادية الأميركية قامت في الأساس على سرقة ثروات الشعوب، ما رسّخ منطق الهيمنة كمسار اساسي في العقل الأميركي الحاكم سواء لدى الديموقراطيين أو الجمهوريين، وهي سياسة متعاقبة قد تطرأ عليها بعض التعديلات في التفاصيل والآليات لكنها ثابتة في العنوان، واي تراجع عنها سيكون على حساب استمرار وبقاء اميركا، وهو ما يُلزم الإدارات المتعاقبة على الخضوع لسياسة اللوبيات المتحكمة بالإقتصاد ومؤسسات الحكم، ما يعني عدم حصول متغيرات جذرية في الأفق، وهو ما يجعلنا نجزم بحتمية استمرار الصراع طالما ان العقل الأميركي لم يتغير ولم ولن تغير الإدارة نظرتها وسلوكها.

يراهن الكثيرون على متغيرات في عهد دونالد ترامب، لكنني لا ارى رهانهم في السياق الصحيح فأكثر المستشارين المقربين من ترامب هم من الذي يؤمنون بنظرية "الفوضى الخلاقة" ويعتبرونها الأفضل في توفير الأوضاع الملائمة لتفتيت وتقسيم الدول، طالما أنّ هناك ما يمكن استخدامه كأسباب بديلة للمواجهة موجودة اصلًا في بيئاتنا كالصراع المذهبي والقومي، عملت اميركا مع الأنظمة "العربية" الوظيفية التابعة للناهب الدولي كالمملكة السعودية والمملكة الأردنية وغيرها على توفير الأجواء لها، لتكون أسبابًا بديلة في صراعات لا تعكس حقيقة الصراع.

إنّ كل ما يحصل يخدم هدفين أساسيين، وهما استمرار عملية النهب والحفاظ على الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة في قلب المنطقة لاستمرار عملية النهب.

أميركا التي جربت على مدار اكثر من نصف قرن اخضاع الشعوب بقوة جيشها عانت الأمرّين من افعال المقاومة المضادة من فييتنام الى العراق، لهذا عمدت الى تأسيس قوانين وقواعد الجيل الرابع من الحروب القائمة على خلق صراعات بديلة وعدو بديل، واستخدام ادوات من الشعوب نفسها والعمل على تسليحها وتوفير امكانيات وقدرات تسمح لها بخلق الفوضى والتوحش، وإدخال الدول في مرحلة الإنهاك وتحويلها الى دول فاشلة تمهيدًا لتثبيت حالة تفتيت وانقسام قائمة على اساس الواقع الجديد واستمرار الإستثمار فيه للتمكن من استمرار عملية النهب.

إنّ الترويج لمعاداة العدو الشيوعي الكافر في مرحلة الحرب الباردة كان يهدف الى منع الإتحاد السوفياتي من الإستمرار، وهو أمر شاركت فيه الأنظمة الوظيفية "العربية" من خلال توفير تعميم الفكر الوهابي واموال النفط التي وُضعت في مواجهة الإتحاد السوفياتي، من خلال انشاء تنظيم القاعدة في افغانستان، وهو التنظيم الذي لا يزال يفرّخ مئات التنظيمات بمسميات مختلفة لخدمة مشروع التفتيت والتقسيم.

في الثمانينات انجزت اجهزة الإستخبارات الأميركية بالتعاون مع وزارة الخارجية الأميركية مشروعًا جديدًا للهيمنة، يهدف الى تفكيك الإتحاد السوفياتي والمنطقة العربية والشرق الأدنى، وهو مشروع تم تقسيمه الى ثلاث مراحل كان من المقرر ان يتم تنفيذه بالكامل أواخر العام 2015.

-    المرحلة الأولى من المشروع كانت تستهدف الإتحاد السوفياتي ودول الكتلة الإشتراكية واستطاعت اميركا ان تنجزه بسرعة قياسية، حيث أدّى الأمر الى تشكيل الإتحاد الروسي كبديل وتشكيل دول لم تكن موجودة كأوكرانيا وجورجيا وغيرها من الدول التي كانت من ضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي، ذهب بعضها نحو العداء لروسيا كجورجيا واوكرانيا التي تعتبر الآن مواطئ قدم لأميركا والكيان الصهيوني، ويتم العمل على تحويلها الى قواعد متقدمة تؤثر في خواصر روسيا بهدف انهاكها وانجاز اضعافها وتحويلها الى دولة فاشلة وتابعة.

-    المرحلة الثانية بدأت بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد وتوريط العراق بحرب طويلة مع ايران الناشئة، واخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتوقيع اتفاقيتي اوسلو مع الفلسطينيين ووادي عربة مع الأردن، وصولًا الى ما سمي بالمبادرة العربية لإنهاء الصراع مع الكيان الصهيوني سنة 2002 في القمة العربية التي انعقدت في لبنان، وسبقتها احداث 11 ايلول 2001 في اميركا ولحقها غزو العراق بهدف تدميره وتفكيكه، وتخويف سوريا الدولة العربية الوحيدة حينها التي رفضت الإنصياع بالنموذج العراقي، والذي تبلور بوضوح بعد زيارة كولن أول وزير للخارجية الأميركية حينها الى دمشق، ومحاولته اخضاع سوريا وتهديدها بالنموذج العراقي، وهو امر تم رفضه وكان السبب المباشر في اخراج سوريا من لبنان بعد اغتيال الرئيس الحريري، والذي سبقه قانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي والقرار 1559 وفيما بعد اطلاق عدوان 2006 على لبنان وعدوان 2008 – 2009 على غزة، واطلاق الحرب المستمرة على سوريا حتى اللحظة والتي كان مقررًا ان تتنهي بسقوط الدولة في حد اقصاه نهاية العام 2012.

-    المرحلة الثالثة والتي لم تنطلق حتى اللحظة، وهي التوجه الى الشرق الأدنى والى الصين تحديدًا وتقزيم المارد الصيني وارجاعه الى القمقم.

في كل هذه المراحل كان النفط والممرات البحرية عناوين اساسية لأسباب الهجمة، خصوصًا اذا ما علمنا طبيعة مشاريع جر الغاز والنفط وهو موضوع طويل ومعقد وشائك يستلزم الكثير من الإستعراض، واكتفي بالإشارة اليه لأنتقل الى الإشارة على مواقع الصراع الحالية للدلالة على صحة ارتباط النفط والممرات البحرية بطبيعة الصراع الحقيقية.

فهذه الحروب التي تدور الآن تقع في سوريا القريبة من مضيق الدردنيل والبقعة الجغرافية التي كان مقررًا مرور انابيب النفط فيها لمصلحة قطر والعراق، الذي كانت تذهب فيه الأمور نحو مد خط انابيب كركوك – "تل ابيب"، وسيناء القريبة من قناة السويس والبحر الأحمر واليمن المتحكم بباب المندب وليبيا والجزائر القريبتين من مضيق جبل طارق.

وبالنظر الى الأسباب الحقيقية للصراع والتي لم يكن ممكنًا اعلانها بشكل واضع، ما يوحد شعوب المنطقة في مواجهتها، تمت عملية تضليل وتزوير وتحريض لا سابق لها لإحداث الإنقسام المذهبي وخلق العدو البديل وهو ايران.

شكل الصمود الكبير لسوريا وحلفائها حتى اللحظة عائقًا امام تنفيذ المخطط الشيطاني، وساهم هذا الصمود في سقوط حكم الأخوان المسلمين في كل من تونس ومصر واعاد استنهاض العراق ودفع روسيا للدفاع عن المنطقة وعن وجودها، وكذلك بالنسبة لإيران وقريبًا الصين التي بدأت بوادر استهدافها تظهر للعلن.

ولأنّ الصراع يأخذ البعد الذي ذكرناه، فهو بالنسبة لأميركا صراع مفصلي وبالنسبة للدول المستهدفة صراع وجودي، فإنه سيستمر وبقساوة اكبر مما شاهدناه حتى الوصول الى منتصر او مهزوم. فلا اميركا اليوم هي المهيمن الأوحد ولا روسيا الصاعدة ومعها الصين دول فاشلة كما خطط الأميركي وأراد، ولا سوريا سقطت، وهذا يعني ان المعركة المفصلية بالنسبة لأميركا ومن يدور في فلكها هي معركة وجودية بالنسبة للدول المستهدفة وعلى رأسها روسيا، ما يجعلنا متأكدين من استمرار الصراع حتى الوصول الى نهاية مرحلة القطب الواحد والدخول في مرحلة ما بعد الغرب وافول نجمه، لكن دون ذلك مصاعب كبيرة ستكون اثمان الوصول الى نتائج فيها مريعًا ومكلفًا ولكنها لن تكون لمصلحة اميركا ابدًا.

عمر معربوني - ضابط سابق - خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية/بيروت برس -

 

يتفق الخبراء في العالم بأسره على ان شبكات الإرهاب التكفيري عابرة للحدود الإقليمية والقارية وهي نشأت في حضن تنظيمات عقائدية عالمية متعددة الجنسيات من حيث تكوينها ومنذ قيام ما سمي "مكتب المجاهدين" في أفغانستان بتخطيط وإشراف سعودي أميركي باكستاني بالشراكة مع التنظيم العالمي للأخوان المسلمين في تأسيس ما عرف لاحقا بشبكة القاعدة وهي تسمية مقتبسة عن مصطلح قاعدة بيانات المخابرات الأميركية التي تضمنت لوائح المجندين للقتال.

يضرب هذا الإرهاب اليوم بتشكيلاته ومنظماته المتعددة عددا كبيرا من الدول في العالم وهو يركز نشاطه التدميري في المجال العربي حيث يستهدف دولا كبرى ومهمة هي سورية والعراق ومصر واليمن وليبيا والجزائر وبعيدا عن استرجاع السجال حول دور الحكومات الراعية والداعمة او المتورطة التي باتت معروفة منذ احتلال العراق والعدوان على سورية وفي مقدمتها حكومات الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر والأردن والكيان الصهيوني وهي لم توفر جهدا ماليا او استخباراتيا او تسليحيا في تصعيد هجمات الإرهابيين وتطوير مقدراتهم ولا في تجميعهم وحشدهم إلى ساحات القتال.

بات الخطر الإرهابي العابر للحدود يتهدد جميع الدول العربية وجوارها الآسيوي والإفريقي والمتوسطي وهو قابل للانتشار نحو الدول المتورطة في دعم الإرهاب رغم اعتقاد مسؤوليها بأنهم محصنون من خلال أدوات الضبط والربط المخابراتية المحركة لقوى التكفير والإرهاب التي يدعمونها ويشغلونها بالأمر الأميركي وبالتنسيق مع الكيان الصهيوني.

تتخذ القيادة السورية من موقع المسؤولية مبادرات للتنسيق والتعاون مع الدول الشقيقة ضمن حدود قدرات تلك الدول ومدى استعدادها ويمكن القول إن تبلور كتلة عربية مناهضة للإرهاب تنسق الجهود المشتركة في مقاتلته ومطاردة فلوله وتعمل معا على الصعيدين الدولي والإقليمي لخوض هذه المواجهة الدفاعية الوجودية يمكن ان يمثل تعديلا كبيرا في توازن القوى ولهذا السبب يمكن تفسير الضغوط التي تتعرض لها بصورة خاصة كل من القاهرة وبغداد للجم ميلها إلى التقارب مع دمشق والانتقال من التبادل السري للمعلومات والخبرات إلى الشراكة الاستراتيجية المعلنة في قيادة معركة الدفاع عن الوجود ومصدر هذه الضغوط معلوم ومنظور بكل وضوح.

لا خيار امام العراق ومصر سوى التنسيق مع سورية لصد خطر الإرهاب الذي يضرب مصر ويمكن ان يعاود ارتداده إلى العراق بعد الإنجازات الكبرى من دون التنسيق مع سورية والشراكة العسكرية والأمنية مع الدولة الوطنية السورية وقواتها المسلحة في ضرب معاقل الإرهاب والتكفير وكذلك إن مصر تواجه اخطارا كبيرة وداهمة تتطلب التنسيق مع سورية والعراق بعد تحول ليبيا إلى معقل للجماعات الإرهابية التكفيرية بينما يستمر الدعم التركي والقطري لجماعة الأخوان ولخططها تحت سقف التغاضي السعودي فرغم الكلام السياسي المعسول الموجه إلى القيادة المصرية لم تتخذ الرياض أي خطوة جدية تلجم تمادي التدخلات التي تشنها كل من انقرة والدوحة داخل مصر وفي الجوار الليبي حيث تنسق الحكومات الثلاث في دعم وتبني الجماعات الإرهابية القاعدية والداعشية والواجهات الأخوانية التي تهدد مصر وامنها الوطني .

توحيد الجهود العراقية والسورية والمصرية في مقاتلة الإرهاب والعمل المشترك مع الجزائر ومع أي حكومات عربية مستعدة للتعاون السياسي والميداني من شأنه التأسيس لمناخ جديد يضع قوى التوحش والتكفير في حالة صعبة ويمكن الجيوش الوطنية والحكومات المستهدفة من التقاط زمام المبادرة لا سيما وان هذه الدول المحورية تحوز من الإمكانات والقدرات والخبرات الكثير ولو وحدت جهودها سوف تستطيع تغيير المعادلات والتوازنات بخطوات عملية فاعلة ومؤثرة.

الخطوات الجارية على سكة التعاون السوري العراقي مهمة ومن المأمول تطويرها وتصعيدها لحماية البلدين ولتحقيق إنجاز مهم في الحرب على الإرهاب يصون التضحيات والدماء التي بذلت حتى الآن في هذه المعركة الوجودية وما بين مصر وسورية والعراق يستدعي تطويرا وارتقاء بمستويات التعاون والعمل المشترك ولا يبدو في مثل هذه الحال ان الجزائر وسواها من أصحاب المصلحة في صد الخطر قد يتخلفون عن النداء .

 
نشر في مختارات