الأربعاء, 10 كانون2/يناير 2018 09:35

"غضب ونار" ابن سلمان... ملك على عرش من ورق!!

مع بداية سعي محمد بن سلمان نحو العرش في السعودية، وعلى قدر ما أنجزه في صراعه مع أبناء عمومته الذين شكلوا التهديد الأكبر لكبح طموحه، ومع التغيرات الداخلية التي أحدثها طيلة السنوات الثلاث الماضية في إعادة هيكلة المناصب الهامة في قطاعات الأمن والجيش والقضاء وغيرها في الداخل السعودي، وإصدار مراسيم وأوامر ملكية عبر والده، الملك سلمان بن عبد العزيز، وتثبيت وتصعيد الموالين له في مختلف قطاعات الدولة هناك سواء من داخل الأسرة الملكية أو غيرهم من المسئولين الموالين له شخصياً قبل ولائهم لمنصب ولي العهد الذي تولاه منذ6 شهور، فإنه عكس ما بدا من دوائر إعلامية وسياسية في المنطقة والعالم من قدرة بن سلمان على حسم العرش لصالحه بشكل عملي، حتى قبل وفاة/تنازل والده، فإن الأمير الطموح لا يزال يواجه عوائق كبيرة في تثبيت هذا الوضع وحصد قبول داخلي به على مستوى الأسرة السعودية، حتى بعد إطاحته برؤوسها سواء المنافسين له في طموحه، أو المعترضين على مسلكه في تحقيقه.

كانت المحطة الأبرز ونقطة التحول في مسار تحقيق بن سلمان لطموحه منذ 6 أشهر، حيث أطاح بابن عمه محمد بن نايف، ولي العهد ووزير الداخلية السابق، ذو النفوذ الداخلي والخارجي وخاصة لدى واشنطن، ثم احتجاز ما تبقى من الأمراء البارزين مثل متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني والملياردير الوليد بن طلال وغيرهم في “ريتز كارلتون” قبل شهرين، بالإضافة إلى أخرين قيد الاعتقال المنزلي أو المنع من السفر. فإن تثبيت هذه “الانجازات” لايزال قيد الاختبار،حيث لم يطمئن بن سلمان على عرشه المستقبلي على الرغم من كل ما بذله في الداخل والخارج ووعود مستقبلية هيئت له مسار لم يخلو من عوائق، أبرزها ما يتعلق بالوفاق حول شخصه وإجراءاته وخاصة ضد منافسيه المحتملين وحتى المتحفظين على سياسياته داخل الأسرة السعودية، لدرجة تدشين قوة خاصة تسمى بـ” السيف الأجرب”، قوامها الآلاف تتبعه شخصياً مهمتها الأولى إخضاع الأمراء المعترضين وحتى إلقاء القبض عليهم.

وبنفس الوتيرة، جاءت حادثة القبض على 11 أمير من الأسرة المالكة بتهمة “التجمهر ومخالفة النظام” قبل ثلاثة أيام لتعيد من جديد التساؤل حول مستقبل الحكم في السعودية، وهو السؤال الذي يطرح منذ السنوات الأخيرة من حياة الملك السابق، عبدالله بن عبد العزيز، وقد بدا أن الإجابة عليه خلال الأعوام الثلاث الماضية -التي شهدت صعود بن سلمان- شافية وكافية لمعرفة سيرورة الحكم في المملكة في المستقبل، ولكن ما حدث أن أن هذه السيرورة حملت معها عوامل تعطيلها وربما فنائها، الممثلة في ردود الفعل داخل الأسرة السعودية على مسعى بن سلمان، وطريقة معالجته للأمور في سبيل الوصول للعرش.

وتجدر الإشارة إلى أن الدعاية الموازية بصراع بن سلمان وأبناء عمومته، وتصفيته لما يمكن أن نطلق عليه “مراكز القوى”، صورته وتصوره على أنه محارب للفساد ولإسراف أمراء العائلة الحاكمة، وأخرهم ال11 أمير الذي جاء بيان النائب العام –المنصب المستحدث مؤخراً والتابع مباشرة لبن سلمان- أنهم تجمهروا بسبب قرارات التقشف الأخيرة والتي طالت بعض من امتيازات أمراء آل سعود، مثل تسديد فواتير الكهرباء والماء عنهم، لكن في الحقيقة تم القبض عليهم لأنهم اعترضوا على استمرار احتجاز بن نايف في منزله وكذلك باقي أمراء الريتز كارلتون حتى بعد “تسوية أوضاعهم”، بسداد أكثر من تريليوني ريال سعودي.

وعلى أن هذه السردية الدعائية تلقى رواجاً لدى عموم السعوديين الذي يرزحون تحت وطأة سلطوية وفساد العائلة المالكة منذ عقود، لكنهم في الوقت نفسه يجدوا أن “محارب الفساد” محمد بن سلمان أنفق خلال العاميين الماضيين ما يتجاوز 2 مليار دولار أميركي على شراء يخت روسي وقصر فرنسي ولوحة للرسام الأشهر ليوناردو دافنشي، وهذا على مستوى الإنفاق الشخصي، وعلى المستوى المحوكم في مناصبه المتعددة فإنه يمكن القول أنها تدار على نمط العصور الوسطى، حيث إهدار “تيرليون ريال“ (ألف مليار ريال) من خزينة الدولة، ومرور ذلك مرور الكرام فيما عدا شذرات في وسائل الإعلام المختلفة، وهو بذلك يدير مالية المملكة كأنها حساب خاص به وفقاً لمبدأ “لا يسأل وهم يسألون”، وصولاً لوضع يده على حصيلة مخصصات النفط والتي أخرها خصخصة جزء من شركة “أرامكو” التي تعد الكيان الاقتصادي الأكثر قيمة في العالم –يقدره البعض بما يفوق مجموع قيمة جوجل وفيسبوك وآبل وويندوز وأمازون- بحوالي 10 تريليون دولار، والذي سيطرح في الأيام القادمة للتداول في بورصات عالمية مثل ناسداك ونيوريورك وطوكيو ولندن.

السابق كله يحدث وبن سلمان يراهن على أمرين شكلا أساس وصوله للعرش: الأول أن يحظى بصورة ذهنية جيدة كمجدد ومحدث ومطور ومؤسس جديد للمملكة التي يطمح شعبها بأن ينول أخيراً بعد عقود بعض من الحداثة التي يرغد فيها جيرانهم في باقي دول الخليج، وتصوير أن ما عطل حدوث ذلك لعشرات السنوات هم الأمراء الذي يقوم بن سلمان بالإطاحة بهم وعزلهم. والثاني هي ضمانة خارجية أهم ما فيها رضا الإدارة الأميركية الحالية ورئيسها، دونالد ترامب، عن طموح الأمير الشاب وهندسة وصوله للعرش-كما جاء في كتاب “الغضب والنار“ المثير للجدل الصادر حديثاً في الولايات المتحدة- حتى وإن كان الثمن مئات المليارات من الدولارات. لكن الرهان السابق اصطدم بواقع أن السعوديين يرزحوا تحت وطأة أزمة اقتصادية مزمنة منذ سنوات، ويضاف عليها أنها لأول مرة في تاريخهم تفرض عليهم الضرائب ورسوم الخدمات، مما يعني انهيار أساس العقد الاجتماعي بين آل سعود وبين المواطنين الذين يحكموهم، وهو توزيع العائد الريعي بتناسب نظير الحكم المطلق. وكذا الأمر بالنسبة لترامب الذي بات مهدداً في أن تتم الإطاحة به حتى قبل إكمال مدة ولايته قبل أن يستقر بن سلمان على العرش.

والسؤال هنا هل هي اعتراضات على وصوله للعرش أم على طريقة تعامله مع ابناء عمومته؟.. الاجابة هنا لا يمكن أن تكون حاسمة لأي من الاحتمالين، فمن ناحية وصول بن سلمان للعرش لم يكن ليتم دون توافق تقليدي داخل الاجنحة المؤثرة في العائلة المالكة، ولكن الفارق هذه المرة أن العرش سينتقل من جيل أبناء الملك المؤسس إلي جيل الأحفاد، وهي سابقة أولى من نوعها، إذ سينحسر الحكم في المملكة في نسل سلمان بشكل وراثي وليس بانتقال الحكم من أخ لأخيه منذ سعود بن عبدالعزيز وحتى سلمان بن عبد العزيز، وهو أمر غير مضمون استدامته بعد انتهاء حكم سلمان وانتقاله إلى نجله محمد، حتى مع رسمية وبيعته كولي للعهد. ومن ناحية أخرى فإن استخدام بن سلمان للترغيب والترهيب تجاه أبناء عمومته ليصل إلى ولاية العهد بانقلابات متتالية بدأت منذ وفاة الملك عبدالله وحتى حادثة الريتز كارلتون لم تضمن له انسجام على مستوى الأسرة للقبول بالأمر الواقع، خاصة مع تشويه صورة الأمراء المحتجزين على أنهم فاسدين وضد التحديث وضد مصلحة المواطن السعودي، وإمعاناً في إذلال بعضهم مثل إيداع الـ11 أمير سجن الحائر سيء الصيت، مما يعني رسالة ضمنية من بن سلمان إلى باقي أمراء الأسرة السعودية بأن أي اعتراض على ما يقوم به لن يتوقف عند المنع من السفر أو الاعتقال المنزلي أو حتى الاعتقال في الريتزكارلتون، ولكن قد يصل بهم الحال إلى سجن الحائر وربما ما هو أكثر.

وطبقاً للسابق، فإن سلسلة رد فعل المعترضين من آل سعود على وصول بن سلمان للعرش أو طريقة تعامله معهم تشي بأن هناك تخوف مستقبلي متبادل من أن يتغول بن سلمان عليهم، ويخضعهم بالسجن أو ربما أكثر حتى قبل أن يكون ملك بشكل رسمي، أو العكس المتمثل في تخوف بن سلمان من انقلاب أسري عليه تكرر في عائلته أكثر من مرة سواء في ذرية عبدالعزيز أو من سبقه في الدولة السعودية الثانية، وبالتالي فإن سلسلة الفعل ورد الفعل هذه لن تنتهي في المستقبل بتسوية تضمن استقرار العرش للملك الشاب في المستقبل القريب وتؤسس لنزاع أشبه بما حدث بعد وفاة تركي بن عبدالله صاحب “السيف الأجرب“.

 المنار

 

 
آخر تعديل على الأربعاء, 10 كانون2/يناير 2018 09:58