قضايا محورية

المهندس : ميشيل كلاغاصي |
تبدو الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أكثر شراسة ً وتمسكا ً ومراهنة ً على ملفيها الأخيرين في سوريا , وهما المشروعان التركي– التقسيمي والكردي الإنفصالي , واللذان لا يقلان خطورة عن تلك التي تم إجهاضها وإفشالها على مدى الأعوام الماضية , بفضل الإنجازات والإنتصارات الإستراتيجية التي حققتها الدولة السورية وحلفائها سياسيا ً وعسكريا ً , والتي أدت بمجملها إلى إحداث تغييراتٍ نوعية على طبيعة وملامح النظام العالمي الجديد الوليد على وقع الصراع الدولي في سوريا, بما يحرم واشنطن من "مزايا" لطالما إعتبرتها مستحقات و مسلّمات ومفردات الهيمنة والسيطرة على العالم أحادي القطب السابق.. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد قادرة على قيادة العالم بمفردها , بالإضافة إلى إنكشاف وسقوط منظومتها الأخلاقية وهيبتها وسمعتها بشكل تام مع تلك السياسات السافرة التي إعتمدتها استراتيجية ً وحيدة في قيادة و دعم الإرهاب وكافة قوى الشر في العالم.

وهذان المشروعان قديمان وتمت إعادة طرحهما منذ بداية الحرب على سوريا , لكن واشنطن تمسكت بتأرجحها وبإخفاء إعلانها الصريح بتفضيل أحدهما عن الاّخر , وبذلك دفعت كلا الطرفين (الكردي الإنفصالي, التركي التقسيمي) لتقديم أفضل ما لديهما في خدمتها وخدمة مصالحها ومشاريعها , فالمشروع الكردي الإنفصالي هامٌ وحيوي لها داخل سوريا حاليا ً, وعلى مستوى الصراع مع إيران وروسيا والصين وعبورها إلى شرق اّسيا .. كذلك المشروع التركي التقسيمي الذي يقربها من ذات الأهداف , ويضيف إليها مكاسب على مستوى استمرار هيمنتها على أوروبا .

وبالتالي فهي لا تعارض تقدم مشروع على اّخر , إلاّ من خلال أرباحها الفعلية , وفي حال نجاح أيا ً منهما ستكون النتائج كارثية بالنسبة لسوريا ولكافة دول المنطقة , وستدب تداعيات الفوضى في جميع أوصال ومفاصل الصراع الدولي على مستوى العالم .

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن مؤخرا ً عن إستراتيجيته الجديدة للأمن القومي ووثيقته التي أقرت بمواجهة من دعاهم بالأنظمة "المارقة" التي تواجه بلاده وحلفائها , وأنه يريد فرض السلام عبر" القوة " , كذلك أتبعه وزير دفاعه الجنرال جيمس ماتيس بإعلان استراتيجية وزارته التي ستقوم على أولوية منافسة القوى العظمى والتي دعاها بالدول "الرجعية" , يبدو أن واشنطن رفعت منسوب توتر علاقاتها الدولية إلى مستوى إعتبار منافسيها خصوما ً وأعداء , وهذا يبشر بعالمٍ تستمر فيه الحروب والصراعات الدولية على حساب الحلول السياسية والسلمية وربما العقلانية.

هذا النهج العدائي يدفع واشنطن للتفكير بعرقلة مؤتمر سوتشي للسلام و للحوار الوطني السوري بشتى الوسائل , إذ أوغزت لكل أدواتها نحو التصعيد العسكري بدءا ً من الجنوب السوري وصولا ً إلى أقصى الشمال , بما في ذلك العدوان الإسرائيلي الأخير , وأتبعت التصعيد الرهيب بإعلانها تشكيل قوة ٍ أمنية قوامها 30 ألف مقاتل ستقوم بنشرها في منطقة شمال شرق سوريا , بهدف الحفاظ على أمن الحدود السورية – العراقية , والسورية – التركية , الأمر الذي أزعج تركيا واستشعرت فيه إنحياز واشنطن وخروجها عن أرجحتها لصالح المشروع الإنفصالي على حساب مشروعها , ما دفع أردوغان لتنفيذ تهديده وعدوانه على مدينة عفرين , تحت ذريعة منع إقامة أي تواجد أو "كيان كردي- إرهابي في الجنوب التركي"–بحسب أردوغان , هذا التواجد الذي لطالما توجست منه الدولة التركية وأرّق مضاجعها ومخاوفها من تشجيع أكراد تركيا على إقامة كيان كردي شبيه على الأراضي التركية , تحت مسمى الفدرلة أو مناطق الحكم الذاتي أو مناطق الإدارة المحلية , أسوة ً بأكراد سوريا , إذ تصل أعدادهم في شرق تركيا إلى ما يقارب الـ20 مليون نسمة , الأمر الذي ترى فيه أنقرة تهديدا ً حقيقيا ً على وحدتها الداخلية وتهديدا ً لأمنها القومي– إن حصل - , فكان قرار التوغل السريع نحو مدينة عفرين لقطع الطريق على الحلم والمشروع الكردي في غرب الفرات , والذي وعد أردوغان بمتابعته نحو منبج وصولا ً إلى شرق الفرات ما يعني أن التحرك سيمتد على كامل الحدود السورية– التركية , تحت ذريعة القضاء على مسلحي حزب الإتحاد الديمقراطي, والتي أخفى تحتها الرئيس التركي حقيقة عدوانه على مدينة عفرين, وأحلامه التوسعية في أراضي الدولة السورية , ونواياه بضم المزيد منها من خلال إنفراده بتحقيق أهدافه الخاصة بعيدا ً عن شراكته مع واشنطن , الأمر الذي دفع تيلرسون للبحث "عمّا يمكنه تهدئة المخاوف الأمنية المشروعة لتركيا" , وأقنع ترامب بإحتواء الغضب التركي وقبوله مبدأ المنطقة العازلة وللتعبير عن قلقه من التصعيد العسكري في عفرين بقوله : هذا " يهدد بتقويض أهدافنا المشتركة في سوريا" , بما يشكل إعترافا ً صريحا ً بشراكتهما في العدوان وبنواياهما بتقسيم سوريا , وليست الجعجعة والخلافات الظاهرية بينهما إلاّ لإخفاء تلازم الفعل التركي بالرضى الأمريكي حرصا ً منهما على ضمان تقدم المشروع التقسيمي المشترك.

كذلك أظهرت ما دعيت بوثيقة "مجموعة واشنطن" أو وثيقة الدول الخمسة بما لا يدع مجالا ً للشك نوايا واشنطن و باريس و لندن كأصلاء , والأردن والسعودية كوكلاء عن إسرائيل, في تقسيم سوريا , فيما رفضت دمشق الوثيقة ورأت على لسان الدكتور بشار الجعفري بأنها :" لا تستحق الحبر الذي كتبت به " وأجاد وصفها ب "الكوميديا السوداء".

بات من الواضح أن الإدارة الأمريكية تخشى إنتصار سوريا الذي بات واضحا ً , وتتوجس إندحار مشروعها بكامله ليس في سوريا فقط بل في المنطقة والعالم , عليه لم يجد الوزير تيلرسون حرجا ً بقوله :"باقون في سوريا ليس لدحر داعش فقط بل لأجل منع الرئيس السوري بشار الأسد من بسط سيطرته على كامل البلاد" , هذا السلوك الأرعن اللاأخلاقي للساسة وللسياسة الأمريكية جعلها تهاجم لقاء سوتشي وتحرض المعارضة والأمين العام للأمم المتحدة والميسر الأممي ديمستورا على عدم الحضور , لتفويت جهود السلام التي بذلتها دولٌ وأطرافٌ عديدة وعلى رأسها روسيا الإتحادية و الزعيم بوتين بهدف تأمين أكبر لقاءٍ حواري مباشر يجمع غالبية السوريين في أوسع تمثيل ٍ ولكافة أطياف الشعب السوري وبدون تدخل خارجي بما يشكل مناسبة وطنية تساهم في الخروج بما يتمناه الشعب السوري وكافة الشعوب المحبة للسلام .

لكن واشنطن .. دفعت وفد هيئة التفاوض بعد أن التفى في موسكو الوزير لا فروف لخمس ساعات وخروجهم بإبتساماتٍ عريضة اعتذر عنها المدعو نصر الحريري , فاللقاء أزال ذرائعهم وتساؤلاتهم و استفساراتهم حيال سوتشي , خصوصا ً بعد أن طالبوا بعقد المؤتمر لمرة واحدة فقط دون أن يُكلّف كمسار سياسي وأن يخرج بتوصيات فقط , واشترطوا أن تعترف موسكو ودمشق بأنه ليس بديلا ًعن جنيف , وسارعوا لجلسة فيينا عساهم ينتزعون شيئا ً قبيل سوتشي , ثم أعلنوا رفضهم المشاركة , في الوقت الذي اكتفت فيه موسكو بالقول: "أن الهيئة أساءت إلى سمعتها".

على العالم كله أن يبصر ما تفعله الإدارة الأمريكية وبعض الحكومات كالفرنسية والبريطانية والأردوغانية - التركية , ناهيك عن عرب العمالة وعروش الشر الخليجي , في إعاقة جهود السلام في سوريا ووضع الحد للحرب الإرهابية الكونية على مدى سبع سنوات , فحياة السوريين وأمنهم وأمن وطنهم لن يبقى إلى الأبد رهينة العنجهية الأمريكية ومشاريعها الدموية , والغباء والحقد الفرنسي الأسود , واللعنة الكامنة في الرؤوس والدماء البريطانية الباردة , وفي الحلم العثماني البائد لسلاطين الأوهام , ولتخلف وحقد من باتت العروبة والعرب يخجلون منهم .. وعلى جميع الغزاة والطغاة والخونة والحاقدين أن يعلموا أن السوريين بقائدهم وبقيادتهم وبعزيمة جيشهم ماضون نحو الإنتصار مهما اشتدت أحقادكم , وأن سوريا وطنٌ ما خُلق إلاّ لكي ينتصر.