السبت, 30 كانون1/ديسمبر 2017 08:31

هيلي على درب من سبقوها...تجسيد لقمة العجرفة والفظاظة الامريكية

الدكتور بهيج سكاكيني |

نيكي هيلي لم تكن من السياسيين الملمين بالسياسة الخارجية قبل ان يختارها الرئيس ترامب سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة. ولا شك ان المتابعين لما يدور في مجلس الامن الدولي منذ تعينها يدركون وبشكل واضح انها تقوم بدورها بشيء من الكمال لكونها تمثل نموذجا للغرور والغطرسة وقلة المعرفة والادراك التي ميزت السير على نفس النهج للسياسة الخارجية الامريكية.
ما يميز الولايات المتحدة عن غيرها من الأمم والدول في العالم عندما يأتي الحديث عن السياسة الخارجية هو الاصرار والتأكيد على أن من حقها لا بل من واجبها إدارة العالم. وهذا يعني ببساطة أن تقول للجميع أفرادا وجماعات ودول في أية بقعة في العالم ماذا عليهم فعله ليس على النطاق العالمي فقط بل وأيضا داخل دولهم.
المسؤولين الأمريكيين ودون استثناء يذكر، يعتقدون بأنهم يعرفون كيف يجب على المجتمعات الأخرى تكوين حكوماتهم، ومن ينتخبون لهذه الحكومات، وأية سياسات إقتصادية على الدول الأخرى تبنيها وتطبيقها وما هي السياسات الاجتماعية التي يجب ان تمارسها وتشجعها وأي منها يجب عليها أن تمنعها وتقمعها. والذي يبدو ان الولايات المتحدة تريد ان تصور نفسها انها إذ تحكم فإنها تحكم بمشيئة إلاهية كما كان الحكم في أوروبا في العصور الوسطى، وما على الدول الأخرى الا ان تخضع لهذه المشيئة. وقديما قال أحد الأنبياء الكبار ان الطير لا يمكنه " الطيران أو النزول الى الأرض الا بمشيئة الرب". وأمريكا تريد من الجميع الخضوع لمشيئتها بأن لا حدث في العالم يحدث دون موافقة الولايات المتحدة عليه. وهذا الهوس الأمريكي بالهيمنة على الغير وإخضاعه ربما أخذ بالظهور بشكل أوضح منذ بداية الثمانيات في ادبيات المحافظين الجدد وظهور المسيحيين المتصهينين والانجيليين. ونذكر هنا بما قاله بوش الابن الذي صرح بأنه سمع صوتا يناديه في منامه ويطلب منه الترشح للرئاسة ليقود أمريكا والعالم.
المسؤولين في واشنطن بشكل عام نادرا ما يكونون بدرجة الفظاظة التي تتميز بها هيلي عن غيرها ممن عملوا في السياسة الخارجية ولكن اللغة التي يستخدمونها عادة ما تكون مشبعة بالغرور والغطرسة والتكبر على الغير. وما الادعاء بـ "الاستثنائية الامريكية" الا مثال ساطع على ذلك. لا أحد ينكر الدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة على المستوى العالمي ولكن وعلى ارض الواقع كان هذا الدور تكريسا لسياسات كانت في معظمها وحشية، وانانية، وغير كفؤة، ومنحرفة ولا أخلاقية. وفي كثير من الأحيان كانت أفعال وتصرفات الولايات المتحدة تتقاسم كل هذه الميزات سويا ولنا في فيتنام وجنوب شرقي آسيا وأفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن أمثلة ساطعة على ذلك.
في التاريخ المعاصر جسدت مادلين أولبريت حماقة ورعونة الدبلوماسي الأمريكي وهي التي شغلت منصب ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة الى جانب وزيرة الخارجية في عهد الرئيس بيل كلينتون. فعندما أقدمت واشنطن في حربها في البلقان والشرق الأوسط دافعت عن هذه السياسة العدوانية بالقول وبكل عنجهية وفوقية " نحن نحتل المنزلة العليا. نحن نرى في المستقبل أبعد من أية دولة " وعلى ان الولايات المتحدة هي " الامة التي لا يمكن الاستغناء عنها". وهي التي أجابت بكل ثقة معبرة عن الهمجية بكل معانيها عندما قالت "ثمن يستحق دفعه"...عندما طرح عليها سؤال حول التقارير التي أفادت عندئذ بوفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي نتيجة العقوبات المفروضة على بغداد. بالنسبة اليها وللمؤسسة الغير منتخبة التي تحكم في واشنطن ان قتل أكثر من نصف مليون طفل عراقي وتدمير البلد وإرجاعه الى العصر الحجري كان ثمنا مقبولا لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين. وهنالك أيضا نقاشها الحاد مع كولن بأول الذي كان يشغل منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة عندما طرحت عليه السؤال " ما فائدة امتلاك القوة العسكرية العظيمة التي تتحدث عنها دائما إذا لم يكن بإمكاننا استخدامها؟".
وها هي هيلي تمشي على خطى من سبقوها في هذا المنصب فهي تقود الحملة الشرسة ضد كوريا الشمالية في مجلس الامن وتهلل للحرب وقصف المنشآت النووية لها وتهدد بإبادة شعب كوريا الشمالية كما يصرح رئيسها. وهي لا تكترث إذا ما وصل صاروخ او صاروخين محملين برؤوس نووية الى كوريا الجنوبية أو اليابان وحصدت أرواح الملايين من حلفاء أمريكا. ومن المؤكد انها ستجد نقاط "إيجابية" لهذه الكارثة والفجيعة الإنسانية إذا ما قرر ترامب المعتوه أن يأمر بالهجوم على كوريا الشمالية عندما يرتئي ان "لحظة أرمجيدون" كما يسميها البعض قد حانت.
كما قامت هيلي بالتملق للعائلة المالكة في السعودية مؤدية الدور ببراعة فائقة ونصبت نفسها المدافع عن العدوان الذي شنته السعودية والتحالف التي تقوده على اليمن منذ ما يقرب من الثلاثة سنوات. هذا العدوان المستمر على اليمن الذي تقوده العائلة المالكة في السعودية قتل فيه عشرات الالاف من اليمنيين المدنيين، وفرض حصار بري وجوي وبحري صارم وباشتراك قطع من البحرية الامريكية التي أدى الى تجويع ما يقرب من 12 مليون يمني وانتشار الكوليرا التي اصابت اكثر من مليون يمني هذا في بلد يعتبر من افقر الدول في العالم. وكل هذا تم بالدعم اللامتناهي الذي تقدمه الولايات المتحدة على الصعيد السياسي والإعلامي والدبلوماسي والتسليحي وذلك بالتزويد بأحدث أسلحة الدمار التي تنتجها المصانع الحربية الامريكية الى جانب الدعم اللوجيستي والاستخباراتي لآل سعود في حربهم الهمجية بكل المقاييس على اليمن وارتكاب أبشع المجازر ضد الشعب اليميني وخاصة ضد المدنيين من أطفال ونساء وكبار السن والتي ترتقي الى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما تصنفها العديد من المنظمات الحقوقية المعنية بحقوق الانسان الى جانب منظمات الإغاثة الدولية ومن ضمنها التابعة للأمم المتحدة.
وعندما قام اليمنيون بإطلاق صاروخ على الرياض بعد ما يقرب من الثلاث سنوات من القتل والقصف اليومي الذي تقوم به طائرات التحالف التي ترفع العلم السعودي ويقود معظمها المرتزقة من أمريكيين وصهاينة وغيرهم، قامت الدنيا ولم تقعد في المؤسسة الامريكية الحاكمة. واستدعت هيلي كل طاقة النفاق التي تختزنها منددة بإيران متهمة إياها بتزويد الحوثيين بهذا الصاروخ دون تقديم أية دليل مادي أو استخباراتي على هذا كالعادة التي درجت عليها هيلي.
وحتى لو افترضنا ان إيران قامت بتزويد اليمنيين بهذا الصاروخ او تطوير الصناعات الصاروخية فلماذا لا يحق لليمنيين المعتدى عليهم والذين لم يكونوا البادئين بهذه الحرب الاجرامية أن يطلبوا المعونة من اية دولة لتزويدهم بالأسلحة للدفاع عن أرضهم بينما تقوم أمريكا وبريطانيا بتزويد السعودية بكل أنواع الأسلحة المتطورة والدقيقة والقدرة التدميرية الهائلة وحتى المحرمة دوليا؟ هذا هو المنطق الاعوج والمقلوب والازدواجية في المعايير والمواقف والذي شكل حجر الأساس في السياسة الخارجية الامريكية وعلى مدى عقود من الزمن. الضوء الأخضر والغطاء والدعم الأمريكي اللامتناهي للنظام السعودي في هذا العدوان لم تحظى بمثيله حتى الكيان الصهيوني وهو ما يشهد به العديد من المحللين. لماذا كل هذا؟ إنه من أجل التريليون دولار التي في النهاية ستحظى به أمريكا والتي دفع منه لغاية الان ما يقرب من 500 مليار دولار ومن أجل إبقاء المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بصحة وعافية جيدة. وضمن هذا الفجور والعهر السياسي يذهب آل سعود بالاعتقاد أو الايمان بأن ضحايا عدوانهم في اليمن لا يحق لهم بالرد على العدوان أو هكذا يوحي اليهم الدعم الأمريكي.
ولكن قمة الغرور والوقاحة أتت بالتزامن مع اعتراف ترامب بالقدس بشقيها الغربي والشرقي عاصمة لإسرائيل وعن تنفيذ القرار الذي اقره الكونغرس الأمريكي عام 1995 بنقل السفارة الامريكية الى القدس. هذا القرار الذي تحاشى كل رئيس أمريكي بتنفيذه منذ ذلك الوقت مستخدما الهامش الذي تركه الكونغرس للرئيس وذلك بإعطائه صلاحية تأجيل تنفيذه إذا ما رأى ان ذلك قد يضر أو يهدد المصالح الامريكية في المنطقة. وبالفعل فمنذ ان مرر مشروع القرار في الكونغرس بأغلبية في ذلك العام، استخدم جميع الرؤساء الصلاحية التي منحهم إياها الكونغرس بناء على توصيات الأجهزة الأمنية والمخابراتية الامريكية على الرغم من تعهد كل منهم أثناء حملته الانتخابية بتنفيذ القرار وذلك لكسب أكبر عدد ممكن من أصوات اليهود الامريكيين ومناصرته في حملته الانتخابية. كل هذا بالطبع تغير مع مجيء ترامب وتصميمه على نقل السفارة ولقد لعبت هيلي المتصهينة دورا فاعلا ومشجعا لاتخاذ هذه الخطوة. ومن الجدير التنويه هنا انه ومنذ قدومها الى مجلس الامن لم تخجل من التصريح علنا ان أحد مهامها الرئيسية في المجلس هي تقديم الدعم الكامل لإسرائيل وانها أتت بالكعب العالي لتضرب كل من يقف او يعترض على السياسة الإسرائيلية. بهذه الوقاحة الفجة وقفت مهددة كل الدول في المجلس. ولم تكترث لتصويت 14 دولة في مجلس الامن ضد قرار ترامب وبقية على وقاحتها وتحديها واستخدام الكلمات النابية في الكلمة التي القتها حتى للحلفاء.
وحين أحيل مشروع القرار الى الجمعية العمومية للتصويت عليه قامت هيلي بتهديد الدول التي ستصوت لصالح القرار بقطع المساعدات المالية عنها ووقفت مثل عريف صف في مدرسة (أيام زمان) وقالت سأقوم بتسجيل كل دولة تصوت ضدنا وسأقدم تقريرا للرئيس ليتخذ قرار العقوبات المناسب ( كان العريف أيام زمان يقدم لائحة "بالمشاغبين" الى الاستاذ مربي الصف أو المدير لينالوا العقاب). هذه الافعى التي تتشدق بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان وسيادة الدول. لقد عرت ماهية وطبيعة الديمقراطية الزائفة لدولة تحكمها مافيا غير منتخبة ولا تملك اية مصداقية أو شفافية ولا تخضع لنظام محاسبة.
ولكي تدلل على سخافتها وتصرفاتها الصبيانية والسوقية التي لا تمت الى الدبلوماسية بصلة لا من بعيد او قريب قامت بتوجيه دعوة للسبعة دول الذي لم يسمع اسم بعضها أحد، ثلاثة او أربعة جزر صغيرة في محيط الباسفيك الى جانب ديكتاتورية في أمريكا اللاتينية وواحدة في افريقيا الى حفلة في راس السنة أطلقت عليها " حفلة الصداقة". والى جانب السبعة دول وجهت الدعوة لكل من امتنع عن التصويت وكذلك للذين لم يحضروا جلسة التصويت حتى تعطي الانطباع أن أصدقاء أمريكا كثر، وخاصة وأن حلفاء أمريكا الأوروبيين في حلف الناتو وحتى أذنابهم وأدواتهم في المنطقة وفي العالم صوتوا ضد القرار .
هل تجد تصرف صبياني الى هذا الحد في تاريخ السياسة الخارجية لأية دولة في العالم؟ إذا كان البعض من القراء الكرام يعلم بذلك فليخبرنا من تصرف بمثل هذا التصرف أين ومتى وما المناسبة.
وفي معرض الانتقادات التي وجهت الى قرار الرئيس ترامب في مجلس الامن والجمعية العمومية ومن الاصدقاء والحلفاء لم تجد هيلي أي حرج في الرد على منتقدي الموقف الأمريكي حيث صرحت في لقاءها في فوكس نيوز " نحن لدينا الحق لعمل أي شيء نريده بما يخص أين نضع سفاراتنا" مضيفة " نحن لا نريد من الدول الأخرى ان تقول لنا ما هو الصحيح وما هو الخطأ".
هل هنالك أوضح من هذا؟ وحدها الحكومة الامريكية تفعل ما تريد متى تريد وأينما تريد. أما حكومات الدول الأخرى فإنها لا تملك الحق لاتخاذ قراراتها التي تخص بلدانها وهم بحاجة الى ان يقال لهم ما هو الصحيح وما هو الخطأ من قبل واشنطن في كل موضوع "نهارا أو ليلا في ضوء الشمس او في المطر أو الثلج" كما يقول البعض.
الأولى بالولايات المتحدة ان تمارس ما تتشدق وتبشر به لفظيا ليلا ونهارا إذا ما أرادت ان تكتسب قليلا من المصداقة وأن تكف عن محاولات سياسة تغيير الأنظمة وهندسة المجتمعات في الخارج بالمقاييس الامريكية. والمطلوب قليلا من التواضع واحترام الذات من قبل ممثليها وأدراك ان العالم متنوع الحضارات والثقافات والعادات والتقاليد والمصالح...الخ التي لا تتماشى بالضرورة أو تنسجم مع النظرة الامريكية.
ولكن الذي يبدو ان هيلي مصممة على البقاء والسير كرسول وتلميذة مخلصة لمدرسة مادلين أولبريت " نحن أعلم ..نحن أدرى نحن أفضل من يقرأ المستقبل...نحن الامة الاستثنائية التي يجب أن تقود العالم الذي عليه الانصياع لأوامرها ..". تستطيع هيلي ان تنبح ليلا ونهارا بهذه الهلوسات لأنها لا تريد الاعتراف بأن العالم قد تغير ولم تعد أمريكا "الامبراطورية العظمى". ولهيلي في النهاية نقول إن نباحك مهما على لن يعيد عجلة التاريخ الى الوراء.