تشهد القارة الإفريقية منذ سنوات قليلة، نشاطاً دبلوماسياً متزايداً، وتنافساً سياسياً واقتصادياً متصاعداً، ما بين القوى الدولية الكبرى من جهة، والدول الإقليمية المؤثرة والفاعلة من جهة أخرى. إذ إنه وفضلاً عن التنافس الصيني- الأمريكي والأوروبي على النفوذ الاقتصادي، الذي غلبت عليه الاستثمارات الصينية التي تجاوزت 200 مليار دولار، فإن هناك في الجهة المقابلة تنافساً جيوسياسياً وجيواستراتيجياً كبيراً بين الدول العربية و«إسرائيل» على مناطق التأثير والهيمنة في القارة السمراء. ونستطيع أن نلاحظ أنه وخلافاً للتحركات «الإسرائيلية» المدروسة من أجل العودة بقوة إلى مجمل عواصم القارة، فإن النشاط العربي في إفريقيا يتسم بالتخبط وعدم الاستقرار، وتغلب عليه الحسابات القطرية الضيقة، بعيداً عن الاعتبارات المتعلقة بالأمن القومي العربي المشترك.

وقد بدأ التحرك «الإسرائيلي» ينتقل مع بداية الألفية الجديدة من العتمة إلى النور، حيث إنه وبعد سنوات من العمل الاستخباراتي والسري في شرق إفريقيا وغربها، بات التحرك السياسي لتل أبيب، يأخذ الآن طابعاً هجومياً أكثر وضوحاً وفق أسلوب يشبه الاستعراض السياسي؛ هذا التحرك أفضى إلى إعادة تطبيع القسم الأكبر من الدول الإفريقية جنوب الصحراء لعلاقاتها مع «إسرائيل»، وكاد الأمر أن يصل إلى حد الحصول على مقعد مراقب بالاتحاد الإفريقي، لولا فطنة ويقظة الدول العربية -الإفريقية التي أفشلت خطط «تل أبيب» الهادفة إلى الاستقرار بشكل رسمي ودائم داخل الجسد السياسي الإفريقي عبر بوابة مؤسساته التمثيلية في أديس أبابا.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن بنيامين نتنياهو كان قد قام بجولة إفريقية، وصفت ب «التاريخية»، إلى عدد من دول القارة، وفي مقدمها أوغندا، كينيا، رواندا وإثيوبيا خلال السنة الماضية، في إطار سعي «إسرائيل» إلى تقديم خدماتها الأمنية والعسكرية لدول القارة السمراء، من أجل فك طوق العزلة الذي ضربته حولها الدول العربية في زمن سيادة مبادئ الأمن القومي المشترك.

ويمكننا أن نلاحظ في السياق نفسه، أن الزيارة الأخيرة للرئيس التوغولي إلى «إسرائيل» سنة 2016، مثّلت مناسبة ملائمة بالنسبة للجانبين من أجل التحضير بشكل جيد للقمة الإفريقية - «الإسرائيلية» التي من المنتظر أن تستضيفها العاصمة التوغولية لومي خلال السنة الحالية 2017 حول موضوع «الأمن والتنمية»، حيث تهدف «تل أبيب» إلى تحويل نفوذها السياسي والدبلوماسي في إفريقيا إلى ديناميكية جديدة من أجل توطيد العلاقات الاقتصادية والأمنية مع القسم الأكبر من دول القارة السمراء. كما تسعى «إسرائيل» من خلال انتشارها في إفريقيا، إلى التغطية على تراجع نفوذها في الكثير من دول العالم نتيجة لسياستها العنصرية والاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وتحرص في اللحظة نفسها على القيام بإجراءات أمنية استباقية من أجل تفادي إمكانية تحوّل بعض الدول الإفريقية إلى مراكز انطلاق هجمات محتملة ضدها، الأمر الذي يؤكد أن الرهان الأمني يظل الشغل الشاغل بالنسبة لقادة «تل أبيب»، وذلك مقارنة بالإمكانات المتواضعة التي يمكن أن تقدمها «إسرائيل» على الصعيد الاقتصادي لدول القارة. وبالتالي فقد بات من الواضح تماماً، أن «تل أبيب» قد استطاعت خلال السنة المنصرمة، أن تتجاوز بشكل كامل الحصار الذي فرض عليها في إفريقيا غداة حرب 1973 التي دفعت الأغلبية العظمى من الدول الإفريقية إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني.

بيد أنه وفي مقابل هذا النشاط «الإسرائيلي» المحموم في إفريقيا، نجد أن التأثير العربي قد تراجع بشكل ملحوظ، نتيجة لغياب التنسيق بين الدول العربية من جانب، وبسبب تعارض وتضارب المصالح الوطنية لكل دولة من جانب آخر. ونستطيع أن نقسّم النشاط العربي الراهن في إفريقيا إلى 3 أقسام رئيسية: يتصدّرها العمل الخليجي المشترك من أجل ضمان أمن واستقرار دول مجلس التعاون، من خلال وضع خطط طموحة في مجال الاستثمار الاقتصادي والتبادل التجاري بين إفريقيا ودول الخليج، وذلك تزامناً مع توطيد العلاقات الدبلوماسية بين عواصم الخليج ودول القارة. ويمكن القول في هذا السياق إنه وفي خضم التراجع الكبير للنفوذ العربي في إفريقيا، فإن دول مجلس التعاون استطاعت أن تدعم الوجود العربي في إفريقيا من خلال القيام باستثمارات كبيرة، سمحت بالمحافظة على قسم معتبر من النفوذ العربي الموروث عن مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

ويتمثل النشاط العربي الثاني في الجهود التي تبذلها مصر من أجل إعادة تفعيل علاقاتها الاستراتيجية مع السودان ودول حوض النيل، وهو جهد يُجمع المراقبون على أنه يتأرجح ما بين الإقبال والإدبار، بحسب تطورات الوضع الداخلي لمصر، فهناك مثلاً بون شاسع ما بين سياسات جمال عبد الناصر الإفريقية وسياسات مبارك. وتصطدم طموحات القاهرة في المرحلة الراهنة بتراجع الموارد المالية وبالصعوبات الاقتصادية التي تؤثر بشكل لافت في برامج مصر الطموحة على مستوى دول القارة، لاسيما أن التحدي الأكبر لمصر يكمن في مواجهة التهديدات المتعلقة بالأمن الغذائي والمائي على مستوى دول حوض النيل، وبخاصة بعد أن عرفت العلاقات المصرية - الإثيوبية الكثير من التوترات على خلفية بناء سد النهضة في إثيوبيا.

أما النشاط العربي الثالث والأخير فيكمن في الحراك الدبلوماسي الكبير الذي تقوم به كل من الجزائر والمغرب.

إن هذا الانقسام العربي فيما يتصل بالعلاقات العربية مع إفريقيا، وغياب التنسيق المشترك، لا يمكنه أن يسهم في مواجهة الهجمة السياسية والأمنية «الإسرائيلية» على دول القارة جنوب الصحراء.

الحسين الزاوي -الخليج

 
نشر في مختارات