السبت, 07 نيسان/أبريل 2018 07:25

بينما العالم يتقدم .. الشرق الأوسط يتراجع !

قيم الموضوع
(0 أصوات)

بقلم : فريد زكريا |

هنالك الكثير مما يمكن التفاؤل به هذه الأيام ، فالاقتصادات آخذة بالنمو في كل جزء من العالم تقريبا، بينما الحروب و الفقر والمرض كلها آخذة بالتراجع ؛ ولكن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة للشرق الأوسط .

(سوريا) لا تزال بلد انهيار ، فقد فر أكثر من 5 ملايين من سكانها بالفعل . واليمن الآن يعاني من أسوأ مجاعة في العالم ، ومن غير المحتمل أن تنتهي الحرب هناك في وقت قريب.

أما العراق ، الذي يكاد يتعافى من حربه الأهلية ومعركته مع تنظيم الدولة الاسلامية \ داعش ، يقدر أنه يحتاج إلى حوالي (100 ) مليار دولار لإعادة الإعمار – وهو المبلغ الذي لا يملكه.

ويبدو أن خطر نشوب نزاع أكبر في المنطقة يبقى موجودا بشكل دائم . حيث نشهد الآن قتالا بين تركيا ووكلاء الولايات المتحدة ، في حين ان الاشتباك بالنار متبادل بين إسرائيل وسوريا ، وايضا في الآونة الأخيرة، قتلت الغارات الجوية الأمريكية العشرات ، وربما المئات من المرتزقة في سوريا ، وهو تصعيد مقلق لدى خصوم الحرب الباردة (السابقة ) .

في التعامل مع هذا الوضع المتقلب ، يبدو أن إدارة ترامب انفصلت عنه إلى حد كبير ، ويمكن ان نقول بان استراتيجيتها الحالية ، هي مضاعفة موقفها المناهض لإيران في المنطقة ، عبر التعاقد السري مع السياسة الخارجية لإسرائيل والمملكة العربية السعودية ، لكن الأحداث الأخيرة ، تجعل من الواضح أن تلك الاستراتيجية غير فعالة .

في العدد الأخير من مجلة ” الشؤون الخارجية – فورين أفيرز ” الأميركية ، يحث الخبير بشؤون الشرق الأوسط (فالي) نصر ، على إعادة التفكير بشكل أساسي في سياسة واشنطن تجاه إيران . يقول (نصر) : ان ادارة ترامب تتصرف على افتراض أن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط ، هي نتيجة سعي ايران المتزايد إلى نشر إيديولوجيتها بالمنطقة ، وان واشنطن أكثر اهتماما بطهران ، بكونها تمثل قضية (لا ) دولة .

ويشير (نصر) إلى أن هذه الفرضية الامريكية حيال ايران تعتبر خاطئة ، وإن عدم الاستقرار (اليوم) في الشرق الأوسط ، لم ينبع من طموح طهران ، بل كان ذلك نتيجة الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 ، والذي قلب ميزان القوى بين الدول العربية وإيران ، ذلك عن طريق إطاحة (صدام) حسين والسماح بانتشار الفوضى.

لقد واصلت إيران الدفاع عن مصالحها الوطنية بشكل مكثف ، سعيا وراء النفوذ في محيطها ، كما انها لم تحاول نشر الأصولية الإسلامية ، وفي الواقع فقد كانت طهران في طليعة الكفاح ضد الجماعات الإرهابية  مثل تنظيم الدولة الإسلامية \ داعش .

وكانت استراتيجية إيران ، ناجحة بشكل ملحوظ ، فهي تشارك في أماكن عدة ، بحيث يكون لديها حلفاء محليين أقوياء (العراق وسوريا واليمن) ، كما انها على استعداد لتشكيل القوات والميليشيات ، وادارة لعبة طويلة الامد .

خصوم ايران ، بشكل عام، ليس لديهم هذه المزايا ، فالولايات المتحدة وإسرائيل – الغريبتان في العالم العربي – يقاتلون في الغالب من السماء ، لكن الهيمنة الجوية لها حدودها ، من حيث تشكيل الحقائق السياسية على أرض الواقع.

من المهم جدا ، أن أوضح ما ذكره (نصر ) في مقالته المذكورة ، من أن سوريا – التي تدعمها إيران وروسيا – تمكنت من إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية ، كما اضاف بـ” انها المرة الاولى منذ 30 عاما التي تلقى فيها ضربة عسكرية اسرائيلية ردا، وهو مايؤكد – بحسب نصر – على مدى صعوبة طرد ايران وروسيا من سوريا “.

في الوقت نفسه ، تتخذ تركيا إجراءات جريئة على نحو متزايد في شمال سوريا ضد القوات الكردية المدعومة من قبل الولايات المتحدة ، وهذا ما يثير احتمال أن تجد تركيا والولايات المتحدة – العضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو) – نفسيهما في مرحلة ما ، يتبادلان اطلاق النار على بعضهما البعض .

أين الدول العربية في هذه اللعبة الجيوسياسية ؟

قال نصر : ” ان اكثر الحقائق وضوحا حول صراع السلطة فى الشرق الاوسط فى هذه الايام ” ، انما تتمثل في غياب العرب.

فقط ، انظروا إلى القتال الأخير ، يجد المرء ان كل القوى غير العربية – الإيرانية والأتراك والروس والإسرائيليون والأمريكيون – يشاركون في عمليات قتالية ، لتحديد من سيشكل العالم العربي “.

في هذه المرحلة ، وبعيدا عن كونها قوة ثورية ، فان إيران تحاول الى حد كبير ، الابقاء على الوضع الراهن ، لأنها فازت ، خاصة بعد ان أصبح وجودها (الآن) في العراق وسوريا راسخا ، وقد نجا حليفها بشار (الأسد) ، وهو يعزز سلطاته على سوريا ، بينما قد فشلت جهود المملكة العربية السعودية لمكافحة النفوذ الإيراني في اليمن ولبنان وقطر. وقطر الآن أقرب إلى إيران وتركيا ، في حين لا تزال الانقسامات في العالم العربي تتعمق .

من جانبها، برزت روسيا – بعد أن انضمت إلى إيران وحافظت على علاقات وثيقة مع إسرائيل – كنوع من الموازن الخارجي ، الذي كانت تمثله الولايات المتحدة في ما مضى .

وبحسب (نصر) ، فان روسيا ” . . . أصبحت الوسيط الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتحدث عنه الجميع . هذا ليس لأن روسيا قوية ، ولكن لأنها كانت داهية “.

منذ عام 1973 ، عندما طرد هنري (كيسنجر) ، الروس من الشرق الأوسط ، كانت الولايات المتحدة تمثل القوة الخارجية البارزة ، لكنها بدأت تخسر هذا الدور من خلال مزيج من الارتباك ، وفك الارتباط والرفض العنيد ، لقبول الحقائق على الأرض.

ومن شأن اتباع واشنطن لنهج مختلف ، يتمثل في (التعامل مع إيران والعمل مع تركيا وروسيا ) ، أن يعيد الولايات المتحدة إلى مكانتها الفريدة بالمنطقة ، وأن يساعد على خلق توازن أكثر استقرارا للقوة في منطقة تبقى هي من أكثر المناطق الساخنة ، تقلبا في العالم .

التجدّد

 
آخر تعديل على السبت, 07 نيسان/أبريل 2018 07:37