السبت, 07 نيسان/أبريل 2018 11:56

في ذكرى غزو العراق عام 2003

الدكتور بهيج السكاكيني |
خمسة عشر سنة مضت على الغزو الامريكي للعراق عام 2003 وعندها تم تدمير البنية التحتية للعراق بشكل كامل وحلت جميع مؤسسات الدولة بما فيها الجيش وأجهزة الامن ونهبت خيرات البلاد وتم تصفية عدد كبير من خيرة علماء العراق على ايدي الموساد الاسرائيلي ضمن حالة الفوضى التي سادت البلاد بعد الغزو. وما زال العراق للان وبعد خمسة عشر عاما على إحتلاله يعاني من نتائج هذا الاحتلال الهمجي بكل المقاييس سواء في قطاع الخدمات الاساسية للمواطنين او من خلال النظام الطائفي والعرقي الذي أقامته قوات الاحتلال الامريكي التي وضعت اللبنة الاساسية لتقسيم العراق عن طريق زرع الفتنة الطائفية والعرقية. كما كان من النتائج الكارثية ظهور تنظيم القاعدة والتي ولدت تنظيم داعش الارهابي الذي نجح في تمزيق الجسد العراقي قبل القضاء عليه عسكريا مع تحرير الموصل مؤخرا. ولقد تمكن تنظيم القاعدة من التمدد الى الاراضي السورية ونشر المجموعات الارهابية في سوريا والتي ما زالت وبعد سبع سنوات تعاني من نتائج الحرب الكونية المدمرة عليها بالعميل والاصيل لغاية الان.
ولقد تم الغزو الامريكي للعراق تحت ذرائع كاذبة وملفقة من قبل أجهزة الاستخبارات البريطانية والامريكية والتي صاحبتها حملات إعلامية مضللة غير مسبوقة في تاريخ الاعلام. فقد اتهم العراق بإمتلاك اسلحة الدمار الشامل ومن ضمنها النووية والكيماوية والبيولوجية. وصور الاعلام الغربي وبإيعاز من حكومات الدول الغربية وخاصة الامريكية والبريطانية ان العراق على أهبة الاستعداد لاطلاق هذه الاسلحة على عواصم الدول الغربية وانه تم نصبها وتوجيهها وفي انتظار ساعة الصفر للانطلاق. كما إتهم العراق بالمشاركة في احداث الحادي عشر من سبتمبر الكارثية من خلال فبركة علاقاته مع تنظيم القاعدة العامل أفغانستان. الحملة المسعورة التي قادتها وسائل الاعلام الغربية آنذاك بشكل مبرمج ويومي لتحضير الرأي العام العالمي للغزو وتدمير العراق واسقاط نظام الحكم فيه. ولقد استطاعت وسائل الاعلام المارقة والتي اصبحت جزءا لا يتجزء من الطبقة الحاكمة والناطق بلسانها والحاملة لبرامجها دون المساءلة او التشكيك بالنوايا الخفية للزمر الحاكمة في تلك البلدان، ان تقنع هذا العالم بمبررات العدوان الامريكي، ليتضح لاحقا وبإعتراف بعض من شارك في هذا الغزو البربري ان المبررات التي شكلت الاساس لهذا العدوان بنيت على معلومات استخبارية خاطئة ومفبركة.
ولقد وصلت حالة الهستيريا الامريكية آنذاك الى أبعد الحدود عندما قام وزير الخارجية كولن باول بعرض انابيب اختبار صغيرة لا ندري من اين جاء بها ليقول انها تحتوي على مواد كيميائية خطرة تنتجها الدولة العراقية. والعالم بأجمعه يدرك الان ان كل هذا كان مسرحية من إخراج المخابرات المركزية الامريكية وهو أيضا ما إعترف به كولن باول بعد سنوات من الحدث. لقد ادى الغزو الامريكي للعراق الى مقتل ما يقرب من 5000 جندي أمريكي وعشرات الالاف ممن اصيبوا باصابات بليغة ادت الى إعاقة جسدية هذا عدا عن اولئك الذين عادوا الى امريكا بكل الامراض والحالات النفسية نتيجة الخدمة في العراق. هذا ما أظهرته وسائل الاعلام الغربية التي لم تظهر الخسائر البشرية العراقية وكأن موت ما يقرب من مليون عراقي نتيجة هذا الغزو كان ثمنا مقبولا لدى هذه الدوائر الاعلامية. وهذا ليس بالامر الجديد فوسائل الاعلام هذه لم تعلق على ما نطقت به وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبريت عندما تعرضت لسؤال حول مقتل ما يقرب من نصف مليون طفل عراقي نتيجة العقوبات الاقتصادية على العراق ونقص الادوية واللقاحات والمواد الطبية حيث قالت انه ثمن مقبول لفرض العقوبات والتخلص من الرئيس صدام حسين.
وسائل الاعلام الغربية لم تشر الى ان الغزو الامريكي لأفغانستان والعراق كلف الخزينة الامريكية على الاقل 2 ترليون دولار والتي استخدمت لقتل ملايين المدنيين من هذه البلدان التي لم تعتدي على الولايات المتحدة ولم تشكل اي خطر على امنها القومي. كما انها لم تذكر ان السبب الرئيسي لغزو العراق كان بهدف تدمير هذه الدولة الوطنية ومقدراتها لانها أصبحت تهدد المصالح الغربية في المنطقة وتشكل خطرا على ربيبتها الكيان الصهيوني الى جانب الاستيلاء على اكبر مخزن نفطي عالمي آنذاك وكان من المفترض ان تدفع الحكومة العراقية التي سيقيمها الاحتلال ثمن إحتلال البلد والتخلص من نظام صدام حسين.
وبالرغم من الاعترافات التي ظهرت في السنوات الماضية من قبل من اعطوا الاوامر بغزو العراق والتي بينت انهم كانوا على خطأ، ليس هذا وفقط فقد ادانت اللجنة البريطانية التي شكلت للتحقيق في المشاركة البريطانية في غزو العراق الحكومة البريطانية آنذاك، فإن مجرمي الحرب طوني بلير الذي شغل منصب رئيس الوزراء البريطاني وبوش الرئيس الامريكي لم يقدما الى المحاكمة كمجرمي حرب بالرغم من النداءات والمطالب التي تقدمت بها العديد من المنظمات الدولية والاقليمية. وبالرغم من ظهور الكثير من الحقائق حول عمليات التعذيب الذي تعرض لها السجناء العراقيين في سجن أبو غريب الشهير والتي أفرغ فيه الجنود الامريكيين من رجال ونساء ساديتهم ووحشيتهم وهمجيتهم وشذوذهم الجنسي والنفسي على المدنيين من العراقيين وعمليات التعذيب والقتل المتعمد للمدنيين العراقيين من قبل القوات البريطانية والامريكية لم تجري عملية المحاسبة على جرائم الحرب هذه.
عندما غزت امريكا العراق كانت الادارة الامريكية تدعي ان غزو العراق كان من شأنه بناء "الشرق الاوسط الجديد" و"بناء الديمقراطية" كما بشرتنا وزيرة الخارجية الامريكية كوندليزا رايس. وأطلقت الوعود آنذاك ان العراق سينعم بالديمقراطية وتحقيق الرفاهية والعيش الكريم للشعب العراقي..الخ من الوعود البراقة التي لم يتحقق منها اي شيء لان ما حدث هو العكس تماما فما زال العراق يعاني وعلى جميع الاصعدة من نتائج هذا الغزو. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الخدمات الاساسية من كهرباء والماء النظيف للشرب غير متوفرة بشكل دائم للان وبعد خمسة عشر عاما بعد الغزو لان أحد اكبر الدول المتقدمة والغنية في منطقتنا قد نهبت ودمرت بالكامل من أثناء الغزو على يد القوات الامريكية والبريطانية الغازية وبعد الغزو عن طريق النهب من قبل الشركات الامريكية التي وكل اليها "إعادة بناء العراق" إعادة ما دمر اثناء الغزو من جسور ومحطات لتوليد الكهرباء وشبكات الاتصالات وشبكات المياه ...الخ. أضف الى ذلك "بناء" المؤسسات والجيش العراقي بمعنى ان العراق قام بدفع عشرات ان لم يكن مليارات الدولارات من ثروته التي وقعت في أيادي المحتل.
والمصائب التي نجمت عن غزو العراق لم تقتصر على العراق وحده بل امتدت لتشمل المنطقة بأسرها لا بل والعالم بأكمله. وهذا ليست مبالغة على الاطلاق كما قد يعتقد البعض. فالفتنة الطائفية والمذهبية التي قام الاحتلال بتغذيتها في العراق بين السنة والشيعة الى جانب تغذية الفتنة العرقية بين العرب والاكراد على وجه التحديد قد امتد هشيمها الى المنطقة باكملها التي اصبحت تعيش حالة من الاستقطاب الطائفي والمذهبي والعرقي الغير مسبوق.
الى جانب هذا فقد ادى امتداد المجموعات الارهابية من العراق الى سوريا وما نجم عنه من تدمير للحجر والبشر على يد هذه المجموعات الارهابية التي رعتها ومولتها دول إقليمية ودولية غربية وأدى الى تدخل الاصيل في النهاية بعد ان فشلت الادوات الارهابية في تحقيق حلم تمزيق الوطن السوري واسقاط النظام كما حدث في العراق وليبيا على سبيل المثال.
ولقد ادت الازمة السورية والحرب الكونية التي شنت عليها الى تحريك اكبر موجات هجرة غير شرعية ولجوء الى الدول الاروربية عن طريق تركيا وليبيا التي حولت الى دولة فاشلة بعد تدخل حلف الناتو واسقاط نظام القذافي. ولقد ادت موجات الهجرة واللجوء الغير شرعية الى زعزعة الاستقرار والامن الاجتماعي في الكثير مندول الاتحاد الاوروبي. كما ان موجات الهجرة واللجوء زعزعت كيان الاتحاد الاوروبي وسياسة الحدود المفتوحة بين دوله والتي اصبحت تهدد وجود وبقاء الاتحاد الاوروبي الى جانب تردي الاوضاع الاقتصادية لبعض دوله التي لم تتعافى بعد من الركود التي اصابها عام 2008. هذا بالاضافة الى صعود التيارات القومية المتطرفة وخاصة في فرنسا والمانيا كما بينت نتائج الانتخابات المحلية والرئاسية فيها. كما وظهرت موجات العداء للمهاجرين وتعرض البعض منهم الى حالات الاعتداء على مناطقهم السكنية وإضرام النيران في بعضها من قبل حركات نازية وفاشية.
الى جانب ذلك فان صعود المجموعات الارهابية في العراق على اثر الغزو الامريكي عام 2003 ادى ليس فقط الى امتدادها الى الوطن السوري بل الى المنطقة بأكملها في الشمال الافريقي وخاصة في ليبيا والجزائر والداخل الافريقي أيضا وخاصة بعد إقامة دولة الخلافة التي اعلن البغدادي عن قيامها في مدينة الموصل العراقية. وقامت المجموعات الارهابية من تنظيم داعش في الشمال الافريقي وكذلك تنظيم بوكو حرام في نيجيريا بتأييد خلافة البغدادي. ووصل الارهاب الى الدول الاوروبية حيث قامت هذه المجموعات الارهابية بعمليات إرهابية في فرنسا والمانيا وغيرها من الدول التي ذهب ضحيتها مئات المدنيين في حالات دهس او بتفجيرات هنا وهناك. ووصل الارهاب والجماعات الارهابية التي فرت نتيجة الضربات التي تلقتها في سوريا والعراق الى الفلبين وماليزيا وغيرها من الدول الاسياوية .
والى جانب كل ذلك فان الدعم الذي قدمته روسيا الى سوريا في محاربتها للمجموعات الارهابية وتدخلها عسكريا لصالح الدولة السورية بطلب من الحكومة والرئاسة في سوريا والذي ساعد الدولة السورية والجيش العربي السوري وحلفاءه في التغلب على المجموعات الارهابية ومنع تقسيم البلاد، ادى الى تدخل التحالف الدولي الذي ترعاه واشنطن مما ادى الى نشوء الخلافات بينهما في التعاطي مع الازمة السورية. ومما لا شك فيه ان الازمة في سوريا وارتداداتها على الساحة الاقليمية والدولية قد ساهم بشكل تدريجي الى تغيير موازين القوى اقليميا ودوليا وتراجع واضح عن النظام العالمي الذي تميز بالقطب الاحادي وسيطرة الولايات المتحدة على الساحة الدولية لاكثر من ربع قرن. وهذا بحد ذاته أشعل الحملات على روسيا الاتحادية من قبل الدول الغربية التي رأت في التواجد العسكري لروسيا في المنطقة وتأثيره على الصراعات الدائرة فيه يشكل خطرا على المصالح الاستراتيجية للدول الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة. وأصبح العالم اليوم يشهد جوا من الحرب الباردة نتيجة هذا التطور.
في الخلاصة نقول ان غزو العراق عام 2003 لم تقتصر ارتداداته على العراق لوحده بل امتدت هذه النتائج التي ترتبت على الغزو لتشمل المنطقة بأسرها والعالم بأكمله. وكل هذا بسبب السياسة المغامرة والفاشلة للولايات المتحدة وبرامج المحافظين الجدد. ومن الواضح ان الادراة الامريكية الجديدة الى جانب الدولة العميقة في الولايات المتحدة لم تتعلم من دروس الماضي سواء في العراق او في أفغانستان فما زالت تمارس سياساتها الخارجية العدوانية وتحت نفس الذرائع الكاذبة والملفقة تساعدها في ذلك إمبراطورية إعلامية ضخمة الى جانب دول إرتضت ان تكون أدوات فاعلة إما عن طريق المشاركة بقوات عسكرية الى جانب القوات الامريكية مثل دول حلف الناتو أو بالمساهمة بفتح خزائنها ودفع مئات المليارات من الاوراق الخضراء لتغطية تكاليف العدوانية الامريكية على امل ان تنال الفتات والحفاظ على عروشها ومملكاتها. واليوم أصبح العالم يقف على شفير حرب نووية تدفع اليها الطبقة السياسية في الولايات المتحدة وذلك باتخاذها سياسة عدوانية تصعيدية سواء ضد روسيا الاتحادية او كوريا الشمالية او الصين في بحر الصين الجنوبي وتمتد هذه السياسة العدوانية الى منطقتنا سواء في سوريا او اليمن وتحت مبررات كاذبة كما حدث في العراق وليبيا وغيرها من الدول.

 

المهندس : ميشيل كلاغاصي |

مهزلة أمريكية جديدة في مجلس الأمن.. لعبت فيها نيكي هيلي دور "البطولة" على خطى كولن باول الذي سبق وعرض أدلةً وصورا ً مزيفة وقال بعد إحتلال العراق وتدميره :"أنا كاذب", ماذا عساها ستقول المندوبة "هيلي" مندوبة مستقبلاً ؟ , بعدما كررت ذات السيناريو وعرضت ما دعته ب"الأدلة الدامغة", حول "سلوك إيران السيء في اليمن وسوريا ولبنان والعراق" – بحسب هيلي- , وتأكيدها على خرق إيران كافة الإتفاقيات الدولية بما فيها النووية والقرار 2231 , ونقلها للحوثيين صواريخ بالستية قاموا بإطلاقها على السعودية والإمارات , ووعدت بالمزيد من الأدلة والصور لمخزن أسلحةٍ إيرانية "غير قانونية" تضم صواريخ بالستية ومضادات للدبابات وزوارق ملغّمة وطائرات بدون طيار ....إلخ , في معرض تأكيدها أن "إيران تتحدى المجتمع الدولي".. المشهد الذي سارعت بعثة إيران في الأمم المتحدة للتأكيد على زيفه وبإعتبار الإتهام "غير مسؤول واستفزازي ومدمر".
في الوقت الذي كان المبعوث والميسر الأممي ستيفان ديمستورا يدلي للتلفزيون السويسري بجملة أكاذيب وتصريحات تتخطى مهامه ودوره , ويتحدث بلسان ترامب أو تيلرسون ويحمّل الدولة السورية مسؤولية فشل جولة جنيف الثامنة ويؤكد أن : "المعارضة السورية أبدت استعدادها للتفاوض المباشر لكن الوفد الحكومي غير جاهز لذلك", لكنه سارع بعد المؤتمر الصحفي لمندوب سوريا ورئيس وفدها الدكتور بشار الجعفري الذي فضحه وعرّى مواقفه المشبوهة , ليتراجع المبعوث المنحاز ويبرر تصريحاته بالقول أنا كمن يفكر بصوت عالٍ ولست سوى "مفكر إيجابي".
مالذي يحدث ! ولا بد من العودة قليلا ً إلى الوراء ... فقد تحدث البنتاغون مؤخرا ً بأن:"الوجود العسكري الأمريكي في سوريا سيبقى طالما كان ذلك ضروريا ً" , فيما أكدت الخارجية الأميركية "أن مهمة التحالف الدولي في سوريا لم تنته بعد"، وسبق لوزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا أن بشّر في العام 2014 بحربٍ ستستمر نحو ثلاثون عاما ً, تحت ذريعة محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي , أما اليوم وبعد القضاء على التنظيم في سورية و العراق , عدّلت واشنطن من حجتها لتصبح خشية ً أمريكية من ظهور التنظيم بأشكال ٍ مختلفة أو لمنع إنتشارهم في العالم ومنع عودتهم إلى بلاد المنشأ.
سبع سنواتٍ كانت كافية لسوريا ولحلفائها لضعضعة المشروع الأمريكي وخللة الأرض تحت أقدامه , سنواتٌ بدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية عاجزةً عن قبولها تجرّع مرارة الهزيمة , ولا زال في داخلها "صقورٌ" يرفضون الإعتراف بنتائج الحرب الميدانية , ومن يرفضون الإستسلام ويدفعون لإنعاش مشروعها عبر الهروب إلى الأمام بالإعتماد على "مهارات"ومغامرات الأخرق ومجنون العصر الرئيس دونالد ترامب , الذي لم يتورع عن إرتكاب الأخطاء و الخطايا وكافة المعاصي السياسية والدبلوماسية والجرائم الإنسانية .
سنواتٌ بدت فيها واشنطن متأخرة وتحتاج دائما ً الوقت لتعويض بطئ أو تعثر تقدم مشروعها , فالمشاركة الروسية في الحرب على الإرهاب والزخم القوي الذي أبداه حلفاء سورية وبالوقوف إلى جانبها بالإضافة إلى حكمة القيادة السورية و بسالة الجيش العربي السوري , شكلت مجتمعة ً عوامل صادمة للإدارة الأمريكية ولحلفائها ولجيوشها الإرهابية , جعلتها تراهن دائما ً على عامل الزمن عسكريا ً وسياسيا ً علّها تكسر جدار الصمود الفولاذي وتتمكن من تعويض تأخرها , ولجأت إلى كل ما من شأنه الحفاظ على سخونة المعركة على أرض سوريا , عساها تستطيع قلب موازين القوى على الأرض , خصوصا ً بعدما تأكدت من ضعف إعتمادها على المسار السياسي الذي لم تستطع فيه كافة النسخ التي أنتجتها على منحها الشعور بإمكانية الإنتصار , نتيجة ضعفهم وفضائحهم وإفتقادهم الحد الأدنى من التأييد الشعبي على الأرض .. ويمكن لمتتبعي السياسة الأمريكية ملاحظة لجوئها إلى الهدن وإفشالها المصالحات الوطنية والشعبية , ومراهنتها على سياسة التجميد والمناطق العازلة والاّمنة وبالإحتلال المباشر , حتى قبولها لمناطق خفض التوتر لم يكن بهدف تحقيق السلام ووقف الحرب , بل كان من بوابة كسب الوقت والحفاظ على من يحمل السلاح بوجه الدولة السورية.
حتى إقليميا ً ودوليا ً.. سعت لخلخلة وهزّ استقرار حلفائها , ولفتح أكبر عددٍ ممكن من الجبهات الساخنة , مستغلةً إنبطاح أدواتها وعملائها وما تدعوهم "شركائها" , فدعمت الإنقلاب في تركيا , ودفعت السعودية نحو العدوان على اليمن , وإفتعلت حربا ً خليجية – خليجية , لجرّ مصر وتركيا والسعودية وإيران لصدامٍ خطير , كما حاولت إقحام "إسرائيل" بحروبٍ مباشرة في لبنان أو في سوريا وإيران متجاهلةً صراخ نتنياهو وكوابيسه المستمرة منذ عام 2006 , ولم تتوقف عن فتح الصفحة تلو الصفحة , وكادت تصطدم مع إيران وروسيا عسكريا ً والشيء ذاته مع كوريا الشمالية , ولجأت إلى هزّ العالم كله عبر التحرك نحو تصفية الدولة الفلسطينية عبر ما سمي بصفقة القرن , وما انتهت إليه مؤخرا ً بإعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لليهود وبتوقيعه قرار نقل سفارة بلاده إليها...
أي ضوضاء و فوضى تسعى إليها واشنطن لتحرف أنظارها عن هزيمتها في الشرق الأوسط وتحديدا ً في سوريا , وهي مستمرة في وجودها اللاشرعي وبتدعيم قواعدها العسكرية في الشمال والشمال الشرقي لسوريا , وبدعم بعض الأكراد وبعض من يلهثون وراء مالها .. فما يدور في ذهنها رفضٌ وسعيٌ كبير للتسليم بنفوذ روسيا في المنطقة , ولتقليص نفوذ إيران ووصولها إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا , وعيونها شاخصة على تمرير خطوط الغاز الأمريكية - الخليجية المعترضة والمنافسة للخطوط الروسية والإيرانية , دون أن يغيب عن ذهنها التروات النفطية والغازية الجديدة المكتشفة على طول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في سوريا و لبنان وفلسطين المحتلة.
يبدو أن واشنطن تعيش هاجس تعويض فارق الخطوة لتغيير واقع هزائمها العسكرية واستبداله بواقعٍ جديد تحاول فرضه على الأراضي السورية , وبرفع مستوى تهديدها لإيران والإقتراب من حدودها أكثر فأكثر , أو بالمغامرة والتلويح بمواجهتها عسكريا ً بما من شأنه أن يمنحها فرصة الفوز - وهذا ما لا ننصحها به إلاّ إذا قررت الإنتحار- .
لقد أفلست واشنطن ولم تعد تستطيع إخفاء نواياها بعيدا ً عن أكاذيب ترامب وبإعلانه المثير للسخرية بإنتصاره على"داعش" في سورية , ليبرر بقاء قواته في أكبر عملية إحتيال على المجتمع الدولي – بحسب وزارة الدفاع الروسية - وسط ضغطٍ سياسي ٍ روسيٍ رهيب يسلط الأضواء على وجود القوات الأمريكية بصورة لا شرعية , وبما يحمله هذا الموقف من قرع أجراس تحوّل الدولة السورية في الوقت المناسب نحو مقاومة وطرد المحتل الأمريكي بالقوة إذا لزم الأمر , وبما يتوافق ويتماهى مع وعد الرئيس الأسد "بتحرير كل شبر".

 
الصفحة 1 من 2