المهندس ميشيل  كلاغاصي |

كما جرت العادة , وقبيل كل جولة أو لقاء من مباحثات السلام أو الحوار السوري–السوري, يرتفع مستوى التصعيد العسكري بما يؤكد قيمة الحل العسكري وتقدمه على الحل السياسي , وما حدث قبيل لقاء سوتشي المزمع عقده في نهاية الشهر الجاري بدا مختلفا ً عن كافة اللقاءات والجولات السابقة تحت كافة المسميات .. إذ كان لا بد للدول الداعمة والراعية الأولى للإرهاب الدولي وصاحبة المشروع الأساسي في سوريا أن تظهر بذواتها وبأجسادها الحية علانية ً, وعلى ما يبدو أن العام 2018 سيكون حاسما ً لناحية وضع نقطة النهاية لأحلام أصحابها .
فلم يسبق أن احتدمت الأمور وارتفعت درجة غليان الحسابات والميادين كما يحدث اليوم , وبدون أية مبالغة ولشدة تعقيد المشهد السوري وارتباطه بالمشهد الدولي الوليد على إيقاع المواجهة المباشرة بين الأطراف الدولية المتصارعة وجها ً لوجه بعدما خفت "نجم و بريق" الصراع بالوكالة , فتنظيم "داعش" أصبح خارج دائرة التأثير وتحوّل إلى مجموعات تقاتل في بعض الجيوب , أما "جبهة النصرة" فينتظرها عامٌ ساخن بعدما وضعتها القيادتين العسكريتين الروسية والسورية على جدول أولوياتهما العسكرية.
ولم يعد خافيا ً على أحد رفض واشنطن لعقد مؤتمر سوتشي والنتائج المتوخاة منه , على الرغم من أنه لا يتعارض مع كافة المسارات السياسية وتحديدا ً مؤتمر جنيف , فالمؤتمر يحاول تطبيق وترجمة غالبية القرارات الأممية وخلاصات اللقاءات السابقة بما فيها لقاءات أستانا , التي اعتنت بالجانب الميداني وتوصلت لإنشاء خارطة ميدانية على أساس إيجاد مناطق تخفيض التوتر , فيما يسعى سوتشي لإيجاد الخارطة السياسية الموازية , بما يًتيح لمؤتمر جنيف أن يمضي قدما ً على الأسس التي تم التوافق عليها وإعتماد القرار 2254 جوهرا ً لها .. فلم يسبق لمؤتمر سوتشي أن أعلن نفسه بديلا ً عن جنيف , ومع ذلك تتمسك واشنطن بأساليب الضغط على الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الأممي ستيفان ديمستورا لعدم حضور المؤتمر , ناهيك عن تكليف المعارضة الخارجية برفض المؤتمر, خصوصا ً بعد استدعاء رئيس الهيئة العليا للتفاوض نصر الحريري إلى واشنطن ولقاءاته مع شخصيات برلمانية وأعضاء لمجلس الشيوخ الأمريكي , وبلقاءات متقدمة مع مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي , لحين بلورة الموقف الأمريكي وتلقينه لمن يدعون المعارضة .. ومن اللافت استعمال الحريري من واشنطن لازمة " من فوضونا " في إشارة إلى الشعب السوري , ما يؤكد غيبوبته وإنفصاله عن الواقع , يبدو أن الحريري لم ير اّلاف العائدين إلى حضن الوطن وفرحة الأهالي بتحرير الجيش لمناطقهم , ناهيك عن التظاهرات المناهضة لبقاء الإرهابيين (المعارضين) , وما حدث مؤخرا ً في يلدا وببيلا وبيت سحم خير دليل .
الحرب الأمريكية على سوتشي ....

يمكن وضع والأحداث الأخيرة المرتبطة مباشرة بأجندات مؤتمر سوتشي تحت دائرة الضوء , فمن إعلان ترامب القدس عاصمة ً لليهود , إلى المعارك وسيطرة الجيش السوري على مناطق واسعة وهامة في الجنوب السوري وفي محيط بلدة بيت جن , وماجرى من حراك يائس للإرهابيين بمحاصرة إدارة المركبات بمشاركة بعض المجموعات الإرهابية المصنفة معتدلة والتي شاركت في أستانا , ووقوفها في خندق واحد مع جبهة النصرة في معارك حرستا بدعمٍ اسرائيلي , وما تلاها من معارك فك الحصار , ناهيك عن الإعتداء الإسرائيلي المباشر- متعدد الوسائل والأساليب على الأراضي السورية في منطقة القطيفة , بالإضافة إلى استهداف القوات الروسية في قاعدتي حميميم وطرطوس عبر الطائرات المسيرة بدون طيار وبالرؤوس التدميرية المتطورة, ومعاقبتها الفورية للفاعلين بعد تبرئة الطرف التركي , إلى الصراخ التركي–القطري–الفرنسي حيال تقدم الجيش السوري في عمق ريفي حلب الجنوبي وإدلب الشرقي , بهدف الوصول إلى مطار أبو الضهور الإستراتيجي , بالإضافة إلى محاولات واشنطن لضرب وزعزعة أمن إيران من الداخل , وجعجعة ترامب حيال إلغاء أو تعديل الإتفاق النووي الإيراني .. فالحراك السياسي والعسكري والذي تخطى حدود سوريا يؤكد أهمية مؤتمر سوتشي لمن يؤيده لناحية إنهاء الحرب في سوريا وتبريد الصراع الإقليمي والدولي , ولمن يريد للحرب أن تستمر تعويضا ً لهزائمه فيسعى لعرقلته وربما لنسفه.
إن ما يحدث الاّن لا يشكل نتائج اّنية لطبيعة الصراع , إنما هو حصيلة لسنوات الحرب الفائتة وعلى وجه التحديد حصيلة أكثر من عام أمضاها دونالد ترامب المرشح والرئيس في تحجيم وتهديد حلفائه وشركائه أسوة ً بأعدائه , نسف فيها عشرات الإتفاقيات والسياسات , ورسم العالم حدودا ً للفوضى , خدع فيها نفسه برفضه الإعتراف بمكانة واشنطن الجديدة كدولة عظمى في عالم متعدد الأقطاب , فقدت فيها ريادتها و قيادتها للعالم منفردة ووحيدة .
أمريكيا ً ... فقد بات من المؤكد عدم إمكانية تحقيق واشنطن أي إنتصار عسكري لها في سوريا , خصوصا ً بعد القضاء على تنظيم "داعش" وفشلها في تأمين البديل, وتعثرها في الميدان على الرغم من استمرار إعتمادها على بعض الأكراد , وفشلها في إنشاء ما دعته "جيش سوريا الجديد" بأعداد مهمة.
أما تركيا ً .... فلا زال أردوغان يدور وسط مستنقع دوره الضامن لمناطق خفض التوتر , وما بين تبخر أحلامه العصملية-الإخوانية , فلن يفلح طويلا ً تحت قناعه المزدوج فيما لحظات الحقيقة تقترب مع إقتراب الجيش السوري من مدينة إدلب.. بعدما أخفق أردوغان في التعمية على مواقفه الداعمة لجبهة النصرة و إبتعاده عن جوهر دوره الضامن بفرز المسلحين وعزل النصرة و محاربتها , كما أخفق في تصريحاته وبمطالبته للضامنين الروسي و الإيراني بضرورة توقف الجيش السوري عن التقدم في ريف إدلب تحت ذريعة حماية المدنيين والحد من تهجيرهم , يبدو أن أردوغان يحاول إقناع العالم بأن الإرهابيون الإيغور هم مدنيون وسوريون ! .. وعلى الرغم من أن التحرك السوري مُتفق عليه في لقاءات أستانا , كان لا بد لأردوغان أن يصرخ ويتألم فمشروعه في سورية يتداعى وتقدم الجيش شمالا ً سيقضي تماما ً على أحلامه.
أما إسرائيليا ً ... فقد سقطت كافة الخطوط الحمراء التي رسمها نتنياهو أمام دمشق , ومع سيطرة الجيش السوري على مناطق واسعة في الجنوب وفي محيط بلدة بيت جن , التي أطاحت بأحلامه وبإبعاد القوات السورية مسافة 35 كم عن الحدود , وعودة القوات السورية لتقف على حدود ما قبل العام 2011 , بالإضافة إلى التغييرات التي سمحت للمقاومة بالتواجد هناك , بالتوازي مع تصريحات السيد حسن نصرالله بالإستفادة من الإنجازات وتحويل المواجهة القادمة إلى فرصة تاريخية للإنتصار و للتقدم في العمق الفلسطيني ... وفي هذا السياق تأتي الإعتداءات الإسرائيلية الأخيرة بعد فشل المجموعات الإرهابية في إحداث الفارق في الغوطة الشرقية , عبر المحاولة الفاشلة للتقدم على جبهة حرستا وإدارة المركبات , لكن النتائج حملت للعدو ما لم يكن بالحسبان , وأعتقد أنها فوجئت بطريقة و نوعية الرد السوري , بما يشي بأن القوات السورية استطاعت ترميم وتطوير دفاعتها الجوية التي تم استهدافها منذ اليوم الأول للحرب على سوريا .
على الرغم من الإعداد الجيد لمؤتمر سوتشي , وإهتمام الدولة الروسية بتطبيق القرارات الأممية السابقة , خصوصا ً ما يتعلق بدعوة أكبر طيف ممكن من السوريين , ومع كافة معارك العرقلة السياسية والعسكرية التي تتم بإشراف واشنطن المباشر , يبقى من المبكر التأكيد على إنعقاد المؤتمر وفي موعده , أوتأجيله أو إلغاؤه تخضع لحسابات وإتفاقات معقدة بين موسكو و واشنطن بالدرجة الأولى .. ويبقى من الثابت أن مؤتمر سوتشي أرّق مضاجع أعداء سوريا وأعداء الحل السياسي , لكن الدولة السورية لن تستعجل إنتصارها مع إيمانها به وبحكمة قائدها وبسالة جيشها الوطني ,. فسوتشي اليوم قد تنتفي الحاجة له في المستقبل القريب , فللإنتصار عنوان وحيد.

 

المهندس : ميشيل كلاغاصي |

مهزلة أمريكية جديدة في مجلس الأمن.. لعبت فيها نيكي هيلي دور "البطولة" على خطى كولن باول الذي سبق وعرض أدلةً وصورا ً مزيفة وقال بعد إحتلال العراق وتدميره :"أنا كاذب", ماذا عساها ستقول المندوبة "هيلي" مندوبة مستقبلاً ؟ , بعدما كررت ذات السيناريو وعرضت ما دعته ب"الأدلة الدامغة", حول "سلوك إيران السيء في اليمن وسوريا ولبنان والعراق" – بحسب هيلي- , وتأكيدها على خرق إيران كافة الإتفاقيات الدولية بما فيها النووية والقرار 2231 , ونقلها للحوثيين صواريخ بالستية قاموا بإطلاقها على السعودية والإمارات , ووعدت بالمزيد من الأدلة والصور لمخزن أسلحةٍ إيرانية "غير قانونية" تضم صواريخ بالستية ومضادات للدبابات وزوارق ملغّمة وطائرات بدون طيار ....إلخ , في معرض تأكيدها أن "إيران تتحدى المجتمع الدولي".. المشهد الذي سارعت بعثة إيران في الأمم المتحدة للتأكيد على زيفه وبإعتبار الإتهام "غير مسؤول واستفزازي ومدمر".
في الوقت الذي كان المبعوث والميسر الأممي ستيفان ديمستورا يدلي للتلفزيون السويسري بجملة أكاذيب وتصريحات تتخطى مهامه ودوره , ويتحدث بلسان ترامب أو تيلرسون ويحمّل الدولة السورية مسؤولية فشل جولة جنيف الثامنة ويؤكد أن : "المعارضة السورية أبدت استعدادها للتفاوض المباشر لكن الوفد الحكومي غير جاهز لذلك", لكنه سارع بعد المؤتمر الصحفي لمندوب سوريا ورئيس وفدها الدكتور بشار الجعفري الذي فضحه وعرّى مواقفه المشبوهة , ليتراجع المبعوث المنحاز ويبرر تصريحاته بالقول أنا كمن يفكر بصوت عالٍ ولست سوى "مفكر إيجابي".
مالذي يحدث ! ولا بد من العودة قليلا ً إلى الوراء ... فقد تحدث البنتاغون مؤخرا ً بأن:"الوجود العسكري الأمريكي في سوريا سيبقى طالما كان ذلك ضروريا ً" , فيما أكدت الخارجية الأميركية "أن مهمة التحالف الدولي في سوريا لم تنته بعد"، وسبق لوزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا أن بشّر في العام 2014 بحربٍ ستستمر نحو ثلاثون عاما ً, تحت ذريعة محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي , أما اليوم وبعد القضاء على التنظيم في سورية و العراق , عدّلت واشنطن من حجتها لتصبح خشية ً أمريكية من ظهور التنظيم بأشكال ٍ مختلفة أو لمنع إنتشارهم في العالم ومنع عودتهم إلى بلاد المنشأ.
سبع سنواتٍ كانت كافية لسوريا ولحلفائها لضعضعة المشروع الأمريكي وخللة الأرض تحت أقدامه , سنواتٌ بدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية عاجزةً عن قبولها تجرّع مرارة الهزيمة , ولا زال في داخلها "صقورٌ" يرفضون الإعتراف بنتائج الحرب الميدانية , ومن يرفضون الإستسلام ويدفعون لإنعاش مشروعها عبر الهروب إلى الأمام بالإعتماد على "مهارات"ومغامرات الأخرق ومجنون العصر الرئيس دونالد ترامب , الذي لم يتورع عن إرتكاب الأخطاء و الخطايا وكافة المعاصي السياسية والدبلوماسية والجرائم الإنسانية .
سنواتٌ بدت فيها واشنطن متأخرة وتحتاج دائما ً الوقت لتعويض بطئ أو تعثر تقدم مشروعها , فالمشاركة الروسية في الحرب على الإرهاب والزخم القوي الذي أبداه حلفاء سورية وبالوقوف إلى جانبها بالإضافة إلى حكمة القيادة السورية و بسالة الجيش العربي السوري , شكلت مجتمعة ً عوامل صادمة للإدارة الأمريكية ولحلفائها ولجيوشها الإرهابية , جعلتها تراهن دائما ً على عامل الزمن عسكريا ً وسياسيا ً علّها تكسر جدار الصمود الفولاذي وتتمكن من تعويض تأخرها , ولجأت إلى كل ما من شأنه الحفاظ على سخونة المعركة على أرض سوريا , عساها تستطيع قلب موازين القوى على الأرض , خصوصا ً بعدما تأكدت من ضعف إعتمادها على المسار السياسي الذي لم تستطع فيه كافة النسخ التي أنتجتها على منحها الشعور بإمكانية الإنتصار , نتيجة ضعفهم وفضائحهم وإفتقادهم الحد الأدنى من التأييد الشعبي على الأرض .. ويمكن لمتتبعي السياسة الأمريكية ملاحظة لجوئها إلى الهدن وإفشالها المصالحات الوطنية والشعبية , ومراهنتها على سياسة التجميد والمناطق العازلة والاّمنة وبالإحتلال المباشر , حتى قبولها لمناطق خفض التوتر لم يكن بهدف تحقيق السلام ووقف الحرب , بل كان من بوابة كسب الوقت والحفاظ على من يحمل السلاح بوجه الدولة السورية.
حتى إقليميا ً ودوليا ً.. سعت لخلخلة وهزّ استقرار حلفائها , ولفتح أكبر عددٍ ممكن من الجبهات الساخنة , مستغلةً إنبطاح أدواتها وعملائها وما تدعوهم "شركائها" , فدعمت الإنقلاب في تركيا , ودفعت السعودية نحو العدوان على اليمن , وإفتعلت حربا ً خليجية – خليجية , لجرّ مصر وتركيا والسعودية وإيران لصدامٍ خطير , كما حاولت إقحام "إسرائيل" بحروبٍ مباشرة في لبنان أو في سوريا وإيران متجاهلةً صراخ نتنياهو وكوابيسه المستمرة منذ عام 2006 , ولم تتوقف عن فتح الصفحة تلو الصفحة , وكادت تصطدم مع إيران وروسيا عسكريا ً والشيء ذاته مع كوريا الشمالية , ولجأت إلى هزّ العالم كله عبر التحرك نحو تصفية الدولة الفلسطينية عبر ما سمي بصفقة القرن , وما انتهت إليه مؤخرا ً بإعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لليهود وبتوقيعه قرار نقل سفارة بلاده إليها...
أي ضوضاء و فوضى تسعى إليها واشنطن لتحرف أنظارها عن هزيمتها في الشرق الأوسط وتحديدا ً في سوريا , وهي مستمرة في وجودها اللاشرعي وبتدعيم قواعدها العسكرية في الشمال والشمال الشرقي لسوريا , وبدعم بعض الأكراد وبعض من يلهثون وراء مالها .. فما يدور في ذهنها رفضٌ وسعيٌ كبير للتسليم بنفوذ روسيا في المنطقة , ولتقليص نفوذ إيران ووصولها إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا , وعيونها شاخصة على تمرير خطوط الغاز الأمريكية - الخليجية المعترضة والمنافسة للخطوط الروسية والإيرانية , دون أن يغيب عن ذهنها التروات النفطية والغازية الجديدة المكتشفة على طول الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في سوريا و لبنان وفلسطين المحتلة.
يبدو أن واشنطن تعيش هاجس تعويض فارق الخطوة لتغيير واقع هزائمها العسكرية واستبداله بواقعٍ جديد تحاول فرضه على الأراضي السورية , وبرفع مستوى تهديدها لإيران والإقتراب من حدودها أكثر فأكثر , أو بالمغامرة والتلويح بمواجهتها عسكريا ً بما من شأنه أن يمنحها فرصة الفوز - وهذا ما لا ننصحها به إلاّ إذا قررت الإنتحار- .
لقد أفلست واشنطن ولم تعد تستطيع إخفاء نواياها بعيدا ً عن أكاذيب ترامب وبإعلانه المثير للسخرية بإنتصاره على"داعش" في سورية , ليبرر بقاء قواته في أكبر عملية إحتيال على المجتمع الدولي – بحسب وزارة الدفاع الروسية - وسط ضغطٍ سياسي ٍ روسيٍ رهيب يسلط الأضواء على وجود القوات الأمريكية بصورة لا شرعية , وبما يحمله هذا الموقف من قرع أجراس تحوّل الدولة السورية في الوقت المناسب نحو مقاومة وطرد المحتل الأمريكي بالقوة إذا لزم الأمر , وبما يتوافق ويتماهى مع وعد الرئيس الأسد "بتحرير كل شبر".

 

 المهندس : ميشيل كلاغاصي |

انتظره العالم ليعلن في دقائق قرارا ً خطيرا ً تجاوز فيه عقود الحروب والمعارك وإتفاقيات "السلام", ليصب جام غطرسته وعنجهيته وينزع قناعه الأمريكي ليظهر وجهه الصهيوني القبيح, فالقدس بنظر دونالد ترامب هي عاصمة "إسرائيل" ونقل السفارة الأمريكية إليها أصبح واقعا ً وأمرا ً رئاسيا ً أمريكيا ً على طريق التنفيذ السريع أو الإبتزاز البطيء , دقائق قليلة اعتقد أنها كافية لإقناع العالم بجملة أكاذيب وأضاليل تبرر جريمة ً لا أخلاقية سياسية متهورة تضرب عرض الحائط بكافة الجهود الدبلوماسية لعشرات الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وتشكل مخالفة ً سافرة لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومنها ما يمنع "إسرائيل" بالمطالبة بفرض سيادتها على كامل المدينة, والأهم هو التلاعب بمصير فلسطينيون ضحوا ودافعوا عن حقوقهم ووجودهم وأسوار مدينتهم المقدسة سبعون عاما ً, فقد اعتبر ترامب أن ("إسرائيل" دولة ً ذات سيادة ولها الحق في تحديد عاصمتها كغيرها من الدول , ووجد فيها واحدة ً من أنجح الدول الديمقراطية في العالم, وأن القدس هي العاصمة التي أسسها الشعب اليهودي في الزمن القديم, واستطاعوا أن يجعلوها بلدا ً يعيش فيه اليهود والمسيحيون والمسلمون بحرية ويمارسون عباداتهم وفق معتقداتهم), متجاهلا ً حقيقتها العدوانية العنصرية التي قامت على أساس إغتصاب الأراضي الفلسطينية وتهويدها , وما إرتكبته بحق أهلها من أبشع الجرائم والمجازر, وأفظع أساليب العنف والقمع بعدما ملئت سجونها بالأبرياء وطلاب المدارس وحتى المصلين, وتجاهل عنصريتها وأحلامها وأهدافها بإقامةٍ دولة يهودية لم تحترم يوما ً مقدسات الغير ولم تتورع عن تدنيس مساجدهم وكنائسهم عبر ممارساتٍ مدروسة وممنهجة على طريق طردهم وإخراجهم منها, والأهم فقد تجاهل عروبتها وأصالة شعبها وتاريخية وجودهم وجذورهم فيها, وأنها عاصمتهم منذ الأزل وإلى الأبد, وأنهم خاضوا من أجلها عشرات الحروب وواجهوا الطغاة والغزاة وكل من سبق الإسرائيليون في غزوها وإحتلالها, وحافظوا على أرضهم وتمسكوا بالقدس كعاصمة ً لهم عبر التاريخ.

لم يفاجِئ دونالد ترامب أحدا ً بهذا القرار, بل جاء تتويجا ً وحصيلة ً لمجمل عواملَ تتعلق بشخصه كرئيس ٍ للإدارة الأمريكية الحالية وعلى خطى الرؤساء والإدارات السابقة التي لطالما كانت الداعم الأول لقيام هذا الكيان وحمايته وتمكينه من تكريس مشروعه بإقامة الدولة اليهودية على الأرض الفلسطينية , بالإضافة إلى حالة الشرذمة والضعف والتفكك العربي والتي وصلت حد العمالة والخيانة لمعظم الحكام والحكومات العربية , اللذين نقلوا عروشهم وإمكاناتهم من كتف العروبة إلى كتف الصهيونية و كانوا "خير" عبيد لأعتى وأشرس قوى الإحتلال والإرهاب حول العالم , ولم يعد الحديث عن فضحهم وإثبات عمالتهم أمرا ً صعبا ً , فقد بلغوا من الوقاحة حد الإعلان والكشف عن علاقاتهم السرية والعلنية وتحوّلهم عن العداء الصهيوني واستبداله بالعداء لأعداء واشنطن و"إسرائيل" , فأصبحت دولة إيران وسوريا وحركات و أحزاب وفصائل المقاومة وكل من حمل راية الدفاع عن الإنتماء والهوية والحقوق العربية عدوهم الأول , وباتت "إسرائيل" الحليف والصديق وربما الشقيق .. وخاضوا بالنيابة عنها حروب "الربيع العربي" المزور , وتصدروا معركة تصفية القضية الفلسطينية وتدمير عواصم المقاومة في سوريا والعراق ولبنان واليمن ...إلخ, وبتنا نسمع مواقف لساسة العالم العربي يندى لها جبين الإنسانية , فذهب بعضهم نحو تحرير فلسطين سلما ً ! وبرفضِ حمل السلاح وتشكيل فصائل مقاومة على غرار حزب الله اللبناني , وبإعتبار المقاومة إرهابا ً, وقبول مبدأ تبادل الأراضي , وكل ما يجري الحديث عنه من صفقة القرن التي تكشفت بعض فصولها وستؤدي حتما ً إلى ضياع الحقوق العربية مقابل حفنة من مليارات الدولارات, إن تسويق مفهوم المقاومة تحت مسمى الإرهاب من قبل حكام اّل سعود ومن لفّ لفهم لم يكن إلاّ مقدمةً لتقديم الوطن الفلسطيني هديةً للكيان الصهيوني على طبقٍ من خذلانٍ وتآمرٍ عربي - صهيو- أميركي .. فشرفاء الامة والغيارى والمقاومون لن ينتظرون صحوةً عروبية شاملة لغسل عار من تخاذلوا وتاّمروا , ولن ينتظروا زمنا ً يُصلح ويُنعش الآمال بعدما أفسدها دهر العمالة والخيانة.

فقد ساهمت غالبية الأنظمة الرسمية العربية بفعالية كبيرة في دعم الحركة الصهيونية بقبولها إستبدال أدوات الصراع السياسية – القومية بصراعٍ ديني يمنح قادة العدو الإسرائيلي فرصة إثبات الذات وسط صراعاتٍ دينية تغطي مساحة المنطقة , فالصراع بحسب وعد بلفور كان بمنح الصهاينة أرضا ً لتكون وطنا ً قوميا ً لهم , لكنهم أرادوها هروبا ً من مفهموم خيالي أجوف لا يملكون فيه الحد الأدنى من عوامل نشوء الأمم والقوميات بما يساعدهم على الوصول لهدفهم "المنشود" وفضلوا خوض المعركة على أساسٍ ديني عنصري صرف تماهيا ً مع ما يُبيح لهم طرد كل عربيٍ وغير يهودي من أرض فلسطين, الأمر الذي دفعهم لتسويق الصراع الديني بأدواته و مصطلحاته الخاصة , واختاروا الإستفراد بمكونات الشعب الفلسطيني , فكان إستهداف المسيحيين وتهجيرهم أولا ً, و من ثم العبث وإشاعة الفتنة بين المسلمين والدفع بالصراع السني الشيعي ليكون بوابة الصراع القاتل , فإنقسم العرب بين محورين ووقف نصف الأمة بمواجهة نصفها الاّخر والعدو الصهيوني يقود الحرب نحو تدمير الطرفين.

لم يكن غالبية العرب أذكياء بما يكفي , إذ ساروا بركب تحويل الصراع القومي إلى صراع ديني من دون وعي وحسابات متقدمة, ولم يعرفوا أن دفاعهم الأساسي هو عن دولة فلسطين وهويتها و إنتماءها العربي بما يشمل الأرض والشعب والمقدسات , وما يشكل من واجبٌ وطني وقومي وإنساني مقدس يُلزم جميع الفلسطينيين وجميع العرب والأحرار في العالم بالدفاع والوقوف معهم , ولو فعلها العرب لما وقعوا فريسة الفتن الطائفية والمذهبية التي استغلها أعداء الأمة واجتهدوا لتشويه الدين الإسلامي عبر عروش البدع الدينية في الخليج العربي وشيوخ فتنهم المأجورين ما مكن العدو من تحقيق أهدافه كاملة ً لولا صمود الدولة السورية ومن وقف إلى جانبها من المقاومين والشرفاء الكثر في عالمنا العربي.. ولكانت نصف الدول العربية الاّن تحت حكم الإخوان المسلمين بالقيادة التركية ونصفهم الاّخر تحت القيادة التلمودية الوهابية بالقيادة الإسرائيلية المباشرة , ولكان عدد الدول والدويلات العربية يسجل رقما ً قياسيا ً بين الأمم, أعتقد أنه من المناسب و ربما من الواجب أن تشكر الشعوب العربية كافةً الدولة السورية قيادةً وجيشاً وشعبا ً , فصمود سوريا أعاد الأمل إلى الأمة العربية بالنهوض مجددا ً وبمواجهة ما تبقى من المشروع الصهيو– أمريكي الذي تم ويتم إستكمال دحره بالقضاء على جحافل الجيوش الإرهابية في "داعش" و "النصرة" وغيرها على إختلاف مسمياتها عن أرض سوريا و العراق .. وندعو شرفاء الأمة ومقاوميها للإلتفاف حول قيادة الرئيس بشار الأسد وكافة قادة المقاومة الحقيقيين كسماحة السيد حسن نصر الله ليقودوا الأمة نحو إستعادة كرامتها وتعزيز هويتها وإنتماءها العربي الأصيل والزود عن حياض الأمة و إستعادة حقوقها وعلى رأسها تحرير دولة فلسطين العربية وعاصمتها القدس الشريف .

ويبقى من اللافت إختيار دونالد ترامب توقيت إعترافه بالقدس عاصمة لليهود وتوقيعه صك نقل السفارة الأمريكية إليها, فكما هو معروف أن واشنطن – ترامب وفريقه الإرهابي الدولي والإسرائيلي والخليجي , يعيشون أزمة حصاد هزائمهم في سورية و العراق واليمن ولبنان , وهزائم كبرى في الشرق الأوسط خصوصا ً بمواجهة إيران , وهزائم دولية بمواجهة روسيا وحلفائها من جهة , وبمواجهة خصومها و منافسيها في أوروبا و الشرق الأقصى والأدنى من جهة أخرى , وتعاني من إحراجٍ كبير في مواجهة الرعيم الكوري , ناهيك عن أزمات داخلية تتعلق بخلافاتٍ عميقة جسدها إعلان ترامب الأخير من البيت الأبيض وليس عن طريق وزارة الخارجية , وسط معلومات عن رفض وزير الدفاع الجنرال ماتيس ووزير الخارجية تيلرسون هذا الإعلان , في وقتٍ لا تحقق هذه الخطوة أية مصلحة أو مكسب للإدارة الأمريكية , فما فعله ترامب قوبل بإستجانٍ فلسطيني وعربي ودولي كبير رصدته الصحافة الغربية والأمريكية , فالغارديان البريطانية رأت أن قرار ترامب "يعيد إلى الأذهان أيام الغضب وقد تليها سنوات من الغضب" , فيما اعتبرت اللوموند أن ترامب "زاد من عزلته" , أما لوفيجارو فإعتبرت أنه بقراره هذا "وحد المسلمون شيعةً و سنةً من طهران إلى الرياض وأنقرة تحت عنوان القدس خطٌ أحمر", هذا يقودنا إلى البحث عن السبب الأكثر واقعية ً, وسعيه لما يحفظ ماء وجهه , أو ما يجد فيه تعويضا ً عن هزائمه وهو على أعتاب نهاية الحرب في سوريا وحتمية خروج وإخلاء العسكريين الأمريكيين قواعدهم هناك , وربما من باب حرف الأنظار عن عملٍ عسكري كبير قد يقدم عليه مجنون البيت الأبيض تجاه حزب الله في لبنان أو تجاه سوريا أو إيران و ربما كوريا الشمالية.

لا يسعنا إلاّ أن نحيي بطولة الشباب الفلسطيني الذي أثبت و يثبت في كل يوم أنه شعب لا يقهر ولا يستكين قبل تحقيق المراد ودحر المحتل , ويليق بقادة الدولة الفلسطينية وقادة حركات المقاومة وفصائلها المسلحة أن تضع خلافاتها جانبا ً , وأن يحذوا حذوها قادة وحكام النظام الرسمي العربي , و أن يستغلوا التهديد الجديد بالتوحد على أسس الهوية والإنتماء العربي والبوصلة الفلسطينية , فالمغامرة والمقامرة الأمريكية فشلت والزمن هو للتوحد و للتكفير عن "الذنوب" فالشعوب العربية بلغت من الوعي والرشد ما سبق قادتها بأضعاف و ربما يكون الوقت مناسبا ً للم الشمل والوقوف وقفة رجل واحد في دعم الإنتفاضة الرابعة التي تتضح معالمها بسرعة كبيرة , ففلسطين تحتاج جهود ومقدرات كل الأمة , ولا بأس أن تتقدم الشعوب حكامها , وأن تصل متأخرا ً خيرا ً من ألاّ تصل , فلن تهزم الشعوب الحية المقاومة ومن له اّذان فليسمع.

 
الصفحة 1 من 2