د.سهام محمد-باحثة في شؤون السياسة الدولية |

يمر الغرب حالياً بأزمة نُظُم غير مسبوقة فهناك قوى عالمية كبرى توجّه، تصاعديا، مجمل وسائل الإعلام في اتجاه واحد، بالتوازي مع تغير محتوى وسائل الإعلام بالكامل، التي كانت حتى العام الماضي، تتمتع بشيء من المنطق، وتميل إلى الموضوعية.

أصبحت الآن تتصرف بمنطق العصابات، تبني تماسكها على العواطف، وسرعان ما تصبح شريرة في وجه كل من يحاول التنديد بها

و أكبر دليل  على ذلك اليوم نظم الإعلام التي وضعت في الغرب لقيادة البروباغندا ضد سورية.

نسج التجمع الذي يقوده (غوغل ميديا لاب) روابط بين أربع عشرة من المجموعات الإعلامية الكبرى المهيمنة في الغرب. هي بالتأكيد "تفاهم غير مشروع"، وغير مبني على أهداف لتحديد الأسعار، بقدر ما هي مبنية على تحديد العقول، وفرض فكر أحادي مهيمن منذ زمن طويل.

هذا اضافة الى انّه جمع في الولايات المتحدة كما في فرنسا وألمانيا، بين وسائل إعلام حاضرة في آن واحد، على الصعيد المحلي في تلك البلدان، وأخرى حاضرة على المستوى العالمي، للتحقق من صحة بعض الذرائع.

بصرف النظر عن طبيعة المصالح السياسية التي دفعت شركة تجارية كبرى متخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات، لتمويل هذه المبادرة، إلا أن النتيجة المرجّوة، لم تكن شيئا مهما، وتتضح لنا الاسباب هنا:

أولاً، لأن الاتهامات التي يُراد مراجعتها، لم يتم اختيارها بالنظر للمكانة التي تشغلها في النقاش المجتمعي العام، بل لأن أفرادا ذكروها، وأن مجموعة من وسائل الإعلام كانت تعتزم التنديد بها.

يمكننا الاعتقاد بأن هذه المراجعات، سوف تساعدنا على الاقتراب من الحقيقة، لكن الواقع غير ذلك: إنها تعزز فقط الانطباع لدى المواطنين بأنها وسائل إعلام شريفة، بينما الأشخاص الذين تدينهم وسائل الإعلام هذه، ليسوا كذلك. طبعا هذا الحلّ يخدم مشروع البروباغندا جيدا لأنه يوجهّ العقول والنفوس لما يريده أهل المصلحة ...وليس القصد من هذه الخطوة فهم العالم، بل سحق البشر.

ثانيا، اضافة لذلك هناك قاعدة غير مكتوبة لهذه التفاهمات الإعلامية توصي بأن يتم التحقق من التهم المنسوبة، من مصادر من خارج نطاق التفاهم، وأن يمتنع أعضاء هذه الوسائل الإعلامية عن ممارسة أي فكر نقدي فيما بينهم، وأن يعزّزوا فكرة أن العالم منقسم إلى شطرين: "نحن" الذين نقول الحقيقة، و" الآخرون" الذين يكذبون. علاوة على ذلك، لم يعد المواطنون يبدون أي ردود فعل، حين يقوم "تفاهم" وسائل الإعلام، هو بالذات، بنشر اتهامات كاذبة.

و الدليل على ذلك عندما هاجمت وسائل الإعلام الأمريكية والفرنسية بالتحديد مرشحين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية: فرانسوا فيون، ومارين لوبان. يمكننا أن نضيف إلى المشكلة العامة التي خلقها "تفاهم" وسائل الإعلام الذي نظمه غوغل، الانطباع الخاطئ بأن المستهدفين في فرنسا مثلا في العمليات الإرهابية، هم ضحية عصابة فرنسية داخل فرنسا نفسها، بينما من أعطى الأوامر، هو واشنطن.

واستنتج الشعب الفرنسي أخيرا أن وسائل إعلامه كاذبة وفاقدة للمصداقية بكل معانيها،  فهذه الوسائل المعروفة تفسر له خطأ أن الحملة الانتخابية موجهة ضد اليمين، وتبحث خطأ عن المتلاعبين في البلاد

تبقى نقطة لابد من إيضاحها: كيف تم اختيار هؤلاء المستهدفين من قبل "التفاهم" ؟ طبعا لا يمكننا هنا سوى ان نسيق ملاحظة كافية لتكون بداية جواب....و هي أنّ الرابط الأوحد الواضح والمؤكد بين دونالد ترامب وفرانسوا فيون هو أنّهم يتمنون التعاون والعمل مع روسيا ومكافحة آفة الجهاد العالمي...التكفيري  المتعصّب وحركة الأخوان المسلمين في المنطقة.

 
الأحد, 12 آذار/مارس 2017 10:16

دلال المغربي ذكرى عهدٌ ووفاء

د. مصطفى يوسف اللداوي |

في مثل هذا اليوم قبل تسعةٍ وثلاثين عاماً، وتحديداً يوم الحادي عشر من مارس عام 1978، كان الفلسطينيون على موعدٍ مع فجرٍ جديدٍ وصبحٍ آخر، وقدرٍ يكتب بمدادٍ من الدم وآياتٍ من العز والفخار، فاجأ الإسرائيليين وأربكهم، وأقظ مضاجعهم وأرعب مستوطنيهم، وساق جنودهم كالقطيع، وقتل سبعةً وثلاثين منهم كالخراف، وترك في نفوسهم أثراً غائراً ما زال إلى اليوم موجوداً، وندبةً في جبينهم مع الأيام لا تدمل، فكان يوماً أسوداً في حياتهم يذكرونه ولا ينسونه، ويكتبون عنه بمرارةٍ ويوصفون أحداثه بألمٍ.

اليوم يتذكر الفلسطينيون جميعاً ابنتهم البطلة، ومقاومتهم الأولى، وشرارة النضى الأبية، وشابتهم الندية الفتية، التي ضحت بشبابها من أجل الوطن، واستغنت عن نضارتها وأحلام صباها فداءً لفلسطين وأهلها، الذين يعترفون بدورها ويقدرون مقاومتها، فيوفون لها دوماً بالنذر، ويلتزمون تجاهها بالعهد، ويحيون ذكراها على مدى الزمن، وحق على الأجيال الجديدة أن يعرفوا من هي دلال المغربي، وما الذي قامت به، وبماذا ضحت لتبقى فلسطين، فهذه امرأةٌ اسمها في الذاكرة منقوش، وفعلها في العقل محفوظ، وتضحيتها في القلب مكنونة، لن ينساها الفلسطينيون، وسيبقون يذكرونها لأجيالهم، ويعلمونها لأبنائهم، ويحفظون صورتها في سفر حياتهم وصفحات مقاومتهم، فهي محل فخرٍ وموضع اعتزاز.

إنها دلال المغربي المرأة الفلسطينية الخالد اسمها، العظيم عملها، الباقي أثرها، العسكرية الأولى والفدائية الكبيرة، التي تجاوزت الرتب، وانتصرت على النخب، وحققت ما عجز عنه الآخرون، فارتقت إلى العلا علماً، وسمت في السماء روحاً، وتخلد بين البشر اسمها رمزاً، وقد صدمت العدو عندما عرف أنها قائدة المجموعة، وأنها تترأس أكثر من عشرة من الفدائيين، الذين يأتمرون بأمرها وينفذون تعليماتها، فأدركوا أنهم في مواجهةٍ جديدةٍ، وفي معركةٍ من طرازٍ آخر، تقودها وتفرضها امرأة فلسطينية، حديدية في إرادتها، وصلبة في مواجهتها، وعنيدة في مواقفها، وحادة في قراراتها، تتقدم ولا تتقهقر، وتطلق النار ولا تتردد، وتنفذ وعيدها ولا تتأخر.

نحيي اليوم ذكراها وفاءً لها وتقديراً لروحها، وعهداً لإخوانها الشهداء، أن القضية الفلسطينية التي ضحوا في سبيلها ستبقى قضية الأمة النقية الشريفة، ولن يتخلى عنها أبناؤها، ولن يستكثروا في سبيلها دماءهم ولا أرواحهم، ومع دلال نتذكر مجموعتها الفدائية، والشهداء الأحد عشر الذين قضوا معها أثناء الاشتباك المسلح مع جيش العدو المدعوم بطائرات الهيلوكبتر، والدبابات والعربات المصفحة، إلا أن دلال ومجموعتها لم يستلموا أمام جحافل العدو، ولم ترهبهم غزارة نيرانه، ولا كثرة عرباته ودباباته، بل واصلت اشتباكها معهم حتى آخر طلقة رصاصٍ كانت بحوزتهم، حيث أمر أيهود باراك الذي كان يقود العملية جنوده بإطلاق النار على أفراد المجموعة كلها، فاستشهد واقفاً أحد عشر فدائياً، كلهم كدلال قوةً وعزيمةً، وإرادةً ويقيناً.

اليوم يا دلال باتت قدرتنا على الإنزال أكبر، وإمكانياتنا على الاقتحام أعظم، وعزمنا أشد وإرادتنا أمضى، وباتت مقاومتنا الفلسطينية والعربية تخطط لتحرير الشمال والجنوب معاً، وإنزال قواتٍ عسكرية على الشواطئ وخلف خطوط النار، وتهديد منشآت العدو ومقراته، ومصالحه ومرافقه، ومراكزه الحساسة ومواقعه المحصنة، ورجالنا لا يقلون عنك غيرةً وحميةً، وحماسةً واندفاعاً، وربما منك يتعلمون ولك يقلدون، فهم يتوقون إلى اليوم الذي ينفذون فيه عملياتهم الفدائية في حيفا ويافا وتل أبيب واللد والرملة، كي يحققوا الحلم الذي بدأت، ويستكملوا الوعد الذي قطعت، وينتقموا من العدو الذي هاجمت وقاومت.

حقد العدو الإسرائيلي وما زال على قائدة المجموعة ومسؤولة العملية، فبالغوا في قتلها إذ مثلوا بجثتها، وتعمدوا التقاط الصور لها، واقترب منها أيهود بارك قائد الفرقة الإسرائيلية، وبلؤمٍ وحقدٍ كبيرين شد شعرها متفحصاً وجهها، ومتأكداً من هويتها، ومتفرساً في هيأتها، مستغرباً شجاعتها ومذهولاً من قدرتها، فهذه هي الفلسطينية البطلة، الأنثى التي بزت الرجال، وصرعت الأعداء، واخترقت الحدود، واحتجزت المستوطنين، وقادت الحافلات، واشتبكت مع العديد من الجنود، الذين استدعوا الجيش لنصرتهم، والطائرات لمساندتهم، وأقبل قادة أركان جيشهم مع باراك يقودون المعركة، ويرقبونها عن قربٍ، وقد أربكتهم الصدمة، وهالتهم المفاجأة، وأفجعتهم الخاتمة، إذ تمكنت المجموعة الفدائية من قتل العديد منهم، وأرعبت الباقين من شعبهم.

ما زال العدو الإسرائيلي الذي أثخنتِ جراحه يا دلال يحتفظ بجثمانك الطاهر، ويصر على إخفائه والإبقاء عليه عنده، ويقصد بذلك إيذاءك وإيذاءنا، إذ رفض تسليمه للمقاومة اللبنانية، التي أبرم باسمها حزب الله صفقةً كبيرة، تضمنت استعادة جثمان دلال، إلا أن العدو قد خدع المفاوضين، وسلمهم جثماناً آخر تبين بعض فحوصات الحمض النووي أنه لا يعود لدلال، وأن جثمانها الطاهر ما زال مدفوناً في ثرى فلسطين، وكأنه يتحدى العدو ويأبى مغادرة الوطن والتخلي عن التراب، وإن كان حقد العدو هو الذي حال دون تسليم جثمانها، إلا أن في بقائها رسالة، وفي الاحتفاظ بها في أرض فلسطين أسمى حكاية، فقد سكنت فلسطين التي سكنتها، وعشقت ترابها وأحبتها، وامتزجت فيها حتى صارت منها.

رغم مضي أربعة عقود على عملية دلال واستشهادها، بصورتها الفتية التي كانت عليها، وبملابسها العسكرية التي كانت تزينها، وبإطلالتها الفلسطينية البهية الدالة على هويتها، إلا أنها ما زالت حاضرة حتى اليوم بيننا، فهي في كل أغنيةٍ وأهزوجةٍ، وتتردد في كل أنشودةٍ وموال، وترفع صورتها في كل مهرجانٍ واحتفالٍ، ويطلق اسمها على الشوارع والميادين، وعلى المدارس والقاعات، وعلى الهيئات والمؤسسات، فتبدو وكأنها حاضرةً بيننا لم تغب، وتعيش فينا ولم تقتل، وتقاتل معنا ولم تتعب، وتحمل على كتفها بندقيتها ولم تسقط، تلك هي دلال المغربي في ذكرى ارتقائها السنوية، وعروج روحها الطاهرة إلى الله بارئها، فسلام الله عليها في الخالدين، وطوبى لها محياها وشهادتها إلى يوم الدين.

 

د.سهام بن محمّد |

فجر سيرغي لافروف فضيحة في مؤتمر الأمن بميونيخ حين دعا إلى نظام عالمي جديد، ما بعد الغرب !!

من المؤكد أن حلف شمال الأطلسي قد فقد تفوقه على مستوى الحرب التقليدية-حتى لو كان لايزال يحتفظ باليد العليا فيما يخص الحرب النووية- في مواجهة روسيا. كما انّه من المؤكد أيضا أنه بعد خمسة عشر عاما من الحرب المتواصلة في "الشرق الأوسط الكبير"، تبخّر سراب إعادة هيكلة الاقليم لدول صغيرة، يقل عدد سكانها عن عشرة مليون نسمة، كما تبخّر وهم القضاء على الأنظمة العلمانية لصالح ديكتاتورية الأخوان المسلمين.

مع كل هذا وذاك، لايزال الأوربيون مصّرون على الاستمرار في تحقيق هذا الهدف الذي فرضته عليهم واشنطن، التي لم يعد، لا الشعب الأمريكي ولا الرئيس الامريكي دونالد ترامب، يريدونه. انّ الذي حصل مثير للاهتمام فالأوروبيين.... هؤلاء الذين يتملكهم الذعر من إمكانية خسارة استثماراتهم التي وظّفوها ضد سورية، وصلتهم تصريحات مغلفة بأمنيات ضبابية، فلقد أعاد وزراء ترامب على مسامعهم أنهم سيواصلون مساعيهم من أجل "حل سياسي في سورية. السؤال المهمّ هو لماذا فهموا إذن أن "الحل السياسي في سورية" يعني استبدال الجمهورية بالإخوان المسلمين؟ الجواب ببساطة، لأن هذا ما لقنتهم إياه إدارة أوباما، التي لفظها الشعب الأمريكي.

من المؤكد أننا بتنا جميعا نرى استعراض القوة التي أخذت تلجأ إليها، من جهة، إدارة ترامب، وفي الجهة المقابلة "حكومة الاستمرار الأمريكية..."

لقد اهتزّت الأرض حين طرد دونالد ترامب (السي.آي.ايه) وهيئة الأركان المشتركة من مجلس الأمن القومي.

و لقد لاحظنا جميعا كيف رفضت سي.آي.ايه، في المقابل، اعتماد الدفاع لستة من مستشاري الرئيس، واتهمت مستشار الأمن القومي بأنه جاسوس لروسيا، وأجبرته على تقديم استقالته، وكيف تلاحق أربعة مسؤولين آخرين من الفريق الرئاسي.

لكن خسارة معركة، لا تعني خسارة الحرب، والأوروبيون الذي استعبدوا لوقت طويل، لم يدركوا هذه الحقائق بعد.

يمكننا أن نقرأ في الوثيقة التمهيدية التي وُزٍّعت على المشاركين في هذا المؤتمر، مقالة لفولكر بيرتس، واضع خطة فيلتمان للاستسلام التام وغير المشروط للجمهورية العربية السورية بداية، يقول بيرتس، (حتى لو فشلنا في إعادة التشكيل)، لن تخرج هذه المنطقة سالمة من الحروب ولا من "الربيع العربي".

ثانيا، يرحب بتحول الصراع بين السعودية وإيران إلى صراع مذهبي سني/شيعي.

ثالثا، طالما يشعر كل فرد بأنه مطوق بهذا الصراع الديني المزيف، فلا مجال لأحد كي يهتم بأوضاع الفلسطينيين.

رابعا، في حين تعب الأوروبيون من رؤية أنهار الدماء تتدفق بعيد عن بلادهم، يأملون في نهاية المطاف أن ينتصر الأخوان المسلمون، وأن لا يكون هناك أي طرف في الشرق الأوسط الكبير يعترف بهزيمته.

خامسا، خلال الحرب في سورية، لم تتوانى التحالفات الإقليمية عن التشكّل والتفكّك، والتي كان آخرها التحالف الذي جمع بين روسيا وتركيا وايران، والذي لن يستمر أطول من غيره من التحالفات.

سادسا، لن تتمكن كل من سورية والعراق من هزيمة الإرهاب والعيش بسلام إلا من خلال حكومات ضامًة (هذا يعني الموافقة على إدخال داعش في حكومتي البلدين).

سابعا، لا يمكن لكل هذا أن ينتهي على هذا النحو إلا من خلال مؤتمر دولي كبير، يحدّد فيه الغربيون مستقبل هذه الشعوب، تماما كما حصل في مؤتمر فيينا عام 1814، حين قرر التحالف الرباعي مصير العالم برمته. هل هذا ما سيحصل حقاّ؟

 

لن تتقبّل اميركا زعيمة مشروع النهب الدولي اي هزيمة لمشروعها، وهذا حتى اللحظة امر مؤكد رغم ما يواجه هذا المشروع من مقاومة وصعوبات. فالبنية الإقتصادية الأميركية قامت في الأساس على سرقة ثروات الشعوب، ما رسّخ منطق الهيمنة كمسار اساسي في العقل الأميركي الحاكم سواء لدى الديموقراطيين أو الجمهوريين، وهي سياسة متعاقبة قد تطرأ عليها بعض التعديلات في التفاصيل والآليات لكنها ثابتة في العنوان، واي تراجع عنها سيكون على حساب استمرار وبقاء اميركا، وهو ما يُلزم الإدارات المتعاقبة على الخضوع لسياسة اللوبيات المتحكمة بالإقتصاد ومؤسسات الحكم، ما يعني عدم حصول متغيرات جذرية في الأفق، وهو ما يجعلنا نجزم بحتمية استمرار الصراع طالما ان العقل الأميركي لم يتغير ولم ولن تغير الإدارة نظرتها وسلوكها.

يراهن الكثيرون على متغيرات في عهد دونالد ترامب، لكنني لا ارى رهانهم في السياق الصحيح فأكثر المستشارين المقربين من ترامب هم من الذي يؤمنون بنظرية "الفوضى الخلاقة" ويعتبرونها الأفضل في توفير الأوضاع الملائمة لتفتيت وتقسيم الدول، طالما أنّ هناك ما يمكن استخدامه كأسباب بديلة للمواجهة موجودة اصلًا في بيئاتنا كالصراع المذهبي والقومي، عملت اميركا مع الأنظمة "العربية" الوظيفية التابعة للناهب الدولي كالمملكة السعودية والمملكة الأردنية وغيرها على توفير الأجواء لها، لتكون أسبابًا بديلة في صراعات لا تعكس حقيقة الصراع.

إنّ كل ما يحصل يخدم هدفين أساسيين، وهما استمرار عملية النهب والحفاظ على الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة في قلب المنطقة لاستمرار عملية النهب.

أميركا التي جربت على مدار اكثر من نصف قرن اخضاع الشعوب بقوة جيشها عانت الأمرّين من افعال المقاومة المضادة من فييتنام الى العراق، لهذا عمدت الى تأسيس قوانين وقواعد الجيل الرابع من الحروب القائمة على خلق صراعات بديلة وعدو بديل، واستخدام ادوات من الشعوب نفسها والعمل على تسليحها وتوفير امكانيات وقدرات تسمح لها بخلق الفوضى والتوحش، وإدخال الدول في مرحلة الإنهاك وتحويلها الى دول فاشلة تمهيدًا لتثبيت حالة تفتيت وانقسام قائمة على اساس الواقع الجديد واستمرار الإستثمار فيه للتمكن من استمرار عملية النهب.

إنّ الترويج لمعاداة العدو الشيوعي الكافر في مرحلة الحرب الباردة كان يهدف الى منع الإتحاد السوفياتي من الإستمرار، وهو أمر شاركت فيه الأنظمة الوظيفية "العربية" من خلال توفير تعميم الفكر الوهابي واموال النفط التي وُضعت في مواجهة الإتحاد السوفياتي، من خلال انشاء تنظيم القاعدة في افغانستان، وهو التنظيم الذي لا يزال يفرّخ مئات التنظيمات بمسميات مختلفة لخدمة مشروع التفتيت والتقسيم.

في الثمانينات انجزت اجهزة الإستخبارات الأميركية بالتعاون مع وزارة الخارجية الأميركية مشروعًا جديدًا للهيمنة، يهدف الى تفكيك الإتحاد السوفياتي والمنطقة العربية والشرق الأدنى، وهو مشروع تم تقسيمه الى ثلاث مراحل كان من المقرر ان يتم تنفيذه بالكامل أواخر العام 2015.

-    المرحلة الأولى من المشروع كانت تستهدف الإتحاد السوفياتي ودول الكتلة الإشتراكية واستطاعت اميركا ان تنجزه بسرعة قياسية، حيث أدّى الأمر الى تشكيل الإتحاد الروسي كبديل وتشكيل دول لم تكن موجودة كأوكرانيا وجورجيا وغيرها من الدول التي كانت من ضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي، ذهب بعضها نحو العداء لروسيا كجورجيا واوكرانيا التي تعتبر الآن مواطئ قدم لأميركا والكيان الصهيوني، ويتم العمل على تحويلها الى قواعد متقدمة تؤثر في خواصر روسيا بهدف انهاكها وانجاز اضعافها وتحويلها الى دولة فاشلة وتابعة.

-    المرحلة الثانية بدأت بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد وتوريط العراق بحرب طويلة مع ايران الناشئة، واخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتوقيع اتفاقيتي اوسلو مع الفلسطينيين ووادي عربة مع الأردن، وصولًا الى ما سمي بالمبادرة العربية لإنهاء الصراع مع الكيان الصهيوني سنة 2002 في القمة العربية التي انعقدت في لبنان، وسبقتها احداث 11 ايلول 2001 في اميركا ولحقها غزو العراق بهدف تدميره وتفكيكه، وتخويف سوريا الدولة العربية الوحيدة حينها التي رفضت الإنصياع بالنموذج العراقي، والذي تبلور بوضوح بعد زيارة كولن أول وزير للخارجية الأميركية حينها الى دمشق، ومحاولته اخضاع سوريا وتهديدها بالنموذج العراقي، وهو امر تم رفضه وكان السبب المباشر في اخراج سوريا من لبنان بعد اغتيال الرئيس الحريري، والذي سبقه قانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي والقرار 1559 وفيما بعد اطلاق عدوان 2006 على لبنان وعدوان 2008 – 2009 على غزة، واطلاق الحرب المستمرة على سوريا حتى اللحظة والتي كان مقررًا ان تتنهي بسقوط الدولة في حد اقصاه نهاية العام 2012.

-    المرحلة الثالثة والتي لم تنطلق حتى اللحظة، وهي التوجه الى الشرق الأدنى والى الصين تحديدًا وتقزيم المارد الصيني وارجاعه الى القمقم.

في كل هذه المراحل كان النفط والممرات البحرية عناوين اساسية لأسباب الهجمة، خصوصًا اذا ما علمنا طبيعة مشاريع جر الغاز والنفط وهو موضوع طويل ومعقد وشائك يستلزم الكثير من الإستعراض، واكتفي بالإشارة اليه لأنتقل الى الإشارة على مواقع الصراع الحالية للدلالة على صحة ارتباط النفط والممرات البحرية بطبيعة الصراع الحقيقية.

فهذه الحروب التي تدور الآن تقع في سوريا القريبة من مضيق الدردنيل والبقعة الجغرافية التي كان مقررًا مرور انابيب النفط فيها لمصلحة قطر والعراق، الذي كانت تذهب فيه الأمور نحو مد خط انابيب كركوك – "تل ابيب"، وسيناء القريبة من قناة السويس والبحر الأحمر واليمن المتحكم بباب المندب وليبيا والجزائر القريبتين من مضيق جبل طارق.

وبالنظر الى الأسباب الحقيقية للصراع والتي لم يكن ممكنًا اعلانها بشكل واضع، ما يوحد شعوب المنطقة في مواجهتها، تمت عملية تضليل وتزوير وتحريض لا سابق لها لإحداث الإنقسام المذهبي وخلق العدو البديل وهو ايران.

شكل الصمود الكبير لسوريا وحلفائها حتى اللحظة عائقًا امام تنفيذ المخطط الشيطاني، وساهم هذا الصمود في سقوط حكم الأخوان المسلمين في كل من تونس ومصر واعاد استنهاض العراق ودفع روسيا للدفاع عن المنطقة وعن وجودها، وكذلك بالنسبة لإيران وقريبًا الصين التي بدأت بوادر استهدافها تظهر للعلن.

ولأنّ الصراع يأخذ البعد الذي ذكرناه، فهو بالنسبة لأميركا صراع مفصلي وبالنسبة للدول المستهدفة صراع وجودي، فإنه سيستمر وبقساوة اكبر مما شاهدناه حتى الوصول الى منتصر او مهزوم. فلا اميركا اليوم هي المهيمن الأوحد ولا روسيا الصاعدة ومعها الصين دول فاشلة كما خطط الأميركي وأراد، ولا سوريا سقطت، وهذا يعني ان المعركة المفصلية بالنسبة لأميركا ومن يدور في فلكها هي معركة وجودية بالنسبة للدول المستهدفة وعلى رأسها روسيا، ما يجعلنا متأكدين من استمرار الصراع حتى الوصول الى نهاية مرحلة القطب الواحد والدخول في مرحلة ما بعد الغرب وافول نجمه، لكن دون ذلك مصاعب كبيرة ستكون اثمان الوصول الى نتائج فيها مريعًا ومكلفًا ولكنها لن تكون لمصلحة اميركا ابدًا.

عمر معربوني - ضابط سابق - خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية/بيروت برس -

 

في أعقاب تحرير تدمر الأثرية للمرّة الثانية من أيدي وحوش الظلام، نرى حجم التدمير الهائل الذي أوقعوه في تلك المدينة التاريخية الغافية في حضن الصحراء المتوّجة بشموخ قلعتها. والسؤال هو لماذا تدمير المسرح الأثري في تدمر، ولماذا كلّ هذا الحقد على آثار مدينة عربية شمخت في عصر ملكتها زنوبية، وشكلت مركزاً حضارياً عالمياً للتبادل التجاري، والحضاري على طريق الحرير؟ والسؤال ذاته ينسحب على حلب، والرقة، ودير الزور، والموصل، ونمرود، ومقام النبي يونس، ومراقد الصحابة، وغيرها من المدن والمواقع التي تشكلّ فخر إرثنا الحضاري، وركائز عراقة هذه الأمة وتاريخها المجيد؟.

ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال وغيره الكثير، لا بدّ لنا أن نتوقف عند الإستراتيجيات التي انهمك أعداؤنا في وضعها طوال تاريخهم، والتي تحوّلت إلى برامج عمل، وأخذت طريقها إلى التنفيذ ولو بعد حين. ومرتكز أعدائنا في كل ما يقومون، هو يقينهم أن العرب لا يقرؤون من جهة ومخترقون لحد النخاع في معظم مرافق أنظمتهم من جهة أخرى، ولذلك فهم ينشرون خططهم الإستراتيجية دون خوف أو خشية أن يفتضح أمرهم أو أن تُتخذ إجراءات تحول دون تنفيذ خططهم.

وللأسف هم محقوّن. فها هي إستراتيجية إسرائيل لثمانينيات القرن الماضي التي كتبها «أوديد ينون» تُطبق اليوم بحذافيرها على الشعب الفلسطيني والأمة العربية دون أن يقرن أحد بين الخطط المنصوص عليها، وما يجري لبلداننا العربية منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم. بل نقرأ أحداثنا بشكل مجتزأ، ونخوض معاركنا، ونحن متنافرون، الواحدة تلو الأخرى، ومن بلد إلى آخر دون أن نستجمع الصورة الكلية للأحداث كي ندرك موقع كل معركة في خريطة المعركة الشاملة التي تفرضها القوى الغربية المعادية، والأنظمة الرجعية والعميلة لها على بلداننا تحت مسميات مختلفة وبذرائع شتى.

فمن الواضح من إستراتيجية ينون أن الفلسطينيين لم يكونوا أبداً الهدف الوحيد للخطط الصهيونية ولكنهم الهدف الأول لأن وجودهم كشعب ينفي جوهر قيام الكيان الصهيوني بل إن كل الدول العربية، وخاصة تلك الدول، تقول الإستراتيجية، ذات التوجهات القومية والمتسقة هي هدف حقيقي عاجلاً أم أجلاً. ذلك لأن الفكرة الأساسية لهذه الإستراتيجية، هي أن إسرائيل غير قابلة للحياة والاستمرار كدولة صغيرة في محيط معاد ولا بدّ لها، إذا ما رغبت بضمان الاستمرار، من أن تصبح امبراطورية تسيطر على الإقليم، على الأقل فكرياً واقتصادياً إن لم يكن عسكرياً. ومن أجل هذا لابدّ لها أن تعمل على تفتيت الدول العربية، من الداخل وأن تستغل الفروقات الأثنية والطائفية في كل بلد وتذكيها إلى أن تتحوّل دول المنطقة إلى دويلات متناحرة على أساس العرق أو الدين أو الطائفة.

ومن أجل هذا لابدّ من البدء بتقويض الجيوش العربية الأساسية، والتي تُشكل، في سورية والعراق على وجه الخصوص، عنصر القوة الأساسية للدولة، ولذلك فإن حلّ الجيوش أو تدميرها في مصر، والعراق، وسورية، هو هدف سريع، في حين يبقى تقسيم هذه الدول إلى دويلات طائفية وعرقية، هو الهدف النهائي لإسرائيل. وتصرّ الإستراتيجية على أنه لابدّ من وجود دولة للأقباط في مصر، ولذلك نرى تركيز العصابات الإرهابية الوهابية الإسلامية المتشددة على تفجير كنائس الأقباط، ولا بدّ من الخروج من أحكام اتفاقية كامب دافيد، وإعادة سيناء إلى إسرائيل في الوقت الذي سوف يصبح الأردن وطناً طبيعياً للفلسطينيين.

في مراجعة الأحداث التي مرّت على أمتنا منذ الثمانينيات وحتى اليوم نرى أن كل ما جرى على بلداننا يهدف إلى أن يسوق بلداننا في هذا الاتجاه ومازالت الأحداث اليوم في سورية، والعراق، والأردن، وسيناء، تؤشر في ذلك الاتجاه الذي نصت عليها إستراتيجية ينون. ولهذا فإن كلّ المسميّات من داعش إلى النصرة إلى الجيش الحرّ أو غيرها التي تتخذ الإرهاب الذي يضرب بلداننا في سورية، ومصر، والعراق، ونراه تارةً في سيناء وتارةً في الموصل، والرقة، ودير الزور، وتدمر، كلّه ينبع من إستراتيجية واحدة تتخذ من البلدان الرجعية العربية المموّلة والمسهلّة أداة لها في نظرة شاملة وتحريك واعٍ وممنهج للأحداث. والمشكلة هي أن الأطراف المتضررة وهي هنا دولنا العربية، لم تجتمع يوماً لتقرأ هذه الأحداث قراءة متأنية متكاملة ولتوحّد الجهود باعتبار أن الواقع يؤكد أن الهجوم على تدمر، ونمرود، هو ذاته الهجوم على سيناء، والقدس، وأن الهدف النهائي هو إضعاف الجميع ثمّ تحويلهم إلى مستخدَمين في معامل ودوائر الصهيونية الإقليمية التي تطمح وتخطط للسيطرة على الإقليم.

وفي هذا الصدد فإن التوجه السعودي نحو تحريض العراق ضد إيران، وسورية، والمنطق التقسيمي الذي يطرحه النظام السعودي وخوض عدوان غاشم على شعب اليمن، ودعم الإرهاب المدمّر في سورية، ومصر، ولبنان، والعراق، كل هذا يصبّ في مصلحة الصهيونية في تنفيذ مخططاتها التي تستهدف العرب والمنطقة بمن فيهم هؤلاء الحكام السعوديون، والخليجيون، الذين يفرحون اليوم بخدمتها سراً وعلانية إلى أن تنقضّ عليهم وتستخدمهم حطباً لنارها الآثمة.

إن التدمير الممنهج لمعالم حضارتنا وهويتنا وتاريخنا، هو خطوة على طريق تنفيذ إستراتيجياتهم وخططهم أما معاركنا المنفصلة والمتباعدة فهي غير قادرة على تقويض خططهم ما لم تصبح المعركة واحدة، وبرؤية ومنهجية وتصميم وإدراك أن هذه المعركة على مساحة الوطن العربي هي معركة واحدة تتخللها أهداف قصيرة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى ولكنها أهداف واحدة، والمستهدف هو نحن العرب في كل أقطارنا وفي مستقبل أجيالنا وإن كان الجهل يمكّن أعداءنا من استخدام البعض من هؤلاء العرب كأداة أساسية في هذه المعركة، سواء من خلال تحالفهم مع العثماني الذي يقضم أرضنا كالصهيوني تماماً أو من خلال تسخير أنفسهم وأموالهم وقواعدهم لتدمير اليمن، وسورية، والعراق، كخطوة أولى. أفلا يعقلون؟.

 

إنّ التفسير الأكثر جلاءً للتواجد الأمريكي في الشمال السوري، هو الموت الأخير للمشروع الأمريكي بالسيطرة على المنطقة العربية عبر الحركات الإسلامية، وبالأخص الإخوان المسلمين، هذا المشروع الذي كان أردوغان عرابه الأول، وقد تصلح طبيعة السياسة الأمريكية بالحفاظ على جميع الأدوات لتفسير التعاطي الأمريكي مع تركيا من جانب والأكراد من جانبٍ آخر، ولكنها لا تصلح لتفسير سياسة التفضيل التي تمارسها أمريكا تجاه الأكراد مقارنة بالأتراك، وقد صرح بذلك وزير الخارجية التركي، حيث اعتبر أنه "يبدو أن أمريكا اختارت الأكراد لمعركة الرقة دون تركيا". لذلك، فلا تفسير لهذه السياسة التفضيلية سوى موت مشروع السيطرة، عبر حكومات إخوانية تابعة للولايات المتحدة عبر الباب العالي في إسطنبول، وإعادة إحياء مشروع التقسيم عبر فيدرالية كردية تحت مظلة الوجود الأمريكي، واكتشف أردوغان مؤخرًا أن المنطقة الآمنة التي تَهلل بها وهلل لها، واستعجل على إثرها للتنصل من التزاماته أمام روسيا وإيران، ما هي إلَّا الكابوس الكردي بالفدرالية.

وقد تصلح هذه الخطوة الأمريكية كتهمةٍ جديدة لإدارة ترامب في التخابر مع روسيا، والتي على إثرها تتواتر استقالات مسؤوليها، فقد جاءت قبيل زيارة مرتقبة لأردوغان إلى موسكو، وكأن الإدارة الأمريكية الجديدة تآمرت مع روسيا ضد حليفها أردوغان، وتتعمد دفعه للحضن الروسي، فيذهب للقاء بوتين مجردًا من أي أوراقٍ للقوة، ويحمل أوزار التهديد الكردي المؤآزَر أمريكيًا، وبذلك يعود قهرًا لالتزاماته السابقة لكلٍ من روسيا وإيران. وقد نبالغ إذا قلنا بأنّ القواعد الأمريكية الجديدة في الشمال السوري، هي بديل استراتيجي لقاعدة "إنجرليك"، ولكنها تصلح كبديل مؤقت تسحب ورقةً مهمة من اليد التركية، كما أنها تهديدٌ بإفراغ تركيا من أطلسيتها، وهذه الأطلسية هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن تختال به أمام روسيا، لذلك فإنّ على النائب العام الأمريكي أن يدرس بجدية توقيت الخطوة الأمريكية في الشمال السوري، لأنها ستجعل من عراب المشاريع والمصالح الأمريكية في المنطقة أردوغان، يجلس عاريًا أمام الرئيس الروسي إلّا من التوسلات بالعودة لتفاهمات ما قبل تصريحات ترامب حول المنطقة الآمنة، وبما أنه لا يوجد ماهية محددة للسياسة التركية سوى التقلب والانقلابات، فلا نستطيع البناء على ما تنتجه لقاءات أردوغان وتصريحاته.

فالسياسات التركية والعربية ما هي إلَّا صدىً للمصالح الأمريكية و"الإسرائيلية"، فتركيا والخليج لا يتركان شاردةً ولا واردةً فيهما مصلحة أمريكية صهيونية إلَّا أحصوها، ومن يتابع التصريحات الرسمية في تلك البلدان أو الأقلام المقربة من الرسميين، يلاحظ أنهم في دركٍ لا قاع له، وحتى تصريحات ما تسمى بـ"المعارضات السورية" والتي هي صدى لعلقيات من يديرهم في تلك العواصم الخليجية وأنقرة، يدرك مدى سقمها وعماها، لذلك فلا غرابة حين نستمع لتصريحات المسؤوولين الأتراك أو من جاورهم من أقلام، وهم يتغنون بـ"الانتصارات" في الباب، باعتبارها إنجازًا تركيًا مفروضًا بالقوة. وفيما تصر الرسمية التركية على أنه لا خطوات دون الإذن الروسي أو الأمر الأمريكي، تتعامى تلك الأقلام عن هذه التصريحات وتقفز للطلب من أردوغان الذهاب إلى منبج، ليقلب الطاولة كما فعل في الباب، وهؤلاء لا يرون الجالس تحت تلك الطاولة المنقلبة، إنه أردوغان شخصيًا، والعنتريات تصلح أمام الجماهير وخلف "المايكروفون"، لكنها في الميدان الكاشطة.

ولكن السؤال الأهم هو عن الموقف السوري من تلك القواعد الأمريكية، لا يحتاج هذا السؤال لكثير عناء، فالموقف السوري مبدئيًا يتعامل مع هذا التواجد باعتباره احتلالًا لا شرعية له، ولكن في هذه الأثناء فالحكومة السورية غير معنية بفتح جبهةٍ جديدة لترحيل هذه القواعد، خصوصًا وأنها في هذه اللحظة تشكل ضغطًا شديدًا على الحكومة التركية، وفي ذات الوقت فهي لا تشكل خطرًا جديًا ينبئ بنجاح مشروعها التقسيمي، وطالما أن الحكومة السورية ترفض ذلك الوجود كما ترفض مبدأ التقسيم مهما كانت مسمياته، فإنّ مسألة تفكيك تلك القواعد هي مسألة وقت لا أكثر، وتخضع لضرورات المعركة وأولوياتها، وينطبق هنا قول الروائي الروسي تولستوي "يربح الحرب الجانب المصمم على الربح"، ولا يوجد طرفٌ مصممٌ على الربح مثل سوريا وحلفائها، أما أعداء سوريا فهم مصممون على استمرار النزف والتخريب، وأما ما تسمى بـ"المعارضات السورية" فهي مصممة على استمرار الاسترزاق.

إيهاب زكي - بيروت برس -

 
الأحد, 05 آذار/مارس 2017 19:57

انهيار السلطة

د.أسامه اسماعيل |

انهيار السلطة مسألة حتمية لا مفر منها، وأن «مسألة بقاء السلطة الفلسطينية مسألة وقت لا أكثر»، وفقًا لما قاله وزير الهجرة الإسرائيلي، زئيف إلكين، في محاضرة أمام منتدى «بار إيلان»، وذلك استنادًا على عدة مؤشرات، منها: ما تعانيه السلطة منذ بضع سنوات من أزمة مالية حادة؛ إذ بلغ العجز المالي للموازنة الفلسطينية لعام 2016 نحو 765 مليون دولار أمريكي. إلى جانب الصراع مع حركة حماس، وفشل التسوية، والصراع الداخلي في حركة فتح. كل هذه عوامل مساعدة لانهيار السلطة.

لكن السلطة الفلسطينية لها رأي آخر، إذ تعتبر نفسها إنجازا للشعب الفلسطيني لا يمكن التخلي عنه، فهي تُشكل الإطار السياسي للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى أنها مُعترَف بها كدولة فلسطينية تحت الاحتلال من قبل الأمم المتحدة. وتعتبر السلطة الفلسطينية أن إسرائيل هي التي تروج لانهيارها من أجل استغفال المجتمع الدولي، وذلك بعمل حملات للكذب والتضليل، وهذا بالطبع يكشف عن خبث نوايا إسرائيل.

لكن هناك رأيا آخر يتحدث عن أن انهيار السلطة الفلسطينية بدأ بالفعل منذ أوسلو، وأن السلطة ما هي إلا «وهم» صنعته إسرائيل بالشكل الذي تريده هي، إذ كبلتها بالتبعية الاقتصادية، وفرضت عليها التنسيق الأمني. فالسلطة الفلسطينية بدأت بالانهيار منذ اللحظة التي قبلت فيها ذلك.

سيناريوهات ما بعد الانهيار

تتوقف سيناريوهات ما بعد انهيار السلطة على كيفية وشكل رحيل الرئيس محمود عباس سواء بالاستقالة أو المرض أو الاغتيال. وفيما يلي أهم السيناريوهات التي تُطرح بقوة في الأوساط الإسرائيلية والفلسطينية، والتي قد يصب بعضها في صالح الشعب الفلسطيني والأخرى في صالح إسرائيل.

أولا: سيناريو الانتقال السلمي للسلطة

يُطرح هذا السيناريو على خلفية إعلان الفصائل الفلسطينية ما توصلت إليه في موسكو 17 يناير/كانون الثاني 2017، إذ تم الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية قبل تنظيم الانتخابات. لكن هذا السيناريو من المتوقع أن يواجه بالعراقيل والعقبات من جانب إسرائيل، التي تفضل اللعب بالقضية الفلسطينية، وتعزيز الانقسام بين الفصائل. ولكي ينجح هذا السيناريو، سيتطلب الأمر ليس فقط إرادة سياسية من قبل الفصائل الفلسطينية، بل إرداة من الشعب الفلسطيني أجمع والالتفاف حول الفصائل من أجل إنجاح المصالحة، والضغط عليهم من أجل ترجيح سيناريو الانتقال السلمي للسلطة.

ثانيا: سيناريو سيطرة حماس على السلطة

يُطرح هذا السيناريو بقوة في إسرائيل، فبحسب المعلومات المتوفرة لدى أجهزة الأمن الإسرائيلية فإن حماس تواصل تقوية بنيتها التحتية في الضفة الغربية، وأنها تتمتع بشبكة علاقات قوية، إذ لديها مكاتب منتشرة في جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولها علاقات بدبلوماسيين غربيين.

قد تتمكن حماس من السيطرة على السلطة في الضفة الغربية، حينها سينتهي التعاون الأمني الفلسطيني مع إسرائيل. وفي هذا الإطار ذكر «إفرايم إنبار» مدير مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية «أنه من مصلحة إسرائيل قمع حماس واعتقال ناشطيها، إذ إنه من المحتمل أن تكون لها اليد العليا»، وأضاف «حماس تعني الإرهاب، وأي خيار آخر هو أقل خطراً على إسرائيل».

ثالثا: سيناريو الحرب الأهلية

قد تفشل المصالحة الوطنية، وتندلع حرب أهلية بين الفصائل في الضفة الغربية، الأمر الذي سيترتب عليه فراغ منصب الرئيس، وهو ما قد يترتب عليه تدخل إسرائيلي جديد بدعوى فض النزاع واستغلال حالة الفوضى وانتهاز فرصة التشرذم داخل  فلسطين، ومن ثَمَّ اللجوء إلى زيادة المناطق الخاضعة لسيطرتها وإنشاء نظام مزدوج في الضفة الغربية، أحدهما للمستوطنين الإسرائيليين والآخر للسكان الفلسطينيين. وقد تزرع أحد عملائها في دور رئيس السلطة الفلسطينية حتى يساعدها في تحقيق أغراضها ولا يعترض على ترسيخ وجودها في الضفة الغربية، ويقتصر دوره على إدارة الأمور الحياتية للسكان الفلسطينيين. والأرجح أن تعلن إسرائيل إقامة دولة للفلسطينيين في غزة فقط، بينما ترسخ هي وجودها في الضفة الغربية.

ولا يُستعبد حينها أن تعود الوصاية العربية على الفلسطينيين مرة أخرى، وهو الأمر الذي قد يُحدِث آثارا مدمرة؛ سواء على القضية الفلسطينية بشكل عام، أو تجاه الدول التي ستقبل فرض وصايتها على الفلسطينيين.

 

قالت المؤسسة الدولية للأبحاث حول السلام في ستوكهولم إن المغرب احتل المرتبة الثانية أفريقيًا ضمن كبار مشتري السلاح بين عامي 2012 و2016، إذ استحوذت الرباط على 15% من إجمالي مشتريات أفريقيا بعد الجزائر التي بلغت نسبتها 46%، وفي المرتبة الثالثة نيجيريا بنسبة 4.6%.

وذكر التقرير -الصادر قبل أيام ويعني باتجاهات تجارة السلاح في العالم في الفترة بين عامي 2012 و2016- أن روسيا كانت أكبر مزود لأفريقيا بالسلاح بنسبة 35% تليها الصين 17% فالولايات المتحدة 9.6% ثم فرنسا 6.9%.

وجاء المغرب في المرتبة الـ 24 ضمن لائحة أكبر الدول من حيث مشتريات السلاح في العالم بين عامي 2012 و2016، إذ بلغت نسبة مشترياته من إجمالي أكبر أربعين دولة 1.2%، وكانت الولايات المتحدة أكبر مزودة للرباط بالأسلحة تليها فرنسا ثم هولندا، غير أن حصة المغرب بمشتريات السلاح تراجعت بين فترة 2007/2011 و2012/2016، فقد انتقلت من 1.4% إلى 1.2%.

الإنفاق العسكري

وكان المركز البحثي نفسه قد صنف المغرب ضمن أكثر دول شمال أفريقيا إنفاقا على التسليح، وذكر تقريره السنوي لحجم الإنفاق العسكري أن إنفاق المغرب على التسليح ناهز 18.5 مليار دولار بين عامي 2011 و2015، وفي العام 2015 أنفقت الرباط 3.7 مليارات على شراء أسلحة من كبرى الدول المصنعة، وهو ما يمثل 3.5% من ناتجه المحلي الإجمالي.

وفي سياق متصل، ذكر تقرير صادر الأسبوع الماضي عن شركة الاستخبارات الدفاعية الإستراتيجية -ومقرها بريطانيا- أن ميزانية الدفاع في المغرب ستنتقل من 3.5 مليارات دولار عام 2018 إلى 3.9 مليارات عام 2022 بزيادة نسبتها 2.8%.

في حين يتوقع أن ينخفض حجم إنفاق المغرب العسكري عام 2017 مقارنة بـ 2013 من 3.8 مليارات دولار إلى 3.4 مليارات، ويعزى ذلك بشكل أساسي للتغير بقيمة صرف الدرهم مقابل الدولار.

أسلحة ومعدات

وأشار التقرير نفسه إلى أن الرباط تشتري بشكل متزايد أسلحة ومعدات متقدمة مثل الطائرات المقاتلة وطائرات التدريب والسفن والصواريخ والدبابات والفرقاطات لتحديث قواتها المسلحة.

وأضاف أن مشتريات المغرب المستقبلية من السلاح تضم طائرات حربية وغواصات وأنظمة رادار وسفنا حربية، إذ ينتظر أن يصل مجموع قيمة مشتريات الأسلحة بالفترة بين عامي 2018 و2022 إلى 18.6 مليار دولار.

وكالات

 

يعتبر الفيتو الروسي الصيني المزدوج في مجلس الأمن، حول مشروع قرار موجه ضد الحكومة السورية بشأن الأسلحة الكيميائية، الأول في وجه إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، والسابع من روسيا، والسادس من الصين، بشأن سوريا.

مشروع القرار

كانت بريطانيا وفرنسا، وانضمت إليهما الولايات المتحدة لاحقا، قد قدموا، أواخر ديسمبر الماضي، مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي، يقضي بفرض عقوبات ضد دمشق تشمل حظر توريد أي أنواع من المروحيات للحكومة والقوات المسلحة ومؤسسات الدولة السورية.

وبحسب نص المشروع، فإن استنتاجات لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي حملت دمشق المسؤولية عن 3 هجمات باستخدام غاز الكلور، تعتبر أساسا لاتخاذ الإجراءات العقابية في حق الحكومة السورية، واعتبرت روسيا وسوريا استنتاجات اللجنة "غير مقنعة".

كما يقضي مشروع القرار البريطاني الفرنسي بفرض عقوبات ضد أشخاص ضالعين في الهجمات الكيميائية، بحسب النص، وتشمل العقوبات ضدهم تجميد أرصدتهم المصرفية وحظر سفرهم من سوريا إلى دول أخرى.

التصويت

حصل القرار الغربي، الذي رعته المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والكيان الصهيوني، على 9 أصوات، بينما عارضته روسيا والصين وبوليفيا، وامتنعت مصر وكازاخستان وإثيوبيا عن التصويت، ويحتاج تمرير أي قرار في مجلس الأمن إلى تأييد 9 أصوات بشرط عدم استخدام الفيتو من قبل أي دولة من الدول دائمة العضوية وإلا أصبح لاغيًا.

القرار يمنع سفر شخصيات سورية، ويفرض عقوبات عليها وعلى كيانات رسمية، ويمنع تزويد سوريا حتى بالأسمدة الزراعية، وبطائرات هليكوبتر وقطع غيارها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ردود أفعال

ردت الولايات المتحدة الأمريكية بالتصميم على فرض عقوبات أحادية الجانب، وقالت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي: "سنعمل مع الاتحاد الأوروبي والدول الراغبة على تطبيق العقوبات بأسرع ما يمكن".

من جانبها، فندت روسيا أسباب رفض القرار وربط الموضوع بمحاولة تغيير النظام في سوريا بشتى الوسائل، وقال نائب مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فلاديمير سافرونكوف "الغايات الجيوسياسية تحجب الرؤية السليمة من أجل اتخاذ خطوات نحو تسوية سياسية ليست في سوريا وحدها بل في أماكن ساخنة أخرى من العالم".

مصر أيضًا وصفت القرار بأنه مسيس ولا يستند إلى أدلة، وقال مندوبها في الأمم المتحدة، عمرو أبو العطا، إن مشروع القرار "تجاهل لأسباب غير مفهومة أحد أهم الأركان الرئيسية التي أشرت إليها وهي الأدلة".

وبالنسبة للصين، فإن المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة ليو جيه يي، أعلن أن التحقيق في استخدام السلاح الكيميائي في سوريا مازال مستمرا، لذا فمن المبكر الحديث عن نتائج نهائية في هذا الملف.

سوريا، التي يستهدفها القرار، انتقدت لجنة التحقيق المشتركة التي تجاهلت 87 رسالة تضمنت معلومات موثقة عن دول قدمت مواد كيميائية للمجموعات المسلحة، وقال نائب مندوبها منذر منذر "ما هي الجدوى الاستراتيجية وراء استخدام السلاح الكيميائي ضد عدد محدود من المسلحين، لا سيما وأن الأسلحة التقليدية تؤدي إلى نفس النتيجة وأكثر".

وعلّق منذر قائلا: "إن هناك دولا تسعى لمعاقبة سوريا رغم الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة، فيما تقف مع ترسانة إسرائيل النووية".

موسكو وبكين والقاهرة

حملت مواقف بعض الدول، طبقا للتصويت، مجموعة من الرسائل المبطنة لكنها مهمة في نفس الوقت، فموقف روسيا معروف مسبقًا، وحتى لاحقًا، من الحكومة في سوريا، وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن موسكو لن تدعم فرض عقوبات دولية جديدة ضد القيادة السورية، باعتبارها خطوة تعيق عملية التفاوض، فضلا عن أن المشروع الغربي يقضي بحظر تصدير الأسلحة إلى سوريا، وهو الأمر الذي يطال روسيا مباشرة، كونها المصدر الرئيسي لتسليح سوريا، ومن ثم فقد كان من المؤكد أن موسكو سترفض المشروع جملةً وتفصيلًا.

وبالنسبة للموقف المصري، فهو امتناع عن التصويت بنكهة الرفض، فالقاهرة قالت إنها لن تدعم مشروع قرار مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على دمشق لأنه خال من الأدلة الحقيقية ويوجه "اتهامات جزافية"، وأضافت أن مسودة القرار الدولي حول موضوع الكيمياوي في سوريا "تجاهلت الدليل".

الموقف المصري قد يبدو لافتًا، خاصة أن القرار مدعوم من قبل الولايات المتحدة والمملكة السعودية، في وقت تلمح فيه واشنطن لتوافقات عسكرية مع القاهرة ضد مكافحة الإرهاب، وتمهد لزيارة مرتقبة للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي إلى أمريكا.

وفيما يتعلق بالرياض، فإن أحد أسباب خلافها مع القاهرة كانت تصويت مصر، في السابق، لصالح مشروع روسي في مجلس الأمن حول حلب، ويبدو أن القاهرة اليوم ترسل المزيد من الرسائل الواضحة إلى السعودية بأنها ستفعل ما تراه مناسبًا لمصالحها وتحالفاتها في المنطقة. مراقبون قالوا إن امتناع مصر عن التصويت، يعكس التقاربات بين القاهرة والحكومة السورية، التي تجلت في تصريحاتها الداعمة للجيش العربي السوري، وفي نفس الوقت يبقي الباب مواربًا مع واشنطن.

وبالنسبة لموقف الصين، يبدو أنها أرادت إيصال رسالة لترامب تخبره أن تحالفها مع موسكو مازال قائمًا في مجموعة من الملفات الاستراتيجية، على الرغم من التقاربات بين واشنطن وبكين، التي تمثلت فيما أعلنته وزارة الخارجية الأمريكية، أمس الثلاثاء، من أن وزير الخارجية ريكس تيلرسون، وعضو مجلس الدولة الصيني، يانغ جيه تشي، ناقشا سبل تحسين "علاقة اقتصادية ذات منفعة متبادلة" بين الولايات المتحدة والصين والحفاظ عليها، وتأكيد ترامب، سابقًا، احترامه لمبدأ الصين الواحدة، فإن هذا لا يعني بأنه سيؤثر على تحالفاتها مع موسكو.

ويرى متابعون أن الدول الغربية لن تتوقف عن استخدام جميع الأسلحة التي بحوزتها من أجل الضغط على سوريا وتغير المعادلات فيها، وهذا ما فعلته عندما طرحت مشروع قرار تعلم سلفًا أنه سيواجه بالفيتو، فقط من أجل إحراج الآخرين، في الوقت الذي يحتاج فيه الملف السوري لأكبر قدر ممكن من التوافقات وعدم التشويش عليه، في ظل انطلاق محادثات جنيف بين الأطراف السورية المتناحرة.

 

د. مصطفى يوسف اللداوي |

لن أدخل في تفاصيل المعارك الجارية في مخيم عين الحلوة جنوبي مدينة صيدا اللبنانية، وهو المخيم الأكبر للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولعله أكبر مخيمات الشتات بعد الدمار الكبير والمريع الذي لحق بمخيم اليرموك بدمشق عاصمة مخيمات اللجوء الفلسطينية، وأحد أشهر المخيمات التي يعتز بها الفلسطينيون إلى جانب اليرموك والوحدات وجباليا وغيرهم من المخيمات العزيزة الغالية، التي أنجبت أعظم الأبطال، وربت خيرة الرجال، وخرج منها مقاتلون ومقاومون، وقادةٌ ومسؤولون، ومتميزون ومبدعون، وروادٌ وكتابٌ وتجارٌ وخير رسلٍ وسفراء عن فلسطين، يحملون قضيتها، ويدافعون عنها، ويضحون في سبيلها، ويعلمون من أجلها، ولا يتأخرون عن العطاء فداءً لها، ونصرةً لشعبها، وتأييداً لحقوقها.

التفاصيل الميدانية للمعارك والأحداث الجارية في مخيم عين الحلوة كثيرةٌ وعديدةٌ، ومتفرقة ومختلفة، وهي معاركٌ قديمةٌ جديدةٌ، متكررةٌ ومعادةٌ، ولكنها جميعها مخزيةٌ ومؤسفةٌ، ومؤلمة وموجعة، لا تشرف الفلسطينيين ولا تخدم قضاياهم، ولا تقربهم إلى بلادهم، ولا تعيدهم إلى ديارهم، ولا تؤلم عدوهم، ولا توجع محتلهم، ولا تسر أصدقائهم، ولا ترضي أحبابهم، ولا تشجع المناصرين لقضيتهم، ولا تساعدهم على الدفاع عنهم، وتبني مطالبهم، ورفع شعاراتهم، بل إنها تفض المؤيدين من حولهم، وتقصي المناصرين لقضيتهم، وتدفع القلوب إلى اليأس، والنفوس إلى الإحباط، وتضعف الارتباط بقضايا الوطن، وتجعل التضحية في سبيله تحت الرايات الموجودة والعناوين الحاضرة مغامرةً خاسرة وتضحيةً باطلةً.

تُرى كيف سنقنع العالم ومعه لبنان أن سلاح هذه المخيمات الفلسطينية إنما هو للمقاومة وقتال العدو الإسرائيلي، وأنه للتحرير والتمهيد للعودة إلى الوطن، وقد كان لأبنائه في ميادين القتال دورٌ مشرفٌ في المقاومة والعمليات الفدائية، فسلاحنا في هذه المخيمات سلاحٌ مقدسٌ شريفٌ، طاهرٌ برئٌ غير مدنسٍ، وإلى غير فلسطين غير موجه، فكيف سنقنع العالم بدعوانا وبوجهة نظرنا ونحن نرى أبناء المخيمات يتقاتلون، وعناصر المنظمات يتصارعون، والوافدون الغرباء إليه فيه يتحكمون، وعلى مصائر أهله يتسلطون، وجميعهم يطلقون النار على بعضهم وكأنهم أعداءٌ وخصوم، ويقصفون بالسلاح الثقيل أحياءهم وكأنها تل أبيب أو غوش عتصيون، فيقتلون المارة والمحصنين، وتطال قذائفهم غرف النوم والمدارس ورياض الأطفال، وتقتل الرضع والشيوخ، والكبار والصغار، والنساء والرجال، وتجر معاركهم العنيفة إلى رحاها القذرة كل أطياف الشعب الفلسطيني اللاجئ، في صيرورةٍ للقتال مهينة، واستمرارية للمعارك غير مفهومة.

ألا يعرف الفلسطينيون أهمية وقيمة الحاضنة الوطنية والقومية التي يستندون إليها ويحتمون فيها، إذ لا قيمة لسلاحهم إن تخلى عنهم شعبهم، وانفض من حولهم أشياعهم، وابتعد عن قضيتهم المؤيدون لهم والمناصرون لحقوقهم، فنحن إذا ننتصر وترتفع كلمتنا وتشتد شوكتنا ويقوى عزمنا، إنما بسبب الحاضنة الوطنية والمحيط القومي، المؤمن بقضيتنا، والمستميت في الدفاع عنها، ولكن معارك مخيم عين الحلوة تستفز كل محب، وتخرج كل صديقٍ عن طوره، وتجعله يحار في فهم ما يجري، وتفسير ما يقع، إذ لا يقتصر الخوف على أبناء المخيم وحدهم، وإنما يمتد ليطال الآمنين في مدينة صيدا، والساكنين في المحيط والجوار، وجلهم من المحبين لفلسطين وأهلها، ومن المتعاونين مع المخيم وأبنائه، إذ فيه رزقهم وأعمالهم، وفيه يفتحون محالهم ومتاجرهم.

ما الذي سيجنيه المتقاتلون في المخيم وماذا سيكسبون إن كان ثمن اقتتالهم خراب المخيم ورحيل سكانه، وتشتيت الرمز الفلسطيني العريق في هذا المخيم، علماً أنه ما كان لهم أن يحملوا السلاح ويتشبهوا بالمقاومين لولا هذا الشعب وقضيته ومخيماته.

ألا يعلمون أن الشعب الفلسطيني لا يقبل بهذه الجرائم، ولم يعد يرضى بالسكوت عليها، أو خفض الصوت لتمريرها، بل إن صوته سيرتفع هذه المرة مطالباً بالتحقيق في هذه المعارك المأساوية، ومحاكمة كل الذين كانوا سبباً فيها، أو ساهموا في استمرارها، أو تأخروا في إخماد نيرانها، أو سكتوا عمن فجّرَ الأحداث، أو سهلوا دخول الغرباء والأجانب، الذين لا يهمهم الشعب، ولا تعنيهم القضية، وهم الذين هربوا من ديارهم وبلادهم بعد أن أفسدوا وخربوا فيها، ودخلوا المخيمات ليستظلوا بظلها، ويستفيدوا من فيئها، ويستغلوا أجواء المقاومة التي تعيش، وحالة الاستثناء التي تميزها، ليشكلوا مجموعاتٍ تخربٍ، وفرقاً تفسد، وتنظيماتٍ تفرض شروطها، وتنفذ برامج لا تخدم الفلسطينيين ولا تنفع قضيتهم، بل إنها تضر وتفسد بينهم وبين الجوار الذي يحتضنهم، والشعب الذي يستضيفهم، ولا يقبل أن يهانوا وقضيتهم.

ألا يستطيع المسؤولون في هذا المخيم العزيز أن يتداعوا إلى لقاءٍ جامعٍ، يدعى إليه الحكماء والمخلصون، والوجهاء والعلماء والعاملون، والوسطاء والمستشارون من غير أبناء المخيم، ليوقفوا المعارك ويحقنوا الدماء، ويعيدوا الأمن والأمان إلى المخيم، ويستعيدوا ثقة السكان وطمأنينة الأهل، ويوقفوا تداعي المشكلة وتفاقم الأزمة، ويضعوا حداً للتدخلات الأجنبية والأيدي الغريبة والساعين لخراب المخيم وتشتيت الشعب وإشعال نار الفتنة بين الفلسطينيين في لبنان، وليعلموا أن نار الحرب إذا ما أضرمت فإنه يصعب إخمادها، كما لا يسهل تطويقها، وهي بالتأكيد ستخلف نتائج سلبية، وستترك آثاراً قاسية، وستجبر سكان المخيم على الرحيل والهجرة، وترك بيوتهم والتخلي عن مخيمهم، بعد أن دكت القذائف جوانبه، وهزت الصواريخ أركانه، وتطاير رصاصه القاتل وتفرق بين أزقته وفي شوارعه، ولا يخفى على أحدٍ أن إخلاء المخيم من سكانه حلمٌ، وتفكيكه أمل، والقضاء على جذوة المقاومة فيه وروح الصمود بين أهله مشروعٌ.

إنها معاركٌ مشبوهةٌ، وحروبٌ غير نظيفة، ومخططاتٌ مجهولةٌ، وشخصياتٌ غير معروفةٌ، وأسلحةٌ غير شريفةٍ، بل إنها بحق بنادقٌ مأجورة، وكوادر وطاقاتٍ موهومة أو مغرورةٌ، ينبغي التصدي لها، والوقوف في وجهها، وعدم التساهل معها، والاتفاق على ضربها، والعمل على إخراجها أو تطويقها، فهذه المعارك والحروب تضر بنا وبقضيتنا، ولا تخدم سوى عدونا ومن تآمر علينا، وإن سكتنا عنها مرةً فإنها ستتكرر في مخيماتٍ أخرى، وستؤدي إلى تقويض البنية المجتمعية الفلسطينية وتشريدها، ودفعها إلى لجوءٍ جديدٍ وهجرةٍ أخرى.