مصطفى السعيد |
توسط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإخراج مقاتلي جماعة الإخوان من غوطة دمشق الشرقية، ولم تكن هذه الوساطة من أجل عيون سوريا التي يتمنى زوالها أو احتلالها، وإنما لأنه يحتاج إلى مقاتلي جماعة الإخوان، ليشكل منهم جيشا خاصا، يشبه ”الفرقة الإنكشارية"، التي شكلها السلطان العثماني أورخان بن عثمان، والتي أصبحت من أقوى الفرق العسكرية في العالم، وأشدها بأسا واستماتة في القتال، لأنها تشكلت من الأطفال المشردين والأيتام المسيحيين، وجرى تلقينهم فنون القتال والإقبال على الموت من أجل الشهادة والتمتع بحوريات وأشهى أطعمة وشراب الجنة، وكان لفرق الإنكشارية الدور الأكبر في القتوحات العثمانية، وكلمة إنكشارية تعني "الجيش الجديد"، وهذا ما يحتاجه أردوغان في الوقت الراهن، فالمقاتلون من جماعة الإخوان يتميزون بالطاعة العمياء والتطلع إلى الشهادة، ولعبوا الدور الأكبر في غزو مدينة عفرين السورية وتشريد وقتل سكانها، وكانوا يتقدمون القوات التركية لتجنيبها الخسائر، لهذا كان عدد قتلى مسلحي الإخوان يفوق قتلى الجيش التركي بأكثر من عشرة أضعاف.
لقد وجد أردوغان في مقاتلي جماعة الإخوان وباقي الجماعات التكفيرية ضالته، ولم يتكلف الكثير في إعدادهم على التدريب العسكري والإستعداد للموت في سبيل دولة الخلافة، فقد وجدهم جاهزون، وفقدوا قياداتهم إما أثناء المعارك أو الإغتيالات المتبادلة بين الجماعات المتناحرة، وعمليات اغتيال أخرى خططتها المخابرات التركية في إدلب، لإعادة تجميع هذه الجماعات في فرقة تركية إنكشارية، يضمن ولاءها أكثر من الجيش التركي، الذي كاد يطيح به في إنقلاب عسكري، جعله يتخلص من نحو نصف قادته، وما يزال يتعرض للتصفيات بالإعتقال أو إنهاء خدمات الكثير من الضباط والجنرالات المشكوك في ولائهم.
إن المهام المطروحة على إنكشارية أردوغان كثيرة، في مقدمتها التخلص من المسلحين الأكراد في كل من سوريا والعراق وجبال جنوب شرق تركيا، التي يتخذ منها حزب العمال الكردستاني قاعدة لعملياته، لكن أردوغان يستغل "الخطر الكردي" لإخفاء أطماعه في احتلال أجزاء من سوريا والعراق، والتي يطلق عليها "المنطقة الآمنة"، وهي خطة تبناها أردوغان منذ سنوات، ولهذا كان أول من أقام معسكرات للنازحين، بعضها أقيمت قبل 2011، في استعداد مبكر للأزمة التي كان أبرز مخططيها ومنفذيها في سوريا والعراق، واحتفظ بأعداد كبيرة من النازحين لتحقيق هدفين، الأول هو تجنيد العناصر المناسبة للإنضمام إلى الإنكشارية، والثاني هو إضفاء شرعية على احتلال أي جزء من سوريا بداعي إعادة النازحين، والثالث هو تهديد أوروبا بموجات النازحين لابتزازها.
مهام الإنكشارية من جماعة الإخوان في مخطط أردوغان يتخطى حدود تركيا وجوارها، فهو يرسلهم إلى الأماكن التي يريد تعزيز نفوذه فيها، ومنها القاعدة العسكرية التركية في قطر، ليتولى الإنكشارية حماية عرش حاكمها تميم بن حمد، الذي يخوض صراعا من ثلاث دول خليجية، يناصبها العداء الصريح، كما أرسل مجموعات من الدواعش والإنكشارية إلى ليبيا لتعزز سيطرة الجماعات الإرهابية على أجزاء من ليبيا، ليكون شريكا في أي مفاوضات حول مستقبل ليبيا، تحقق له بعض المصالح والنفوذ في هذه الدولة الغنية والمهمة بحكم بترولها وموقعها المطل على أوروبا والمهدد لمصر من الغرب.
لكن ما هو مستقبل إنكشارية الإخوان تحت سلطة أردوغان؟ المؤكد أن جماعة الإخوان قد أصابها الوهن والإضطراب، بعد أن تلقت ضربات قوية في مصر وسوريا والعراق وليبيا، أما في اليمن فيعاني حزب الإصلاح الإخواني من مأزق شديد بعد انسحاب قطر من قوات التحالف العربي، ومقاتلوه محاصرون بين القوات المتحاربة، ولا يعرفون إلى أي فريق ينحازون، فقد لفظتهم الإمارات والسعودية، والحوثيون أعداءهم الرئيسيين، وسالت الدماء في القتال بينهم، أما في دول المغرب العربي فقد تنكرت الأحزاب الإخوانية لعلاقتها بجماعة الإخوان، وتسعى لارتداء أقنعة جديدة، حتى تتجنب دفع ثمن ارتباطها بالجماعة، التي توشك على الغرق، وجاءت الضربة المؤثرة من السعودية التي قررت محو آثار الإخوان من المملكة، وتنقية المناهج التعليمية من أفكارهم، وطرد كل من يثبت ارتباطه بالجماعة، أسوة بما فعلته دولة الإمارات، وهكذا حوصرت الجماعة وجفت منابعها المالية والدعائية، ولا تجد سوى قطر المحاصرة والخائفة، ومن المتوقع أن تتخلى عن الجماعة التي أصبحت عبئا ثقيلا عليها، لا تجني منها سوى المشاكل والعداوات، خاصة بعد انهيار مشروع الخلافة، الذي كانت تتوقع أن ينجح في سوريا ومصر ويضم معظم دول المنطقة، وتكون شريكة في عرش الخلافة مع أردوغان.
هكذا لن يتبقى لدى الجماعة سوى شراذم تتقاذفها الأنواء، كل مجموعة منها ترتبط بطرف أجنبي، يستخدمها لتحقيق هدف ما، وإن كان الوهن والهزائم قد قللت من جدوى استعمال الجماعة، ما عدا فرق الإنكشارية التي يخطط أردوغان لأن يكون لها دور مهم في تحقيق بعض أطماعه، لكن تقلبات أردوغان الحادة والسريعة تشكل خطرا على هذه البقية من الجماعة، فقد تتغير مخططات أردوغان، ويعقد الصفقات التي تحقق له مصالحه، دون النظر إلى مصير الجماعة، التي قد تواجه نهاية شبيهة بما حدث للإنكشارية في الدولة العثمانية، التي رأت أن الإنكشارية أصبحت خطرا على الدولة، فضاقت بهم، خاصة بعد أن رفضوا مشروع تحديث قوات الإنكشارية الذي تبناه السلطان محمود الثاني 1808، وتمردوا عليه، وانطلقوا في شوارع اسطنبول يحرقون المباني ويحطمون كل ما يجدوه في طريقهم، وعندما تجمعوا في ميدان الخيل في اسطنبول يوم 9 يونيو 1826، حاصرتهم القوات التركية، وأطلقت مدفعيتها عليهم، وحصدت 6 آلاف قتيل في معركة سميت "الواقعة الخيرية".
صحيفة الأهرام